الأحد , مارس 22 2026
الرئيسية / اراء / الارض تتحدث فارسي!

الارض تتحدث فارسي!

د. ادريس هاني*
ما قيمة البوليميك السياسي حين تتحكم فيه تقنية ميديولوجية تقادمت في النّمط وفي المقاصد، بينما الحرب تكتب اليوم الفصل الأخير من رواية أخرى أعقد من أن يمضغ فيها القول من لا عهد لهم بالحرب. حرب، لم يعد ينفع معها خطاب التهييج، لأنّها باتت عالمية بامتياز، وليست متيسرة لمستدرك التّنابلة.
لقد عاد خطاب البؤس الطائفي في الوقت بدل الضّائع من أحداث عظام لم يعد معها أي أهمية للكلام. فالأرض اليوم تتكلّم فارسي بامتياز، ولم يعد للعرب منها إلاّ بعض الشهيق وخيبات الأمل، وحجم النّار يتجاوز بلاغة الإقناع. إن إثارة النّقاش في الأديان والمذاهب في ذروة الصراع حول ثروات الأمم، زيغ عن المنهاج الصحيح في فهم الجدل الأزلي بين المركز والهامش، بين تسخير الأديان في اتجاهين: لاهوت الإمبريالية ولاهوت التحرير.

وعليه، كل نقاش يُحوّل البوليميك السياسي إلى نقاش طائفي هو تأكيد على مهزلة عقل عربي لا زال فيه الخطاب الإعلامي التضليلي في حالة استغلال لذوي الاحتياجات “العقلية” الخاصّة. ويكمن السؤال المنطقي الوارد على هذه الهمروجة الطائفية التسطيحية التي ينهض بها دعاة وظيفيون: ما الذي يجب أن تفعله إيران لكي تصبح مسلمة بإذن “هاديس”(إله العالم السفلي والأموات عند اليونان)؟ ما الذي يرضي “هُبل” (الإله العربي في العصر الجاهلي) لكي يقبل بإسلام القوم الذين لن تقبل شهادتهم عند باعة التكفير المتجولين؟ ثم أتساءل: لماذا لم توصف المعارضة الإيرانية بالمجوسية، ولا الشّاه، ولا رجوي، ولا أذربيجان ولا كل هذه الجغرافيا التي تشاركهم الثقافة..؟ بل إن كان النعت يتبع الهوية الطائفية، فلماذا لم ينعت بالمجوسية على الهوية كل من مهدي عامل، حسين مروة، الجواهري، مظفر النواب، علي الوردي، وعلي حرب.. ولماذا لا ينعث بالمجوس كل من هيفاء وهبي وعاصي الحلاني وراغب علامة وكاظم الساهر؟
واضح أنّ تحديد ماهية المسلم، ومن يدخل ومن يخرج من الملّة، باتت في يد النتنياهو، الذي سخر من كلّ الأديان بما فيها المسيحية. هناك شرط من شأنه أن يجعل إيران تدخل في الإسلام من دون إذن هُبل العربي، هو أن تكفّ عن مناهضة الهيمنة، وتسلم مفتاح ثرواتها للميركونتلي. فالقضية في يد شمشون الجبّار وقد خرجت من يد أرباب الملل والنحل.
الخطاب الطّائفي وفي انتظار موقف شمشون، سيستمر في أخطر أشكال المغالطة، مغالطة الاستصحاب المغشوش، فهم يحكمون على القوم ببقاء الأصل، كما أنّ التكرار يهدف إلى تكريس هذه الصور النمطية. كلمة الشّر تتقاسمها الوهابية السياسية واليمين المتطرّف وقادة الاحتلال. ففي نظرهم انتهى الشّر من العالم، فلا استعمار، ولا احتلال، ولا غزو، ولا إبادة.
لكن، أليس من الخطورة بمكان نزع هذه الصورة في حال تغير موقف شمشون؟ أليست ورطة أخرى تعزيز خطاب تكفيري منتوف؟ لكن لا عليك، فخيمياء السياسة يمكنها قلب الحقائق بين عشية وضحاها، فلا يستحق ذلك عناء، فصُنّاع الخطاب التهريجي سرعان ما رأيناهم يلعبون الورق في الكازينو ويرقصون التويست ليلة اتخاذ القرار السياسي. على من يضحك النوكى؟
حين تستبد الطائفية بالعقل السياسي العربي، لا شيء يبدو طبيعيا، فقد تنقلب الصورة وينهدم هيكل المنطق. لكن ما يغيب حتى الآن عن خبراء آثروا أن يكونوا جزء من بروباغاندا شعبوية، هو ما عبّر عنه جندي أمريكي سابق، بأنّ المرشد تطوّع للموت وتحوّل في نظر الشعب إلى بطل قومي. هذا يتوقف على شيء يصعب على الاحتلال فهمه، فقد استدرجهم المرشد إلى لحظة شهادة سوريالية بامتياز، وحينئذ بات الشارع موحّدا على شعار: الثّأر للمرشد. إنّ عشق الشهادة والثقة في المؤسسات، هو درس أنهى سردية أنّ الهروب من الحرب نحو لعبة الاغتيال، تفاديا للمواجهة البريّة وطمعا في حرب بصفر ضحية، ستكون مخرجا من حرب أوقفت العالم اقتصاديا على رجل ونصف. وثمة سرديات أخرى اضمحلّت وسقطت تحت أقدام الشهادة، ومثالها الأبرز:
– إنها مسرحية، وهناك علاقات خفية بين الاحتلال وطهران
– إنّ السلاح الإيراني مجرد خردة لا تنفع
وقد ظهر حقّا أنّ الشهادة أنهت السردية الأولى، ذلك لأنّ الشهادة لا تصلح فصلا من فصول أي مسرحية إلاّ في الكوميديا السياسية لخطاب يراهن على متلقي من ذوي الاحتياجات “العقلية” الخاصّة. وأمّا أن يكون السلاح الإيراني مجرد خردة، فلقد أظهر إلى أي حدّ بات أخطر حتى من النووي، لأنّ النووي لا يمكن استعماله إلا بقيود، لكن لم تعد أمام الصواريخ الإيرانية حدود، فقد وضعت تلك الصواريخ كل القواعد في أزمة، ولأوّل مرّة تتحوّل تل أبيب إلى مسرح للخراب، بينما اختفت أسطورة القبة الحديدية، هروب رأس الاحتلال، الصواريخ تجوب الأزقة وتطارد شمشون الجبان، انسداد مضيق هرمز الممرّ الاستراتيجي الأهم للطاقة العالمية، وتراجعت حاملات الطائرات، وآخر الأخبار كما ذكرت الـ”وول ستريت جورنال”، خبر استهداف قاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي على بعد 4000 كلم؛ وهذا يعني أنّها صواريخ قد تطال ثلثي أوربا نفسها.
لقد كانت بالفعل ورطة وسوء تقدير كلّف العالم خسائر اقتصادية لا يمكن تصوّر تداعياتها حتى الآن. لقد ساهمت البروباغاندا في هذا السُّبات في تقدير خطورة الإقدام على حرب من هذا النوع، لم يشهد لها التّاريخ الحربي الحديث مثالا في نمطها السيبراني. مرة أخرى كان السلاح الرمزي للشهادة حاضرا. ومن كان يبشّر تحرير الشعب ديمقراطيا، هو نفسه من يشنّع عليه ثقافيا ويستهدف أطفاله ومنشآته المدنية.
القراءات الكلاسيكية التي فشلت في فكّ شيفرة البنية الرمزية والمادية للصمود الإيراني، تعتبر اغتيال القادة انتصارا للاحتلال. هذا بينما الشهادة عند القوم انتصار رمزي يتصرّف ماديّا في قوة الصمود.
لقد ظهرت أولى الأطاريح الكيدية ضدّ الشهادة من قبل المنشق الإيراني فرهارد خسرو خافار حول شهداء الله، محاولا إخضاع الشهادة بهذا المعنى للمقاربة السوسيولوجية الفجّة. فرهارد هذا هو مثال حيّ عن السرقات الأدبية حين تصبح مقاربة. تنزيل لمضمون الانتحار عند دوركهايم على ظاهرة ذات طابع أنطولوجي بامتياز. من هنا كان حديث فرهارد عن “مرضى الشهادة” و”داء الشهادة”. فرهارد الذي اعتمد المقاربة السوسيولوجية غير المحسومة، غير الآبهة بالبعد الأنطولوجي الذي دارت حوله مقاربات هنري كوربان وكرستيان جومبي، حيث يصبح مع كوربان المعتقد نفسه هنا شهادة، اختزل فرهارد الشهادة في مرضى الانتحار في مقاربة دوركهايم. هنا يقول فرهارد بأنّ “الرغبة في الموت أمر بديهي يستغله الباسيج، لكن لا يبتكره”، دون أن يلتفت إلى أنّ البديهي هو الرغبة في الحياة إلا في حالة مرض الانتحار، مما يؤكد فجاجة السطو على محتوى مقاربة دوركهايم في الانتحار، هذه الظاهرة الفردية وليست الجماعية، وهي مقاربة باليأس وليس طمعا في المراتب الإدارية. لكن فرهارد يتحدث عن ظاهرة جماعية، والأغبى من كل ذلك، أن يجعل من الرغبة في الموت أمرا بديهيا. كان دوركهايم أكثر حذرا من هذا التبسيط في قراءة هذه الظاهرة، فقد استبعد بالضرورة التفسير الواحدي بالجنون والنوراستينيا والوراثة، واعتبر الانتحار حالة خاصة، لكن متعددة بحسب العرق، مع وجود مشتركات عضوية وسيكولوجية. فالمقاربة الدوركهايمية التي سطى عليها فرهارد بجهل وكيدية تنظر إلى الظاهرة نظرة تركيبية بامتياز
مع أن دوركهايم اعتمد مقاربة سوسيولوجية، إلاّ أنّه كان يقارب حوادث خاصّة وبشكل مركّب وموضوعية. لكن فارهارد الذي قدم أطروحة كيدية، تورط في تجاهل المقاربة الأنطولوجية، ودور الرمزي في الحرب. لكن ما يثيرني هو ادعاؤه أنّ الرغبة في الموت بديهية وليست ابتكارة للباسيج. وما تغفل عنه هذه المقاربة، هو أنّ القيادة الإيرانية التي بات واضحا أنّها تتنافس على الشهادة بثقة كاملة في النّفس وفي قوة المؤسسات، بلغوا فنّ الشهادة، وابتكروا فيها حيلا، تصل حتى الحيلة مع الله تجوُّزا، لأنّهم غالبا ما يفاجؤون جماعتهم. الاستخفاف بالمخاطر غالبا ما يكون له هدف آخر. ففي الوقت الذي اعتقد ترامب والاحتلال أنّ استهداف المرشد قد ينتهي إلى تصدع في النظام، ظهر أنّ المرشد استدرجهم بالفعل باتجاه تحقيق رغبة رجل في 86 من عمره لإكمال مسار مرشد على أمّة لم تركع. مثل هذه القراءات توجد في البيئة العربية أكثر منها حتى في الأراضي المحتلّة، فلو كان هناك تصدّع فلماذا طلب العون من العالم للانخراط في حرب هي أصلا مغامرة وورطة كشفت عن أنّ المنطقة تتعرض للابتزاز وأنّ القوة العظمى معنية بأمن الاحتلال أكثر من أمن العرب والعالم.
وقد بات واضحا اليوم أن السؤال الإشكالي: من سيفاوض، وعلى ماذا سيفاوض، وما هي آفاق هذه الحرب؟ طبعا من السهولة الجواب على هذه الأسئلة بالتّمنّي، لكن حسابات الحرب هي أبعد من أن يُدركها خُبرائجية سوق دواء البرغوث.
*كاتب مغربي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

هل تخلت أمريكا عن حلفائها في الخليج؟

آية مصدق* منذ اللحظات الأولى للحرب التي شنتها كل من إسرائيل وأمريكا ضد إيران في …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *