اسيا العتروس*
من كان يصدق قبل عام أن المطلوب الاول على قائمة الارهاب لواشنطن يدخل البيت الابيض ضيفا مبجلا يلاحقه الاعلام و لا يظفر منه بخبر ..في الوقت الذي كان الرئيس السوري يلعب كرة السلة مع ضباط أمريكيين ويتهيأ نفسانيا للقاء الرئيس الامريكي في البيت الابيض, كانت المدرعات الاسرائيلية تتوغل في القنيطرة وتقيم مزيد الحواجز العسكرية في أراضي المزارعين السوريين في الجولان السوري المحتل ليحرم أصحابها من مورد رزقهم الوحيد ..خبر لم يجد له صدى لدى متتبعي تفاصيل الزيارة غيرالمسبوقة لرئيس سوري الى أمريكا, وقد يكون هناك من يعتقد أن المرسوم الذي أصدره ترامب بمنح الجولان لكيان الاحتلال بعد أن أقر قبل ذلك بجعل القدس عاصمة للكيان في تكريس لعقلية وعد بلفور بمنح من لا يملك لمن لا يستحق مع فارق خطيروهو أن أكثر من مائة عام تفصل بين وعد بلفور ووعد ترامب الذي يأتي على وقع حرب ابادة جماعية في غزة وهي امتداد لمسلسل جرائم الاحتلال الطويلة …
انتهت زيارة رئيس سوريا أحمد الشرع وفق الهوية الجديدة , أوالجولاني زعيم جبهة النصرة سابقا الى البيت الابيض لتبدأ معها التساؤلات حول ما خفي من أبعاد اللقاء الذي جمعه بالرئيس الامريكي دونالد ترامب بالبيت الابيض طوال ساعتين دون حضوراعلامي و دون تصريحات أو لقاء صحفي مشترك كما تقتضي الاصول الديبلوماسية وكما في أغلب لقاءات الرئيس الامريكي مع ضيوفه وهو الذي دأب في أكثر من مناسبة على احراج ضيوفه واظهارهم في مظهر التلميذ البليد الذهن أمام أستاذه حصل ذلك خلال استقبال ترامب قادة عرب و لكن أيضا خلال استقباله زيلنسكي الرئيس الاوكراني و خلال لقاءه عددا من قادة الاتحاد الاوروبي والامين العام للناتو حول الحرب الروسية الاوكرانية و الارجح أن ترامب لا يعتبرأن هناك نظيرا له في زعامة العالم الذي يريد أن يقوده ..
ندرك أنه لا أحد بامكانه قراءة ما يدور في ذهن الرئيس ترامب الذي حطم كل البروتوكولات في ادارته لعبة العلاقات الدولية في مسرح العالم المترنح الذي يقوده على هواه ..و من هنا فان لقاءه بالرئيس السوري احمد الشرع الجولاني سابقا القادم من فلول داعش والقاعدة و جبهة النصرة لم يخرج من هذا الاطار, صحيح أن الشرع الذي فاز بلقب أول رئيس سوري يزور الولايات المتحدة منذ استقلال سوريا ولكنه لم يحظى بشرف الاستقبال الرسمي والدخول من الباب الرسمي للبيت الابيض ودخل من باب مجاور وهو ما يعني أن مسار الابتزاز لا يزال طويلا وأنه على حاكم سوريا الجديد أن يستعد لمزيد التنازلات لانجاح عملية تبييض الجولاني و تثبيته في ثوبه الجديد ..واذا كان انصار الشرع اعتبروا أن الامر مجرد تفصيل في زيارة تاريخية فان الخبراء والملاحظين يعتبرون أن في ذلك ترحيب مشروط وانفتاح محسوب على الحاكم الجديد لسوريا الذي استبدل بدلة المقاتل بالبدلة الغربية الحديثة ولكن فيه أيضا اختبار لمدى استعداده على المضي قدما في القبول بأصول اللعبة التي يقودها الكبار .. السؤال الاكثر الحاحا في خضم هذا المشهد غير المسبوق ما هو الثمن المطلوب من الشرع للفوز برضاء سيد البيت الابيض و دعمه للبقاء في السلطة والى أي مدى يمكن للشرع أن يذهب في الاستجابة لشروط ترامب ؟بعض التسريبات تتحدث عن قاعدة أمريكية جنوب دمشق و عن دخول الشرع مسرح اتفاقيات ابراهام التي يسعى ترامب لتوسيعها وسيكون في دخول سوريا عضويتها رهان كبير بالنسبة له و حلم بالنسبة لمجرم الحرب ناتنياهو ..
لقد وجب الاشارة الى أنه قبل يومين فقط على هذه زيارة الرئيس السوري الى البيت الابيض يتم رفع اسم الجولاني رسميا من قائمة الارهابيين وهو الذي أعلنت أمريكا عن مكافأة بعشرة ملايين دولار لمن يقبض عليه حيا أو ميتا قبل أن ينقلب الامر رأسا على عقب و يتم اخراج الجولاني في ثوب جديد و يدخل القصر الرئاسي في دمشق وكأنه لم يغادره يوما ودون أدنى مقاومة تذكر بعد أن تبخرالجيش السوري من المشهد , و لم يتوقف المشهد عند هذا الحد و بقدرة قادر سيتم القذف بالجولاني في المشهد الدولي ويصبح قبلة كبار الزعماء الاوروبيين الذين سيتوافدون عليه يعلنون الاستعداد لمساعدة سوريا الجديدة و في البال يبحثون عن موطئ قدم في بلد يتنافس عليه أباطرة صفقات اعادة البناء و الاعمار ..طبعا سيكون لقاء الرياض الفرصة التي أريد لها أن تجمع ترامب بالشرع في مصافحة أعلن معها الرئيس الامريكي شروط الامان وضمان البقاء في السلطة والدخول تحت وصاية البيت الابيض بدءا بقبول اتفاقات ابراهام و ترحيل الفصائل الفلسطينية وصولا الى التطبيع والتخلي نهائيا عن هضبة الجولان التي سبق للرئيس ترامب أن أعلن خلال ولايته الاولى في مارس 2019 أنه منحها لاسرائيل عبر مرسوم وقعه في البيت الابيض ليسلم القلم لناتنياهوالمزهو بالهديتين ..
لا خلاف أن من يدير اللعبة ويستفيد من تبييض ارهابي الامس حاكم اليوم في سوريا يدرك جيدا أهمية عزل دمشق عن ايران و روسيا كل ذلك في زمن الانهيار و السقوط العربي والاسلامي , ليستمر اغراء دمشق بالانضمام الى التحالف الدولي لمحاربة الارهاب ..و من من المفارقات أن تحالف اكثر من ثمانين بلدا كان يحارب تنظيم القاعدة و النصرة و داعش يضم في صفوفه أحد أبرزوأخطرأعداءه في الحرب المفتوحة على الارهاب التي تفضح مجددا عقلية الغرب وأنانيته وحساباته في تطويع القانون وفق حسابات وأهواء الاقوى وتحويل هذه الحرب الى مستنقع مفتوح لاعادة رسم وتقسيم خارطة العالم بما يخدم بالدرجة الاولى الهيمنة العسكرية والاقتصادية والامنية للمصالح الاستراتيجية الامريكية ويمنح ناتنياهو خلال ولاية الرئيس الامريكي ترامب المجال و الامكانيات لفرض رؤيته لفرض اسرائيل الكبرى ..
لا نعرف ان كانت اشادة الرئيس الامريكي ترامب بالشرع، واعتباره إن الماضي الجهادي للأخير سيساعده في إعادة إعمار بلده الذي دمرّته الحرب، اعتراف بمكانة الرجل وان كان الامر كذلك لماذا لم يستقبله استقبال الزعماء و لم يعلن رفع العقوبات و انهاء قانون قيصر المسلط على السوريين , ولا نعرف ان كان استهزاء به و الترويج لدوره المطلوب في اعلان الولاء لامريكا و الدخول في عهد الامام علما وأن مختلف مواقف ترامب و تصريحاته تنم عن احتقار للزعماء العرب الذين يعتبرهم منصات لضخ الاموال ..
خرجت سوريا من عباءة ال الاسد لتقع تحت رداء الجولاني الذي سيتعين عليه اليوم ارضاء الحيف الامريكي الجديد و الحرص على عدم اغضاب و استفزاز رفاق الامس في معارك القتال ..
*صحفية وكاتبة تونسية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر