الجمعة , يونيو 12 2026
الرئيسية / اراء / تجديد لسؤال الوجود!

تجديد لسؤال الوجود!

عبدالرحمن مراد*
موضوع حديث الولاية في غدير خم لا يختلف عليه المسلمون، بل يقول غالب رجال المذاهب بصحته وهو ثابت عند أهل السنة، كما هو ثابت عند غيرهم من الشيعة، والسؤال الذي يطرح نفسه هو ما الذي يغضب الكثير ممن ينتمون إلى السنة اليوم من الاحتفال بعيد الغدير، كما شاع عند عموم الناس منذ قرون من الزمن ؟

الموضوع كله لا صلة له بالعقيدة- كما يدعون- فالنص واضح وتأويل بعض فقهاء السنة للنص اجتهاد فرضته الضرورة السياسية والاجتماعية والثقافية في زمنها وليس حجة على المسلمين حتى لا يحاولون تجديد السؤال الحضاري والثقافي في حياتهم وينظرون في شأن الناس والأحوال ؟

الغدير والاحتفاء به ليس بدعة ولا هو جرم، بل ظاهرة ثقافية تبعث سؤالا وجوديا يفترض الوقوف أمامه بقدر وافر من الشعور بالمسؤولية الأخلاقية تجاه العرب والمسلمين، وتجاه ما آل اليه شأنهم، والهوان الذي وصلوا اليه .

الإمام علي – عليه السلام – له من الفضائل والمكارم والحكمة، ما لا يصل اليه أحد من المسلمين، وهو من عظماء الإسلام الذين فرضوا حضورا مكثفا في الفكر الإنساني، وحضورا مكثفا في حركة التاريخ وتموجاته، وهو اليوم يعتبر أحد مصادر التشريع للحقوق والحريات الدوليين- كما أقرت الأمم المتحدة- وقد رأت في عهده لمالك الأشتر أول عهد تاريخي في حقوق الإنسان قبل أن يصوغ الفكر السياسي المعاصر عهد حقوق الإنسان في أربعينيات القرن الماضي وما تلا ذلك من عهود، وكان العالم يفاخر بها حتى اكتشفوا الرسالة التاريخية أو عهد الإمام علي – عليه السلام- لمالك الأشتر، فوجدوا أن المسلمين قد سبقوهم، فرأت الأمم المتحدة في زمن كوفي عنان بأن تدرس في الأجهزة الحقوقية والقانونية ،كما رأت ترشيح الإمام علي كرم الله وجهه لكي يكون أحد مصادر التشريع للقانون الدولي، وبعد مداولات استمرّت لمدّة سنتين في الأمم المتحدة، صوّتت غالبية دول العالم على كون عهد علي بن أبي طالب – عليه السلام – لمالك الأشتر كأحد مصادر التشريع للقانون الدولي وقد تمت بعد ذلك إضافة فقرات أُخرى من نهج البلاغة، غير عهد علي بن أبي طالب لمالك الأشتر، كمصادر للقانون الدولي.

والفقرة التي أقرت تدريسها في مؤسسات حقوق الإنسان هي قوله :

“وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبّة لهم، واللطف بهم، ولا تكوننَّ عليهم سَبُعاً ضارياً تغتنم أكلهم، فإنّهم صنفان: إمّا أخٌ لك في الدين، وإمّا نظير لك في الخلق” .

ومن المفارقات العجيبة أن يرى المخالف لنا في الثقافة وفي المعتقد وفي الدين فضائل رموزنا ونحن نغفل عنها بل وقد نقدح فيها، لا نرى الا العدوات والبغضاء والغلو وما دون ذلك لا نكاد نراه .

وكتاب نهج البلاغة للأمام علي- عليه السلام- تحفة بلاغية، وآية كبرى في اللغة التي تعيد ترتيب النسق العام والطبيعي وتضبطه وفق محددات أخلاقية وثقافية، والكتاب عبارة عن مجموعة من الخطب والرسائل والتفاسير والأقوال جمعها الشريف الرضي في القرن الرابع الهجري، وقد نال الكتاب ما ناله من القدح والتشكيك، وبدلاً من إفراغ الطاقات في قضايا جوهرية رأينا بعض المذاهب والفرق كيف تهدرها في وضع الحجج والمثالب على الكتاب ولم نجد أحدا منها يرى في اللغة والبلاغة التي عليها الكتاب طاقة إيجابية قادرة على أحداث الانتقال في حياة المسلمين فكل نهضة للأمم ترتبط باللغة في مستوياتها المتعددة وفي نهج البلاغة طاقة كبرى قادرة على انعاش أمة الإسلام من سباتها، حتى تصنع مجدا مؤثلا- كما فعل الأسلاف، فضلا عن قصب السبق في كيفية إدارة الدولة، وسياسة الحكومة، ومراعاة حقوق الشعب، وفيه نظريات إسلامية في الحاكم والحكومة، ومناهج في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والحرب والإدارة والأُمور التعبدية والقضائية وقد تركنا كل ذلك مما فيه فائدة للبشرية ونفع عام وصوبنا سهام النقد والتجريح للكتاب وشغلنا أنفسنا في أمر نحن في غنى عنه، وغفلنا عن الأهم الذي جاء من يكتشفه من الأمم الأخرى ونحن نهدر كل طاقاتنا وإمكاناتنا في توسيع دائرة الاختلاف وفي سفاسف الأمور .

يبقى لنا التذكير بالقول إن الغدير حركة تجديد وانتقال وبعث وليس مظهراً شكلياً ولا بد لنا من التفكير العميق في صوغ نظم تكون تعبيرا عصريا عن الإسلام وعوامل نهضة، ففي الولاء للإمام إحياء، وفي بلاغة الإمام ولغته عوامل نهضة، فلا تني العزائم عن بلوغ الغايات والمقاصد في البعث والتجديد والانتقال والتفاعل مع العصر.
*نقلا عن الثورة

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

هل بقي حل للشأن الفلسطيني المتحلل؟!

نادية حرحش* لا يبدو في الأفق أي انفراج للوضع الفلسطيني المتفاقم وسط تراكم الأحداث الدولية …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *