الخميس , مارس 19 2026
الرئيسية / اراء / جينات الكرامة!

جينات الكرامة!

خالــد شــحام*

أيامٌ قليلة وينطوي عامان على طوفانك العظيم ، وهكذا يا غزة أصبحت درة التاج العربي بين المشرق والمغرب ، وصرت الأسطورة التي سترويها الكتب حتى نهاية الزمان ، هكذا يا غزة ستحكي الأنباء في المستقبل عن المدينة المعجزة التي أنقذت كل العرب والمسلمين ومن بقي له من العمر ، وهكذا يا غزة كشفتِ لنا الحاضرَ والماضي وأزلت الغشاوة عن العيون .
في العام 2001 كانت الخطط الأمريكية -الصهيونية تُسخن حملةً إعلامية هائلة ضد أفغانستان تحت ذريعة أنها تؤوي حركة طالبان (الإرهابية ) التي اُتهمت بضربة نيويورك المفبركة ، وبعد سحق أفغانستان وارتكاب كل أشكال الجرائم الفظيعة وقتل ربع مليون إنسان تبين للجميع بأن أهداف الغزو لا علاقة لها من بعيد ولا قريب بحركة طالبان ، بل كانت هي حصان طروادة الذي تم من خلاله سرقة البلاد والعباد ، وفي عام غزو العراق روجت الدعاية الأمريكية -العربية الصهيونية بأن عدو العرب والغرب هو صدام حسين الذي يمتلك أسلحة الدمار الشامل التي تهدد العالم والسلم ، لنكتشف لاحقا بأن هذه الأكذوبة اُستخدمت مرةً أخرى كذريعة لسحق العراق وقتل ما يزيد عن مليون من أبنائه وسرقة ثرواته ومستقبل أبنائه ، وفي سنوات الربيع العربي الكارثية تمت شيطنة العقيد معمر القذافي وتجنيد كل قوى الشر ضد ليبيا وبدأت رحلة الصيد المثيرة للقبض على الرجل لنكتشف لاحقا بأن ليبيا قد ضاعت إلى الأبد من حسابات القوة العربية وتم الضحك على لحى العرب والشعوب ، وقبل شهور غير بعيدة استيقظت الانسانية الغربية والعربية فجـأة على الجرائم ضد الشعب السوري والأعمال الوحشية في السجون السورية وتم اقتلاع نظام الأسد ونحن نهلل ونطبل لنكتشف بأن الخازوق الذي تم وضعنا عليه أكبر من ذلك السابق ، ولم تكن القصة أبدا لا حقوق إنسان ولا تحرير معتقلين ولا إزاحة طاغية ، واليوم تمتد المجزرة المتواصلة في غزة منذ سنتين تحت ذريعة نزع سلاح حماس وإزاحة قوى المقاومة من مشهد الحكم في غزة ، وكما هي العادة تختفي تحت هذه الذريعة أجندات كاملة استعبادية تنتشر في المنطقة في برنامج محكم النوايا.
في كل التواريخ المؤلمة السابقة كان العامل المشترك هو صعود قوة أو صوت يعارض الامبريالية الأمريكية وسطوة المستعمر الذي يقيم في المنطقة ويقبض عليها قبضا تاما ، والعامل المشترك الآخر هو أنه يتوجب بين الفينة والأخرى في حلقات السنوات أن تتم صناعة دروس وعِبر للعرب والمسلمين وصناعة تمثال من الألم والقتل والترويض كي يتم تثبيط أية تهديدات أو محاولات انفجار متراكمة خلال السنوات ، الشيء المشترك الآخر في كل هذه الفصول المؤلمة أنها لم تكن أبدا بمعزل عن التاريخ الجيني الإجرامي للغرب بأكمله بل هي حلقة متصلة مشتاقة ومتلوعة لتجديد الفطرة الإجرامية التي حرقت ونهبت افريقيا وآسيا والقارة الجنوبية وقتلت ملايين السكان الأصليين وأحدثت محرقة ناكازاكي وهيروشيما وارتكبت أفظع الفظائع في الحربين العالميتين ، وهذا يا سادة ما يفسر الصمت الطويل على الجريمة وكل السلوك الذي نراه ولا نفهمه ، إن تمويل وتسليح الكيان الصهيوني لا يختلف أبدا عن استخدام حق النقض لمنع ايقاف العدوان على غزة ، ولا يختلف عن المماطلات والتنديدات المخففة حيال الجرائم الواقعة ، وهو جزء لا يتجزأ من البصمة الجينية الإجرامية الاستعمارية التي تحمل DNA الابادة ، الذي جاء به هؤلاء المهاجرين من أوكرانيا وبولندا وروسيا وغيرها الى بلادنا وارضنا والادعاء بأنها بلادهم وأرضهم ولهم فيها حقوق تاريخية .إن اعمدة الدخان الهائلة التي تتصاعد من مدينة غزة وتدمير الأبراج ومشهد الخيام المزروعة قرب شاطىء البحر وقطار النازحين في شارع الرشيد ليس إلا ترجمة أخرى لمشهد جيني تفرجنا عليه جميعا لوزير الخارجية الأمريكي الهاوي ماركو روبيو وهو يقبل حائط المبكى ضمن طقوس الاذلال التي يقدمها كل الساسة الأمريكيون الذين ينوون الصعود أو التقرب للدولة اليهودية ، حيث يَجُرُّهم نتانياهو من آذانهم ليقدموا أقصى مشاعرهم الزائفة وتضامنهم القسري مع المجرمين وعصابة المخربين التي تقبض على دول العرب من عنقها ، أما أحشاء الطفل الذي تمزق بطنه نتيجة القذيفة الأمريكية فهي تقدم لكم برعاية جينات مايك هاكابي حارس الجوع في غزة والصهيوني المسيحي الذي يؤمن باسرائيل كما يتنفس ويدير ما يسمى مِزاحا (مؤسسة غزة الإنسانية ) لإدارة التجويع ، والقتل أثناء الحصول على المساعدات ، والتأكيد على قرابين الآطفال الفلسطينين .
إن الدمار الذي يحدث في غزة والقصف المتواصل بمعية التجويع والقتل والترويع ، ثم التوابع الانفجارية التي اُصطنِعت بالاعتداء على لبنان وسوريا واليمن وايران ، كل هذه المدخلات هي إيماءات خفية المعاني لمنظومة سياسية تحاول النهوض وإشهار قوانينها على كل دول العالم ، هذه المنظومة هي اليهودية الجديدة بامتدادتها العالمية لخلق ما نسميه النظام العالمي الجديد الذي يلوح بأوراقه منذ سنوات ، وإذا اضفنا الى هذه الجرائم سكوت العالم وإخفاقه الظاهري في ردع الشر الصاعد فهذا يعني بأن كل قوانين العالم التي نعرفها وتأسست عقب انتصار الحلفاء في الحرب العالمية الثانية كانت مجرد خدع سياسية دولية لتمرير التفوق الغربي وسطوته على شعوب العالم ، ويعني أيضا بأن عبرة (الهولوكوست ) والتعهد الموثوق والمتاحف والبروتوكولات بإيقاف الجرائم الجماعية هي شيء حصري بالشعب اليهودي وليست محرمة على الباقي ، إن الجرائم التي ترتكبها العصابة الصهيونية في غزة وعموم فلسطين والمنطقة العربية ليست إلا جرائم مرتكبة بإسم حق (دولة اسرائيل) في الوجود ، وليست مرتكبة إلا عن عقيدة وايمان ثابت حيث تتحول الجرائم الى نوع من الصلوات والتقرب الى الرب اليهودي ، لقد اشتغلت اليهودية الصهيونية على ترجمة وجودها إلى نوع من التفرد بالمظلومية التاريخية ، وتمت ترجمة هذه المظلومية إلى قوانين وأعراف دولية راسخة سمحت بارتكاب كل انواع وأشكال الجرائم تحت مظلتها إلى الدرجة التي يتحول فيها كل فعل مواجهة أو انتقاد إلى إتهام بالعداء ضد السامية أو نوع من السعي لعمل ابادة جديدة لليهود .
لقد تبين الان بعد ضربة الدوحة بأننا جميعا العرب والمسلمين والعالم بأجمعه نعيش في الجيتو الاسرائيلي الذي حدثت ازاحته المعاصرة نحو حواف القرن الحادي والعشرين لنكتشف بأننا جميعا محاطون باٍلاسلاك الشائكة بعدما غادرته اليهودية التاريخية ، وكل من تسول له نفسه مغادرة السياج يتعرض لإطلاق النار أو القصف أو الحرق او الاغتيال أو تلفيق تهمة لائقة تناسب مكانته الاجتماعية ، يريد هؤلاء المجرمين بأن يقنعوا العالم بأن فكرة (المعاناة المطلقة ) لليهود عبر تاريخ العالم يجب أن تمنح صلاحيات مطلقة واستحقاقات مطلقة ايضا من قتل الاخرين واستباحة حياتهم وأرضهم وعرضهم وأوراحهم .
ad
نحن اليوم ايها السادة المتفرجون نعيش الثقافة اليهودية الحقيقية المسلحة بالمال الفائق والتكنولوجيا المتفوقة والكوادر البشرية المسخرة لخدمتها بكل الضغوط والأدوات التي يمكن تخيلها ، إنها الثقافة التي توارت لقرونٍ وهي تعتمل وتتمدد وتتضخم لتكون اليوم ثقافة القتل والكره والحقد على الإنسانية ، ثقافة الاغتيال والإبادة وتجديد الفناءات الجماعية والسرقات التاريخية ، ثقافة الاحتقار والنظرة الدونية للشعوب والأمم وهدر القيمة الآدمية التي كرمها الله ، ثقافة الخداع والمرواغة والكذب الأقصى ، ثقافة الرقابة على كل شيء وكل وسيلة معلومة ورأي وخبر وتوعية ، ثقافة اعتقال من يرتدي قميصا عليه كلمة فلسطين أو من يضع منشورا داعما للمقاومة في غزة ولو بالتعاطف ، إن ما تواجهه غزة والدول الواقفة على خط النار يتعدى مجلس أمن و ولايات متحدة ودول داعمة أو معارضة ، إنها تواجه إعادة احياء الثقافة الغربية والجينات المتنحية التي أعيد تنشيطها لتكون هي السائدة والمسيطرة على مراكز صناعة القرار الغربي ، إن ايران لا تواجه اللوبي الغربي وقرارات أمم متحدة و تجديد عقوبات ومفاوضات وسائر هذه المتاهة العميقة ودهاليزها التي لا تنتهي ، إن ايران تواجه نفس ما تواجهه غزة بالتمام والكمال وهو الإبادة وازاحة النظام الإسلامي ووضع النظام الصهيوني مكانه وتواجه جيوشا وحملات متكاملة من التشويه والشيطنة والتحريف ، إن الخليج العربي ومجموعة دول العالم الاسلامي لن تنفعها التحالفات الجديدة ولا العقود الحمائية أو الدفاعية المشتركة لأنه لا يمكن علاج السرطان بحبوب المسكنات لوجع الرأس والضحك على الذات والزمان والتاريخ ، إن هذه الدول تواجه مصيرا بالمسح والخضوع القسري بالتلاشي والموت الطوعي قبل الإبادة ، ليس فقط بالآلة العسكرية بل بآلة الكذب والافتراء والاتهام بما لا يمكن توقعه ووضعها في مطالبات قانونية تاريخية لليهودية تقود إلى تفكيكها وإذابتها تحت شرعية دولية مفبركة ومصطعنة خصيصا لإذابة الضعفاء ، إن الأمر نفسه ينتظر تركيا وسائر الدول التي خضعت لفكرة الصبر الاستراتيجي والتي تفكر بالسلام او الوئام أو تربية الحمام وسائر هذه الأدوات التي فشلت وانتهى مفعولها فشلا ذريعا في حضرة النظام الصاعد الجديد الذي لا يرحم شيئا ولا أحدا .
الشيء الوحيد الذي اختلف عن سائر عمليات الإبادة المصغرة والمكبرة التي ارتكبها المجرمون في الماضي عما فعلوه في غزة ، هو أن غزة أيقظت الجينات الإنسانية المتنحية في الزمان الاسرائيلي واعادت الشعور بالإنسانية المسروقة والسيادة الضائعة التي تعاني منها دول الغرب وشعوبه على يد العصابات الحاكمة الخاضعة بالتمام والكمال للهيمنة الصهيونية السرية ، الشيء الوحيد الذي لم يحسبوا حسابه أن الجينات العربية التي صُنِعت في غزة مختومة بنصوص القرآن الكريم والنهج القويم الذي يحاربونه من الف وخمسمائة سنة ، جينات خاصة لشعب يرفض المذلة والمهانة ، الشيء الآخر الذي لم يحسبوا حسابه هو الجينات المخزونة في اليمن العربي الإسلامي الذي يدافع عن غزة ولبنان وسوريا والعراق والخليج ويردع احتلال كل هؤلاء .
إن كان هؤلاء القتلة قد أيقظوا وأحيوا جيناتهم الإجرامية التي سكنت فترة من السنوات وبدأوا مشروعهم الاستعماري الجديد لبلادنا فها هو الرد على ذلك يأتي جينيا أيضا ومن تراب وشجر هذه البلاد ، يأتينا من يمن البطولة وأردن النشامى ولبنان المقاومة وسائر بلاد العرب التي ستكون على ذات النهج ، إنه نهج غزة العزة والكرامة التي رفعت راية الحرية لكل المنطقة ولن تنزلها أبدا .
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

بيبي نتانياهو غير متاح حالياَ!

  د. لينا الطبال* فيديوهات إثبات الحياة = حجم الأزمة × منسوب الذعر هكذا يبدأ …