محمد جواد أرويلي*
تشهد المفاوضات بين الولايات المتحدة وإيران في المرحلة الراهنة حالة من التباين الواضح في تعريف نطاقها وحدودها، إذ تبدو المطالب الأمريكية آخذة في التوسع، في حين يتمسك الموقف الإيراني بحصر المحادثات في الملف النووي حصراً دون سواه. هذا التباين لا يعكس خلافاً تقنياً فحسب، بل يعبر عن اختلاف عميق في الرؤية السياسية لطبيعة التفاوض وأهدافه النهائية.
منذ توقيع خطة العمل الشاملة المشتركة عام 2015، كان الإطار المعلن للمفاوضات يدور حول البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك مستويات التخصيب، وعدد أجهزة الطرد المركزي، وآليات التفتيش والرقابة الدولية. وقد تأسس الاتفاق على معادلة واضحة: قيود نووية محددة زمنياً وتقنياً مقابل رفع تدريجي للعقوبات. غير أن انسحاب الولايات المتحدة من الاتفاق عام 2018 وإعادة فرض العقوبات غيّرا البيئة التفاوضية جذرياً، وأدخلا عناصر جديدة في حسابات الطرفين.
في السنوات الأخيرة، برز موقف الإدارة الأمريكية بقيادة الرئيس دونالد ترامب بشكل واضح في مطالبتها بأن تشمل أي مفاوضات مستقبلية مع إيران برنامج الصواريخ الباليستية إلى جانب الملف النووي. وأكد ترامب في تصريحات حديثة أن معالجة القدرات الصاروخية الإيرانية لا تقل أهمية عن النقاش حول التخصيب النووي، معتبرًا أن أي اتفاق شامل يجب أن يتناول الملفين معًا لضمان استقرار طويل الأمد في المنطقة.
من منظور طهران، يعكس هذا التوسع في المطالب استمرارًا لما تصفه بالتدخل الخارجي في سيادة البلاد، وهو تحول في قواعد اللعبة التفاوضية التي تأسس عليها اتفاق 2015. وترى إيران أن البرنامج النووي، وفق المعاهدات الدولية وآليات التفتيش، ملف قابل للمراقبة والتقييم التقني، بينما يعتبر برنامج الصواريخ جزءًا من منظومة الدفاع الوطني، ويمثل ركيزة أساسية لعقيدتها الأمنية في مواجهة التهديدات الإقليمية.
في هذا السياق، اكتسبت تصريحات أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، دلالة خاصة، إذ أشار في تغريدة حديثة إلى أنه «على خلاف التهويل المصطنع للحرب الإعلامية، فإن تشكيل إطارٍ منظّم للمفاوضات يشهد تقدّمًا». ويعكس هذا التصريح بوضوح أن الأولوية الإيرانية لا تنصبّ على توسيع جدول الأعمال، بل على تثبيت إطار محدد ومنضبط للمحادثات قبل الانتقال إلى تفاصيل الملفات.
فبالنسبة لطهران، لا يتمحور الخلاف الراهن حول نسب التخصيب أو عدد أجهزة الطرد المركزي فحسب، بل حول تعريف حدود الطاولة نفسها: ما الذي يُناقش؟ وبأي ترتيب؟ وتحت أي سقف سياسي؟ ومن هنا يصبح الحديث عن “الإطار” مسألة سيادية واستراتيجية، وليس مجرد إجراء تنظيمي.
وتشير الوقائع إلى أن الموقف الأمريكي الحديث لم ينشأ بمعزل عن الضغوط الإسرائيلية، التي لطالما رأت أن أي اتفاق مع إيران يجب أن يشمل القدرات الصاروخية، نظرًا لما تشكله هذه الصواريخ من تهديد مباشر لوجودها. وقد لعب هذا الطرح دورًا في بلورة الرؤية الأمريكية، التي تميل إلى ربط الملف النووي بقدرات الردع الإيرانية والسلوك الإقليمي، وهو ما يرفضه الجانب الإيراني قاطعًا، معتبرًا أن أي توسيع في الأجندة قبل حسم الملف النووي بذاته يمس بحق السيادة الوطنية ويخرج المفاوضات عن نطاقها المحدد تقنيًا.
هذا التباين في تعريف نطاق التفاوض يخلق إشكالية هيكلية في مسار المحادثات. فمن منظور طهران، فإن إدراج ملفات إضافية قبل حسم القضايا النووية العالقة يُعد تغييراً لقواعد اللعبة التفاوضية، ويعزز الانطباع بأن سقف المطالب قابل للارتفاع بصورة مستمرة.
في ضوء ذلك، تتحول المفاوضات من نقاش تقني حول نسب التخصيب وآليات الرقابة إلى سجال سياسي حول حدود التفاوض ذاته. فالسؤال لم يعد فقط ما هي القيود المقبولة على البرنامج النووي، بل ما إذا كان هذا البرنامج هو الموضوع الوحيد المطروح على الطاولة. وبين توسع المطالب الأمريكية وتمسك إيران بحصرية الملف النووي، يبقى مستقبل المحادثات رهناً بإمكانية التوصل إلى تفاهم مسبق حول الإطار العام قبل الدخول في تفاصيل الملفات الجزئية. ومن دون مثل هذا التفاهم، قد تبقى العملية التفاوضية معلّقة بين أجندتين متعارضتين، تنطلق كل منهما من تصور مختلف لطبيعة التفاوض وحدوده ونقطة انتهائه.
وفي هذا السياق، تشير معلومات وتسريبات إعلامية متداولة إلى وجود تنسيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل يقوم على مبدأ مزدوج: مواصلة المسار التفاوضي مع إيران من جهة، مع الاستمرار في تصعيد الضغوط السياسية والاقتصادية والأمنية عليها من جهة أخرى. ويعكس هذا النهج، مقاربة تقوم على إدارة التفاوض تحت سقف الضغط، الأمر الذي يضاعف من تعقيد المشهد، ويزيد من فجوة الثقة بين الأطراف، ويجعل الاتفاق على “الإطار” نفسه أكثر إلحاحًا وصعوبة في آن واحد.
*كاتب و صحفي إيراني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر