الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / من غزة إلى دولة التلاوة..!

من غزة إلى دولة التلاوة..!

نادية حرحش*
تابعتُ برنامج «دولة التلاوة» مصادفة. ظهرت لي بعض المقاطع القصيرة بينما كنت أُكرّس طاقتي—بوعي أو بلا وعي—للبحث عن أيّ أثر للأمل في الطفولة، بعد عامين من الإبادة المفتوحة. والحقّ أن “الريلز”، في العادة، لا تأتي إلا محمّلة بالتفاهة: سباق على كشف الجسد، صراخ، استعراض، وابتذال متواصل يُسوَّق بوصفه “تأثيراً” لذلك لم أكن أتوقّع أن أتوقّف. ولم أكن أتوقّع أن أُصغي.
اعتدنا أن نفكّر في المسابقات بوصفها أسواقاً للفرجة، أقرب إلى “سوق عكاظ” معاصر، لكن بلا شعر ولا معنى: مطربون، لجان صاخبة، استعراض للمجوهرات، أطفال وشباب يُدفَعون مبكراً للحلم بالشهرة السريعة، وكأن القيمة تختصر في الصوت لا في المعنى. لهذا كان ما رأيته في «دولة التلاوة» صادماً—لكن بالمعنى الجميل للكلمة.
ما شدّني لم يكن الأداء وحده، بل الجوّ العام: سكينة غير مألوفة، أدب حاضر، تواضع بلا تصنّع، وشعور بأن ما يُقدَّم هنا ليس “عرضاً، بل معرفة تُعاش. من المتسابقين إلى لجنة التحكيم إلى المذيعة، كان ثمة اتفاق غير معلن على أن القرآن ليس مادّة تنافسية فحسب، بل طريق يُصقَل به الإنسان قبل الصوت.
وفي الخلفية والواجهة—دائماً—كانت غزة.منذ بدأت الإبادة، توقّفتُ طويلاً أمام أطفال غزة. أطفال فقدوا مدارسهم، بيوتهم، وأمانهم، لكنهم لم يفقدوا اللغة. رأينا بناتاً وأولاداً لا تتجاوز أعمارهم أصابع اليد الواحدة، يتحدّثون، يخاطبون، يخطبون، وينشدون بملكة لغوية تحتاج عادةً سنوات طويلة من التعليم والتدريب لاكتسابها: ضبط مخارج، انتقاء كلمات، تركيب جمل، وحضور معنى. كيف يحدث هذا؟
لم تُبقِ الإبادة مدرسة ولا جامعاً، ومع ذلك خرج الأطفال من بين الركام ليعلّمونا كل يوم ما لم تعلّمه لنا مدارسنا الخاصّة ولا جامعاتنا “المرموقة”. كأن اللغة—المحمولة بالقرآن—تجد طريقها حين تُغلَق كل الطرق. وكأن المدرسة والجامع في غزة شيء واحد: مكان لتكوين اللسان والوجدان معاً.
هنا بالضبط التقى «دولة التلاوة» بغزة في ذهني. لم يكن اللقاء تنظيرياً، بل حيّاً ومرئياً. ما نراه في البرنامج ليس استثناءً معزولاً، بل امتداداً لمعنى رأيناه يتشكّل في أفواه أطفال غزة: لغة متينة، غير متكلّفة، لا تحتاج إلى صراخ كي تُسمَع. لغة تعرف موقعها من المعنى.
ما أثار دهشتي—وبصراحة، إعجابي—كان حضور لجنة التحكيم، وعلى رأسها وزير الأوقاف. دهشة حقيقية. علم رصين، تواضع لافت، حضور شاب، وهدوء يبعث على الطمأنينة. لأول مرة منذ زمن طويل، أرى العمامة تُستعاد بوصفها مصدر علم وسكينة، لا رمزاً شكلياً أو سلطة خطابية. السماحة على الوجوه—وجوه المتسابقين واللجنة—تصنع فرقاً جوهرياً: لا ترهيب، لا استعلاء، لا توتّر. فقط أدب، معرفة، وشعور بأن الإيمان هنا راحة لا عبئاَ.
والمذيعة—بحضورها المتزن، وثقافتها، ولغتها—لم تكن مجرّد وسيطٍ محايد، بل جزءاً أصيلاً من المعنى الذي يصنعه البرنامج. حضورها لا يطغى، لكنه أيضاً لا يختفي؛ حضور يعرف متى يتقدّم ومتى يفسح المجال للكلمة والصوت.
وكذلك الإنتاج: فخم، متقن، معاصر، يستخدم كل أدوات الصورة والإضاءة والموسيقى، لا بوصفها زينة فارغة، بل كإطار يخدم المعنى ولا يبتلعه. استعراض محسوب، لا يسرق الانتباه من التلاوة، بل يهيّئ لها فضاءً يليق بها.
كأن البرنامج، بكل عناصره، يقول شيئاً مختلفاً عمّا اعتدناه: أن ما هو قيّم يمكن أن يكون جميلاً، معاصراً، وجذّاباً—من دون أن يُختزل في الضجيج أو الابتذال.
ربما لأن الناس—وسط هذا الابتذال العام—مشتاقة للمعنى. ربما لأننا تعبنا من التفاهة التي تُسوَّق لنا بوصفها “الطريق الوحيد”. «دولة التلاوة» يقدّم بديلاً عميق: موهبة تُصقَل بالعمل الدؤوب، وفهمٌ للتلاوة بوصفها منظومة معرفية، لا حفظاً ولا حسن صوت فحسب. علوم لغة، مقامات، معنى، وحضور إنساني.
هنا فقط فهمت لماذا أثّرت فيّ هذه المشاهد. لأن ما نراه في غزة—من بقاء اللغة حيّة تحت القصف—ليس معجزة عاطفية، بل نتيجة مسار تعليمي وثقافي لم تطله بالكامل تشوّهات الحداثة والاستهلاك. وهذا لا ينطبق على الجميع بالطبع، لكنه ملمح واضح: رصانة في اللسان، ووضوح في المعنى.
علّمتنا غزة أن ما يبقى حين ينهار كل شيء هو ما كان أكبر منذ البداية. وذكّرنا «دولة التلاوة» بأن القرآن ليس كتاباً يُتلى فقط، بل مدرسة تُعيد ترتيب القيم: كيف يسمو الإنسان بأخلاقه قبل علمه، وبمعناه قبل صوته.
في زمن تُغرقنا فيه الشاشات بالتفاهة، جاء هذا البرنامج ليؤكّد أن ما هو أصيل لا يزال قادراً على الحضور—إن أُتيح له المجال. وأن اللغة، حين تُستعاد بوصفها وطناً، تصبح قادرة على احتواء الإنسان، لا استهلاكه.
من غزة إلى دولة التلاوة، الطريق واحد: باستعادة اللسان… تستعاد المكانة.

*كاتبة فلسطينية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

هل الصين معنية بالحرب القادمة على طهران؟

د. ادريس هاني* كعادته، يضعنا الباحث والصحفي الفرنسي المميز تيري ميسان أمام حقيقة ما يخفيه …