الأحد , أبريل 12 2026
الرئيسية / اراء / من الحرب إلى التفاوض: من فرض الشروط؟

من الحرب إلى التفاوض: من فرض الشروط؟

ميشيل شحادة*
لم تعد الحرب الأمريكية–الإسرائيلية ضد إيران مجرد مواجهة عسكرية تقليدية، بل تحولت إلى صراع شامل أعاد تشكيل موازين القوى في المنطقة، وفرض على جميع الأطراف إعادة حساباتهم، ليس فقط في الميدان، بل في الاقتصاد والسياسة والاستراتيجيات بعيدة المدى. وفي ظل تصاعد التساؤلات حول طبيعة اتفاق المبادئ الأخير لوقف الحرب، بدأت مجموعة من الحقائق تتبلور بوضوح، كأنها حصيلة أولية لمعركة لم تنتهِ بعد، لكنها نجحت بالفعل في تغيير قواعد اللعبة.
يتمثل أول هذه الحقائق في إعادة تقييم جذرية لدور القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، ولا سيما في الخليج. فعلى مدى عقود، جرى تسويق هذه القواعد باعتبارها مظلة حماية وضمانة أمن في مواجهة ما سُمي “التهديد الإيراني”، لكن الوقائع التي كشفتها هذه الحرب قلبت هذه المعادلة رأسا على عقب. إذ لم تعد هذه القواعد عنصر ردع، بل تحولت إلى أهداف مباشرة، وإلى نقاط اشتباك تستجلب المخاطر إلى الدول المضيفة بدل أن تبعدها عنها. ومع تصاعد الهجمات والتهديدات، بات واضحا أن وجودها لم يوفر الأمن الموعود، بل ساهم في تعريض البنية التحتية الحيوية، من منشآت الطاقة إلى الموانئ، لمستويات أعلى من الخطر، الأمر الذي يفتح نقاشا غير مسبوق حول جدوى استمرارها، ليس فقط من زاوية عسكرية، بل من زاوية سيادية واستراتيجية تتعلق بكيفية تعريف الأمن الإقليمي ذاته.
أما الحقيقة الثانية التي برزت بوضوح، فتتعلق بإعادة تعريف “العدو” في الوعي السياسي والشعبي للمنطقة. فالحرب أعادت توجيه البوصلة نحو طبيعة المشروع الصهيوني ذاته، بما يحمله من طموحات توسعية تستند إلى خلفية عقائدية توراتية، ورؤية إقصائية ذات طابع عنصري. ولم يعد بالإمكان، في ضوء ما جرى، اختزال الصراع في كونه تنافسا جيوسياسيا عابرا، بل بات يُنظر إليه بوصفه مواجهة مع مشروع يسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق معادلات القوة والهيمنة، لا الشراكة والاستقرار. هذا التحول في الإدراك لا يعيد فقط ترتيب الأولويات، بل يعيد صياغة الخطاب السياسي برمته، حيث لم تعد إيران تُقدم كخطر مركزي بقدر ما يُعاد وضعها ضمن سياق صراع أوسع، تتصدر فيه مسألة مواجهة المشروع الصهيوني كعنوان رئيسي للصراع في المرحلة المقبلة.

أما في قلب المواجهة، فقد تجلت الحرب بوصفها “حرب إرادات” بالمعنى الكامل للكلمة، أو ما يُعرف بحرب “عض الأصابع”، حيث يختبر كل طرف حدود تحمل الآخر قبل أن يقرر الاستمرار أو التراجع. وفي هذا السياق، جاء قبول إيران بوقف إطلاق النار، وفق شروطها، كلحظة مفصلية، بعد أن تراجعت الولايات المتحدة اولا وبادرت إلى طلب التهدئة، ما أعاد رسم الإيقاع العام للصراع. فالمفارقة أن طهران نفسها لم تكن تتوقع أن تصل الأمور إلى هذه النتيجة في هذه المرحلة المبكرة، إذ كانت ترى أن فرض مثل هذه الشروط يحتاج إلى زمن أطول واستنزاف أعمق. لكن ما حدث كشف أن ميزان الإرادة، لا ميزان القوة فقط، هو الذي حسم لحظة الانتقال من التصعيد إلى التهدئة، وأن قدرة إيران على الصمود وإدارة الضغط دفعت واشنطن إلى القبول بما كانت تعتبره سابقا خطوطا غير قابلة للتفاوض.
واللافت أن هذا التطور يؤكد أن إيران لم تتعامل مع هذه المرحلة من الحرب بوصفها لحظة الحسم النهائي، بل كحلقة ضمن مسار تصاعدي مدروس. فامتلاكها لما يمكن وصفه بـ “ورقة الضغط القصوى” المتمثلة بإمكانية تفعيل “الكماشة الاستراتيجية” التي تجمع بين مضيق هرمز وباب المندب في آن واحد، لم تُستخدم حتى الآن بكامل طاقتها. وهذا يشير إلى أن طهران كانت تحتفظ بأدوات تصعيد إضافية لمرحلة لاحقة من الحرب، حين تبلغ المواجهة مستوى أعلى من الحساسية يسمح بفرض معادلة أكثر قسوة. وعليه، فإن عدم استخدام هذه الأوراق لا يعكس عجزا، بل يعكس إدارة محسوبة للتصعيد، تقوم على توقيت الضغط لا استنزافه، وعلى إبقاء القدرة على قلب المعادلة قائمة إذا ما فُرضت جولة أشد حدة في المستقبل.
غير أن ما حدث يعكس قراءة مختلفة داخل مراكز القرار الأمريكية، أو ما يُعرف بـ “الدولة العميقة”. فقد بدا أن هذه المؤسسات، من شركات مالية كبرى، إلى أجهزة أمنية وعسكرية، وصولا إلى دوائر سياسية، أدركت أن كلفة استمرار الحرب تتجه نحو مستوى لا يمكن احتماله. لم يعد الأمر يتعلق فقط بكلفة عسكرية، بل بخطر حقيقي يهدد الاقتصاد الأمريكي والعالمي معا.
لقد وصلت الأسواق إلى حافة حرجة، حيث بات أي تصعيد إضافي، خصوصا في مضيق هرمز أو باب المندب، كفيلا بإحداث صدمة عنيفة في أسواق الطاقة وسلاسل التجارة قد تدفع الاقتصاد العالمي نحو انزلاق واسع. وفي ظل هشاشة البنية الاقتصادية وترابط الأسواق، لم يعد الانهيار احتمالا نظريا بل سيناريو واقعيا إذا تم تجاوز هذه العتبة، ما يفسر القبول الأمريكي بشروط كانت تُرفض سابقا بوصفه محاولة لتفادي كلفة أكبر. ومع ذلك، لا يعني هذا أن الحرب تتجه حتما نحو التوقف، إذ لا تزال قوى مؤثرة، كالمجمع الصناعي العسكري واللوبي الصهيوني المدعوم بقاعدته الإنجيلية، تدفع نحو استمرارها، وإن كان نجاحها في ذلك أقل ترجيحا وفق المعطيات الراهنة.
في المقابل، أظهرت إيران تحولا نوعيا في عقيدتها الاستراتيجية. فبعد سنوات من اعتماد ما كان يُعرف بـ “الصبر الاستراتيجي”، انتقلت إلى مرحلة “الردع النشط”. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير في الخطاب، بل تجلى في الميدان عبر إدارة اشتباك مفتوح، متعدد الجبهات، يعتمد على تفعيل أوراق القوة في توقيت محسوب.
نجحت طهران في إدارة معركة معقدة امتدت من الخليج إلى البحر الأحمر، ومن العراق إلى لبنان، دون أن تنزلق إلى مواجهة شاملة تفقد السيطرة عليها. هذا النمط من إدارة الصراع، الذي يجمع بين الضغط العسكري، والتأثير الاقتصادي، والرسائل السياسية أعاد صياغة قواعد الاشتباك، وفرض معادلة جديدة تقوم على أن أي استهداف لإيران لن يبقى محصورا داخل حدودها.
كما أن القدرة على الحفاظ على تماسك الجبهات المختلفة ضمن محور المقاومة ووحدتها، وتنسيق الأدوار بينها، شكلت عنصر قوة أساسي. فالمعركة لم تعد مواجهة بين دولتين، بل شبكة مترابطة من الساحات والجبهات، حيث ينعكس أي تصعيد في جبهة على بقية الجبهات. وهذا ما جعل من الصعب على الولايات المتحدة و”إسرائيل” تحقيق اختراق حاسم، رغم التفوق العسكري التقليدي. كما سيشكل هذا الترابط أحد أبرز اختبارات المفاوضات المقبلة، ومدى قدرة أي اتفاق على الصمود، خصوصا في ما يتعلق بحسم مسألة إدراج الجبهة اللبنانية ضمن الحل أو إبقائها خارج معادلة التسوية.
ومع ذلك، لا يمكن القول إن ما جرى، إن صح توصيفه اتفاقا، يمثل نهاية للصراع. فهو أقرب إلى ترتيب هش تحكمه توازنات دقيقة، قابلة للاهتزاز في أي لحظة إذا ما اختلت هذه المعادلات. فالأسباب البنيوية التي قادت إلى الحرب لا تزال قائمة، بل إن بعضها تعمق خلال المواجهة، وفي مقدمتها بقاء القضية الفلسطينية كجوهر الصراع ومحوره المركزي في المنطقة.
لكن ما تغير بالفعل هو طريقة إدارة هذا الصراع. لم تعد الولايات المتحدة قادرة على فرض إرادتها بسهولة كما في السابق، ولم تعد “إسرائيل” قادرة على خوض حروب خاطفة تحسم النتائج سريعا. في المقابل، أثبتت إيران قدرتها على الصمود، وعلى نقل المواجهة إلى مستوى أوسع تتداخل فيه الجغرافيا مع الاقتصاد، والسياسة مع الأمن، في معادلة أكثر تعقيدا وأقل قابلية للحسم التقليدي.
في ضوء كل ذلك، يمكن القول إن الحرب لم تنتهِ، لكنها دخلت مرحلة جديدة. مرحلة تُدار فيها المواجهة بحذر أكبر، وبأدوات أكثر تعقيدا، حيث لا يسعى أي طرف إلى الحسم الكامل، بقدر ما يسعى إلى تحسين موقعه ضمن معادلة توازن غير مستقرة.
إن ما نشهده اليوم ليس مجرد هدنة، بل إعادة تموضع. إعادة رسم لخطوط النفوذ، ولحدود القوة، ولطبيعة الصراع نفسه. وفي هذا السياق، يصبح السؤال الحقيقي: ليس من انتصر، بل من استطاع أن يمنع هزيمته، وأن يفرض شروط بقائه في لعبة لم تعد تُحسم بالقوة وحدها.
وبين هرمز وواشنطن، وبين الخليج والبحر الأحمر، تتشكل ملامح نظام إقليمي جديد، لا تزال حدوده غير واضحة، لكن المؤكد أنه لن يشبه ما كان قبله.
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

الحرب على إيران: اختبار التوازنات…!

د. وائل عوّاد* في خضم التصعيد المتسارع بين إسرائيل وإيران، وبدعم واضح من الولايات المتحدة، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *