الإثنين , أبريل 27 2026
الرئيسية / اراء / خطورة سلوك دونالد ترامب على أمن العالم!

خطورة سلوك دونالد ترامب على أمن العالم!

د .احمد القطامين*
يُعدّ سلوك القادة السياسيين عاملاً حاسماً في تشكيل مصير العالم، إذ لا تقتصر قراراتهم على حدود دولهم، بل تمتد آثارها إلى النظام الدولي بأسره. وفي هذا السياق، يبرز سلوك دونالد ترامب بوصفه نموذجاً مثيراً للجدل يستدعي قراءة تحليلية لفهم مخاطره المحتملة على أمن العالم واستقراره.
أولاً: الشعبوية كتهديد للعقلانية السياسية
من منظور فكري، تقوم الدولة الحديثة على ما يسميه مفكرو السياسة بـ”العقلانية المؤسسية”، أي خضوع القرارات السياسية لمنطق المؤسسات والقوانين، لا للأهواء الفردية. غير أن الخطاب الشعبوي الذي تبناه ترامب خلال فترات مختلفة من حياته السياسية يقوم على استثارة العواطف الجماهيرية بدلاً من بناء التوافق العقلاني.

فالشعبوية، كما تُفهم نظرياً، تميل إلى تبسيط القضايا المعقدة وتحويلها إلى صراعات ثنائية بين “نحن” و”هم”، الأمر الذي يؤدي إلى تقويض الحوار الدبلوماسي وإضعاف القدرة على إدارة النزاعات الدولية بحكمة. وعندما تصدر هذه النزعة من قائد دولة عظمى تمتلك ترسانة نووية، فإن المخاطر تتجاوز المجال الداخلي لتصل إلى تهديد السلم العالمي.

ثانياً: الشخصنة السياسية وإشكالية السلطة الفردية
من أبرز المظاهر التي أثارت قلق المراقبين الدوليين اعتماد ترامب على أسلوب شخصي في إدارة السياسة، حيث تُربط القرارات أحياناً برغباته أو ردود أفعاله الفورية. في الفكر السياسي، حذر مفكرون مثل توماس هوبز وجون لوك من مخاطر تركز السلطة في يد فرد واحد دون ضوابط مؤسسية قوية، لأن ذلك قد يؤدي إلى قرارات متسرعة وغير محسوبة العواقب.
إن الشخصنة السياسية في عصر العولمة تشكل خطراً مضاعفاً، إذ إن العلاقات الدولية تحتاج إلى قدر كبير من الاستقرار والتنبؤ. وعندما يصبح سلوك القائد غير قابل للتوقع، فإن ذلك يرفع مستوى التوتر بين الدول ويزيد احتمالات سوء الفهم أو التصعيد العسكري.
ثالثاً: تقويض الأعراف الدولية وإضعاف النظام العالمي
يقوم النظام الدولي الحديث على مجموعة من الأعراف والاتفاقيات التي تنظّم العلاقات بين الدول. ومن منظور القانون الدولي، تُعد هذه الأعراف بمثابة “عقد اجتماعي عالمي” يهدف إلى الحد من الفوضى الدولية.

لكن الخطابات التي تشكك في جدوى التحالفات الدولية أو تقلل من قيمة الاتفاقيات متعددة الأطراف قد تضعف الثقة المتبادلة بين الدول، وهو ما يفتح المجال لعودة منطق القوة بدلاً من منطق القانون.

وهنا تظهر خطورة السلوك السياسي الذي يفضل القرارات الأحادية على العمل الجماعي؛ إذ يؤدي ذلك إلى إضعاف المؤسسات الدولية وزيادة احتمالات الصراع، خاصة في مناطق النزاع الحساسة.
رابعاً: توظيف الخوف وأثره على الأمن العالمي
من منظور نفسي سياسي، تعتمد بعض الأنماط القيادية على توظيف الخوف كوسيلة لحشد التأييد الشعبي. فالخطابات التي تركز على التهديدات الخارجية أو “العدو” تسهم في خلق حالة من التوتر الدائم داخل المجتمع، كما تدفع الدول الأخرى إلى اتخاذ مواقف دفاعية قد تتحول إلى سباق تسلح أو مواجهة مباشرة.
إن سياسة قائمة على إثارة المخاوف قد تحقق مكاسب سياسية قصيرة المدى، لكنها تضع العالم على مسار طويل من عدم الاستقرار. ويُعد هذا التوجه خطيراً بشكل خاص في عصر الأسلحة النووية والتكنولوجيا العسكرية المتقدمة، حيث يمكن لأي تصعيد غير محسوب أن يؤدي إلى نتائج كارثية.
خامساً: المسؤولية الأخلاقية للقوة العظمى
تؤكد الأخلاق السياسية أن القوة تقترن دائماً بالمسؤولية. فالدول الكبرى، بما تمتلكه من قدرات اقتصادية وعسكرية، تتحمل مسؤولية أخلاقية في الحفاظ على الاستقرار العالمي. وعندما يُنظر إلى قرارات قائد دولة عظمى على أنها متهورة أو متقلبة، فإن ذلك يضعف الثقة الدولية ويخلق حالة من القلق المستمر لدى الحلفاء والخصوم على حد سواء.
إن سلوك القيادة السياسية لا يُقاس فقط بنتائجه المباشرة، بل أيضاً بالرسائل التي يبعثها إلى العالم. فالخطاب العدائي أو غير المنضبط قد يشجع دولاً أخرى على اتباع النهج ذاته، مما يؤدي إلى انتشار ثقافة سياسية قائمة على التصعيد بدلاً من الحوار.
ختاما، إن قراءة تحليلية لسلوك دونالد ترامب تكشف أن خطورته المحتملة على أمن العالم لا تنبع فقط من قرارات بعينها، بل من نمط سياسي يقوم على الشعبوية، والشخصنة، والتشكيك في الأعراف الدولية. وفي عالم مترابط تتشابك فيه المصالح والتهديدات، يصبح الاستقرار العالمي رهيناً بمدى التزام القادة بالعقلانية السياسية والمسؤولية الأخلاقية.
وعليه، فإن التحدي الحقيقي أمام المجتمع الدولي لا يتمثل في مواجهة شخص بعينه، بل في ترسيخ منظومة مؤسسية عالمية تحدّ من نزعات الفردية السياسية، وتحافظ على التوازن بين القوة والمسؤولية، بما يجنب العالم كوارث لا حصر لها.

*اكاديمي وكاتب اردني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

التنمّر الأمريكي..!

حمدي دوبلة* التنمر الأمريكي لم يعد مقتصرا على الدول الصغرى ومن تصنّف منها ضمن المسار …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *