الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / حين تبتسم واشنطن للاقتصاد الجزائري!

حين تبتسم واشنطن للاقتصاد الجزائري!

سارة محمد مرزوڨي*
لم تأتِ التصريحات الاقتصادية لمستشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الجزائر في سياق مجاملات دبلوماسية عابرة، بل بدت أقرب إلى خطاب جسّ نبض مدروس، تحكمه حسابات المصالح أكثر مما تحكمه رغبة صادقة في شراكة متكافئة. فحين تتحدث واشنطن بلغة الاقتصاد، فهي نادرًا ما تفعل ذلك من باب الإعجاب، بل من باب الحاجة.
في أعقاب استقباله الرسمي، ركّز المسؤول الأمريكي على “الإمكانات الاقتصادية الكبيرة” التي تزخر بها الجزائر، وعلى “فرص الاستثمار الواعدة” التي تتيحها الإصلاحات الجارية. غير أن هذا الخطاب، رغم نعومته الظاهرية، يشي بمحاولة إعادة تعريف الجزائر اقتصاديًا وفق الرؤية الأمريكية: سوق غير مستغل بعد، ومجال مفتوح أمام رأس المال الباحث عن الربح السريع والمضمون.
اللافت أن المستشار الأمريكي تعمّد استخدام مفردات مثل “الشراكة” و”المنفعة المتبادلة”، وهي مفردات باتت ثابتة في القاموس الدبلوماسي الأمريكي، لكنها كثيرًا ما أخفت، تاريخيًا، اختلالًا واضحًا في موازين القوة. فالتجربة مع واشنطن، خصوصًا في عهد ترامب، تُظهر أن الاقتصاد لا يُفصل عن منطق الصفقة: من يقدّم أكثر، يحظى بالاهتمام، ومن يتردد، يُستبدل.
الحديث عن اهتمام أمريكي بالاستثمار في قطاعات الطاقة، البنى التحتية، والصناعات التحويلية، لا يمكن فصله عن السياق الدولي المضطرب، حيث تبحث الولايات المتحدة عن بدائل طاقوية مستقرة وعن أسواق جديدة تعوّض تآكل نفوذها في مناطق أخرى. من هذا المنظور، لا تبدو الجزائر خيارًا نابعًا من قناعة استراتيجية طويلة المدى، بل ضرورة ظرفية فرضتها التحولات الجيوسياسية وسلاسل التوريد المتصدعة.
كما أن الإشادة ببيئة الأعمال الجزائرية والإصلاحات الاقتصادية الجارية تحمل في طياتها رسالة مزدوجة: ترحيب مشروط، ودعوة غير معلنة إلى مزيد من “الانفتاح” وفق المعايير الأمريكية. وهي معايير غالبًا ما تصطدم بمفهوم السيادة الاقتصادية الذي تتشبث به الجزائر، وترفض إخضاعه لمنطق الإملاء أو الضغط الناعم.
اقتصاديًا، يمكن اعتبار تصريحات المستشار الأمريكي عرضًا مفتوحًا بلا التزامات. فواشنطن، بخلاف شركاء آخرين، تفضّل ترك الأبواب مواربة، تحصد المكاسب إن توفرت الشروط، وتتراجع إن تغيّر المزاج السياسي أو الحساب الربحي. لذلك، فإن الإشارات الإيجابية، مهما بدت مغرية، تظل بلا وزن حقيقي ما لم تُترجم إلى استثمارات ملموسة، ونقل تكنولوجيا فعلي، واحترام واضح لأولويات الدولة المضيفة.
في النهاية، لا تعكس تصريحات مستشار ترامب اكتشافًا متأخرًا للاقتصاد الجزائري بقدر ما تكشف قلقًا أمريكيًا من فوات الفرصة في بلد يزداد حضورُه الاقتصادي إقليميًا، ويصرّ على التفاوض من موقع الندية لا التبعية. وبين ابتسامة الخطاب وبرودة الحسابات، يبقى على الجزائر أن تُمسك بالخيط جيدًا: أن تنفتح دون أن تُفرّط، وأن تُصغي دون أن تنخدع.
فالاقتصاد، حين يصبح لغة السياسة، لا يقول دائمًا ما يبدو… بل ما يُراد له أن يُفهم.
*كاتبة جزائرية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

هل الصين معنية بالحرب القادمة على طهران؟

د. ادريس هاني* كعادته، يضعنا الباحث والصحفي الفرنسي المميز تيري ميسان أمام حقيقة ما يخفيه …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *