د. بسام روبين*
لم يعد خافيا على ذي بصر وبصيرة أن البيت الأبيض، الذي سوق نفسه لعقود بوصفه حارسا للقيم الديمقراطية وراعيا للسلام العالمي، قد خلع رداء القناع ليكشف عن وجه لا يعترف إلا بلغة القوة الغاشمة، ولا ينحني إلا في محراب المصالح الضيقة، ولو كان الثمن جثث الأطفال وأشلاء القانون الدولي الذي صاغوه بأيديهم يوما ما.
واليوم، ونحن نرقب المشهد العالمي المتفجر، نجد أن الإدارة الأمريكية قد إختارت طواعية أن تضع الأخلاق السياسية في ثلاجة الإنتظار، وأن تدوس على نصوص القانون الدولي ومواثيق الأمم المتحدة بساطور الإنحياز الأعمى لإسرائيل. فلم يعد الأمر مجرد خطأ سياسي أو سقطة دبلوماسية، بل نحن أمام سقوط أخلاقي مدو، جعل من واشنطن طرفا أصيلا في كل نزاع، ومحرضا في كل فتنة، بدلا من أن تكون حكما عدلا أو وسيطا نزيها.
وقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن شريعة الغاب هي الدستور الحقيقي الذي تتبناه واشنطن حين يتعلق الأمر بحلفائها . فبينما ترفع شعارات حقوق الإنسان والعدالة والدفاع عنها، نراها تصاب بالعمى السياسي والصمم الأخلاقي عندما ترتكب المجازر المجازر بأسلحة أمريكية، وبمباركة الفيتو في المحافل الدولية. وهذا التناقض الصارخ لم يترك للعالم خيارا سوى فقدان الثقة بهذه القيادة، التي تزن الدماء بميزان الربح والخسارة.
وقد إرتكب ترامب خطيئة كبرى عندما سار خلف نتنياهو، وطعن حلفاءه في الظهر، معلنا عمليا إنهيار البوصلة الأخلاقية للبيت الأبيض. فقد إنحاز بشكل أعمى لإسرائيل، وسار كالظل خلف نتنياهو، متخليا عن أبسط قواعد الوفاء للحلفاء العرب، الذين دعموا واشنطن بمختلف أشكال الدعم، وراهنوا عليها لعقود طويلة ، وقد ضحى ترامب بعمق العلاقات الإستراتيجية مع الدول العربية على مذبح السجال الإنتخابي الداخلي ومصالح اللوبيات الضاغطة، فلم يعد الحليف العربي ينال من واشنطن سوى الوعود المؤجلة والصفقات المصممة سلفا لصالح الدولة العبرية.
ومن يظن أن العرب سينسون كيف جرت التضحية بهم تحت شعارات سياسية براقة، فهو واهم ، فهذه الطعنة قد تلتئم جراحها، لكنها لن تنسى، وهي كفيلة بأن تدفع أي عقل سياسي في المنطقة إلى إعادة النظر في تحالفاته، والبحث عن شركاء لا يبيعون أصدقاءهم في مزادات المصالح وهذا الخطأ الإستراتيجي الكبير، المتمثل في التضحية بالحلفاء والسير خلف سياسات منحازة لإسرائيل، وضع العالم على فوهة بركان، في وقت لا تفعل فيه القيادة الأمريكية سوى صب الزيت على النار ، ومن هنا، بات لزاما على القوى الصاعدة والدول الإقليمية التي لا تزال تؤمن بكرامة الإنسان وسيادة القانون، أن تسعى إلى نظام دولي متعدد الأقطاب، يعيد للتوازن قيمته، وللقانون هيبته ، وأصبح العالم بحاجة إلى قيادة دولية لا تميز بين دم ودم، ولا تخضع العدالة لمعيار العرق أو الجغرافيا، وتحترم سيادة الدول، ولا تستخدم العقوبات أداة لتجويع الشعوب، بل تؤمن بأن القوة مسؤولية لحماية الضعيف، لا سوطا لجلد المظلوم.
وقد أخبرتنا سنن التاريخ أن الإمبراطوريات التي تتخلى عن قيمها الأخلاقية، وتبني مجدها على أنقاض العدالة، إنما تسير في طريق الزوال، تبدأه بخسارة الشرعية المعنوية قبل النفوذ المادي. وها هو البيت الأبيض ، يخسر اليوم كثيرا من رصيده الأخلاقي في أعين العالم.
وأصبح العالم، من شرقه إلى غربه، يتطلع إلى فجر جديد ينهي حقبة القطب الواحد المتغطرس، ويؤسس لعصر تكون فيه الأخلاق هي القائد، ويكون فيه القانون هو الحكم ، فهل يدرك العقلاء في واشنطن أن القوة بلا أخلاق ليست سوى شكلٍ من أشكال البلطجة الدولية التي لن يطول الصمت عليها؟
*كاتب اردني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر