د. سماهر الخطيب*
تشتعل المنطقة العربية مجدداً مع كل تصريح أميركي يدعو فيه إلى إحلال السلام بالقوة، فبعد أن تساقطت الأنظمة العربية كأحجار الدومينو في الاستراتيجية الأميركية للشرق الأوسط الجديد تشهد المنطقة مخاض ولادة نظم جديدة على أنقاض الطموحات الشعبية بالديمقراطية والثورات التي اجتاحت العالم العربي التي أرادت أن تكون ربيعاً فباتت خريفاً يتساقط بآماله وآلامه..
في السودان وبالتزامن مع الحديث المتصاعد والدعوات الرسمية والشعبية السودانية لفتح تحقيق عاجل بملف مشاركة مرتزقة أجانب بالصراع الدائر في السودان، وكشف المتورطين به، تبرز دعوى قضائية ضد رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان تضعه وتضع قادة مجلس السيادة بمواجهة مباشرة مع محكمة الجنايات الدولية.
وكان السودان قد انسحب من نظام روما المؤسس للمحكمة الجنائية الدولية، بعد سقوط نظام البشير وسيطرة العسكريين على السلطة، وهو ما اعتبره خبراء خطوة مسبقة لإحباط أي محاولة مستقبلية لمحاكمتهم. ولكن بعض الخبراء يعتقدون بأن قادة سلطة بورتسودان وعلى رأسهم عبد الفتاح البرهان، لديهم سجل كافي ووافي من الانتهاكات والجرائم يكفي لمحاكمتهم دولياً.
منظمة حقوقية ترفع دعوى ضد البرهان ورفاقه لمحكمة الجنايات الدولية
في السياق، رفع التحالف السوداني للحقوق دعوى قضائية أمام المحكمة الجنائية الدولية ضد 4 من كبار قادة سلطة بورتسودان، بينهم رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان، متهمة إياهم باستخدام الأسلحة الكيميائية وارتكاب انتهاكات جسيمة ضد المدنيين.
وتستهدف الدعوى كل من رئيس أركان الجيش عبد الفتاح البرهان، وياسر العطا، وشمس الدين الكباشي، واللواء طاهر محمد، وحثت المحكمة الجنائية الدولية على البدء بتحقيق عاجل ومحاسبة المسؤولين، بالتعاون مع فريق من المحامين الدوليين.
ويأتي ذلك بعد فشل جهود الاتحاد الأفريقي ومنظمة (إيغاد) لحل الأزمة سلميا، حيث رفض الجيش السوداني الدخول في أي حوار أو الالتزام باتفاقيات السلام، مما دفع المجتمع المدني إلى اللجوء إلى العدالة الدولية.
وتسلط هذه القضية الضوء أيضًا على المخاوف القارية بشأن النفوذ المتزايد للميليشيات المتطرفة المتحالفة مع السلطات السودانية، والتي قد تشكل تهديدًا خطيرًا لأمن الحدود والاستقرار الإقليمي، وسط حديث عن احتمالية كبيرة لقبول الدعوى المرفوعة ضد البرهان من قبل الجنائية الدولية، في ظل استمرار الانتهاكات دون هوادة في مناطق الصراع.
بماذا سيتم إدانة البرهان وقادة بورتسودان؟
ويقول خبراء بالشأن السوداني بإن هناك قضايا عدّة وتهم كثيرة يمكن إدانة البرهان بها وقادة نظامه ضمن الدعوى القضائية، ومعظم التهم مدعومة بأدلة وشواهد ووثائق. ووفق الخبراء فإن أبرز التهم هي: استخدام السلاح الكيماوي وبعض الأسلحة المحرمة دولياً بأوامر مباشرة من البرهان وقادة جيشه العسكريين خلال معارك الجيش السوداني ضد قوات “الدعم السريع” مما أدى لوقوع خسائر بشرية كبيرة بصفوف المدنيين. بالإضافة لزجه بميليشيات وكتائب إسلامية متطرفة، وبعضها مصنفة إرهابية، مثل كتيبة “البراء بن مالك” للقتال بصفوف الجيش السوداني، وازدياد نفوذها مع ما تشكله من خطر كبير على الأمن المحلي والإقليمي في قارة أفريقيا. إلى جانب تعاون الجيش السوداني مع دول ومنظمات مشبوهة كإيران واستيراد أسلحة منها كمسيّرات شاهد وغيرها، في انتهاك واضح وخطير للقانون الدولي، وحظر السلاح المفروض على السودان وفقاً لقرار مجلس الأمن رقم 1591.
البرهان سيُحَاسب على الانتهاكات بحق المدنيين ومنع المساعدات الإنسانية
ويبدو بأن هناك الكثير من الاتهامات الموجهة للجيش السوداني بقصف المدنيين، وخاصة عبر سلاح الجو، في الفاشر والخرطوم خلال معاركه مع قوات “الدعم السريع”، وهو ما سيُحَاسب عليه البرهان وقادة الجيش.
كما أن البرهان وبحكم سيطرته والجيش على مدينة بورتسودان التي تعتبر العاصمة المؤقتة للدولة، فإنه وقادة نظامه سوف يواجهون أمام الجنائية الدولية تهمة منع وصول المساعدات إلى المدنيين في مناطق سيطرة “الدعم السريع” والتي كانت تأتي عبر ميناء بورتسودان، مما سبب مجاعة كبيرة وأزمات إنسانية لشريحة كبيرة من الشعب السوداني وفقاً لتقارير أممية.
ووفقاً لخبراء بالقانون الدولي فإن البرهان باعتباره القائد العسكري الأول للجيش السوداني والقوات المسلحة منذ سقوط البشير وحتى اليوم فهو منطقياً مسؤول عن كل ما ارتكبه الجيش بالسودان، وبالتالي هذا يعزز من احتمالية قبول المحكمة الجنائية الدولية للدعوى ضد البرهان. وبحسب مصادر من داخل أروقة الجنائية الدولية، فإن التهم الموجهة إلى البرهان ضمن الدعوى القضائية مدعومة بأدلة وشواهد وبراهين مما يعزز من احتمالية قبولها من قبل المحكمة.
وبحسب نشطاء وحقوقيين سودانيين وغربيين، فإنه من الضروري أن تتم محاكمة البرهان وقادة بورتسودان العسكريين نظراً لما ارتكبوه من انتهاكات جسيمة بحق الشعب السوداني. كما أن هناك أنباء كثير من مصادر داخل محكمة لاهاي تشير إلى تحركات نحو قبول الدعوى الموجهة ضد البرهان ومن المحتمل أن يصدر بها قرار في القريب العاجل.
سورية على خطى السودان.. والشرع كما البرهان!
وفي الجهة الشرقية للعالم العربي وتحديداً في سورية يطفوا أيضاً ملف “المرتزقة” أو المقاتلين الأجانب وهم عدة فصائل لم تنضوي جميعها تحت لواء الجيش السوري وفق ما كان مخطط له مع بداية تسلم السلطة الحالية للبلاد.
ويعتبر ملف المقاتلين الأجانب في سورية ملف شائك وقابل للاشتعال في كامل الجغرافية السورية منهم ما يسمى بالغرباء وحراس الدين وجيش الإسلام وغيرها من الفصائل التي تضم الآلاف من عدة جنسيات “إيغور، شيشان، طاجيك، أوزبكستان، فرنسا، تركيا، المغرب.. وغيرها من الجنسيات التي شكلت اليوم عبئاً على الدول التي جاؤوا منها وعلى السلطات السورية الحالية التي تسعى للتخلص منهم أو بالأحرى من الذين لم ينصاعوا للأوامر ولم ينضووا تحت لواء الجيش السوري الحالي.
ويبدو إن لم يتم ضبط هذا الملف من قبل سلطات الأمر الواقع الحالية في سورية وهو شرط دولي متفق عليه إقليمياً ودولياً وضمانة للإعتراف بسلطة الأمر الواقع الحالية ورفع اسم “أبو محمد الجولاني” من قائمة الإرهاب الدولية فسيشهد “أحمد الشرع” رئيس سلطة الأمر الواقع أو السلطة الانتقالية مصير البرهان في المحكمة الجنائية الدولية، خاصةً وأن التحقيقات في ملف الانتهاكات الجسيمة التي وقعت في الساحل السوري والسويداء لا زالت مستمرة مع تحميل سلطات الأمر الواقع الحالية المسؤولية عن هذه الانتهاكات وتحديداً المقاتلين أو المرتزقة الأجانب الذين نفذوا تلك الجرائم بحق الشعب السوري.
كما أن “الشرع” وباعتباره رئيس السلطة الحالية بكل اجهزتها التشريعية والتنفيذية والقضائية وحتى العسكرية “كقائد محرر للبلاد” منذ سقوط أو هروب الأسد وحتى اليوم فهو منطقياً وفق القانون الدولي مسؤول عن كل ما ارتكب من مجازر في سورية، وبالتالي هذا يعزز من احتمالية تقديم دعوى ضده في المحكمة الجنائية الدولية. خاصة إذا ما دعمت الدعوى القضائية بأدلة وشواهد وبراهين مما يعزز من احتمالية قبولها من قبل المحكمة.
*كاتبة سورية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر