د. بسام روبين*
لم تكن الصواريخ التي إخترقت سماء فلسطين المحتلة مجرد مقذوفات عسكرية عابرة، بل شكلت زلزالا تقنيا أربك سردية التفوق التكنولوجي المطلق التي طالما روج لها الغرب. ونحن أمام مشهد أعاد طرح الأسئلة الكبرى حول موازين القوى، وكشف أن المنظومات الدفاعية التي قيل يوما ، إنها المظلة التي لا تخترق ، ليست عصية على الإختبار الحقيقي ،
حين أقر محللون وكتاب إسرائيليون بأن عددا من الصواريخ الإيرانية نجح في تجاوز طبقات متعددة من أنظمة الدفاع الجوي منذ لحظة إنطلاقها حتى وصولها إلى أهدافها في إسرائيل ، فإن المسألة لا تقف عند حدود الدعاية أو الحرب النفسية، بل تمس جوهر العقيدة العسكرية التي بنيت عليها إستراتيجية الردع في تل أبيب. فالحديث لم يعد عن منظومة بعينها، بل عن شبكة دفاعية متكاملة تضم أنظمة رصد وإعتراض إسرائيلية وأمريكية وأطلسية، شاركت فيها تقنيات متطورة ورادارات منتشرة برا وبحرا .
ودلالة هذا التطور لا تكمن فقط في الجانب العسكري، بل في الرسالة السياسية التي حملتها الصواريخ الإيرانية ، بأن سباق التكنولوجيا ليس حكرا على طرف دون آخر، وأن العقول المحاصرة قادرة حين تتوفر الإرادة ، على إبتكار أدوات تربك أعقد الخوارزميات وأنظمة التشويش، وتضع العالم أمام واقع جديد يتطلب قراءة مختلفة لمعادلات الردع والأمن.
ومن الميدان العسكري ننتقل إلى الميدان السياسي. فالتصعيد المتسارع يضع الإدارة الأمريكية أمام اختبار صعب ، فأي إنخراط أوسع في حرب مفتوحة مع إيران، دون حساب دقيق للتداعيات، سيهدد إستقرار الشرق الأوسط، ويعرض المصالح الأمريكية وحلفاءها لمخاطر جسيمة، ويفتح أبواب مواجهة إقليمية لا يمكن التكهن بمآلاتها.
فرئيس الولايات المتحدة، مطالب بأن يوازن بين التحالفات الإستراتيجية والمصلحة الوطنية العليا، وألا يسمح بأن تختزل سياسات دولة كبرى بحسابات سياسية ضيقة لأي طرف. فدعم أمن إسرائيل لا يعني الإنجراف إلى حروب مفتوحة مع الدول الأخرى لتنفيذ مشروع أوهام إسرائيل الكبرى، ولا يعني تجاهل صوت العقل والحكمة، ولا القفز فوق المؤسسات الدستورية الأمريكية أو الإرادة الشعبية الأمريكية.
فقد أثبتت الأحداث أن منطق القوة وحده لا يصنع إستقرارا دائما ، وأن الحلول العسكرية مهما بلغت دقتها لا تغني عن المسار السياسي ، فوقف إطلاق النار، وفتح قنوات التفاوض ، وإعتماد مقاربة تقوم على العدالة وإحترام القانون الدولي، تظل الطريق الأجدى لتجنيب المنطقة إنفجارا شاملا سيدفع الجميع ثمنه.
واليوم، وبعد أن تهاوت صورة الحصانة المطلقة ، بات لزاما على صناع القرار في واشنطن وتل أبيب إعادة تقييم المشهد بواقعية بعيدا عن أوهام التفوق الدائم. فإستمرار سياسة حافة الهاوية ، لن يقود إلا إلى مزيد من الإشتعال، في منطقة لا تحتمل حروبا جديدة.
حفظ الله منطقتنا والعالم من شر التطرف والمتطرفين ، وألهم قادة الدول رشدهم لما فيه خير شعوبهم وأمنهم وإستقرارهم.
*كاتب اردني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر