الجمعة , مايو 1 2026
الرئيسية / اراء / نهاية “هيمنة الدولار” !

نهاية “هيمنة الدولار” !

د. عبد الفتاح طوقان*
عندما نتحدث عن “البترودولار”، فإننا نشير إلى النظام المالي الذي بدأ في أوائل السبعينيات والذي بموجبه تم بيع النفط بالدولار الأميركي فقط. هذا النظام كان له تأثير كبير على الاقتصاد العالمي، وخاصة على الولايات المتحدة والصين. لكن مع التغيرات السياسية والاقتصادية الأخيرة، بدأت ملامح هذا النظام تتلاشى مع التحول الي عملات جديدة ستغير موازين القوى العالمية.
و لنبداء مع البترودولار ونشأته وأهميته حيث في عام 1974 ابرم وزير الخارجية الأمريكي هنري كيسنجر اتفاقًا سريًا مع المملكة السعودية تعهدت الرياض ببيع نفطها بالدولار الأمريكي، بينما قدمت الولايات المتحدة الحماية العسكرية في المقابل.خلق هذا النظام طلبًا ثابتًا على الدولار، حيث كان يُستخدم لشراء النفط، مما ساهم في تمويل العجز الأميركي لعقود وساعد الولايات المتحدة في الحفاظ على هيمنتها المالية على المستوى العالمي.
مع التطورات الأخيرة و الاحداث و الحرب و التهكم على بعض من دول الخليج فقد تم إنهاء اتفاقية البترودولار في أبريل 2026 وأعلنت المملكة السعودية عدم تجديد اتفاقية البترودولار، متجهة نحو استخدام اليوان الصيني واليورو. جاء هذا القرار بعد سلسلة من الإهانات التي وجهها ترامب لولي العهد السعودي، بالإضافة إلى فشل الحماية العسكرية الأميركية. و لقد سبق ان اعلن الرئيس الليبي العقيد القذافي في اوائل الثمانينات للتحول الي عملات اخرى مبديا عن استعداده للاستغناء عن التعامل بالدولار الامريكي وإصدار عملة ذهبية موحدة للقارة الأفريقية تسمى “الأفرو” كبديل للدولار مما أثار مخاوف في الغرب و اطيح به في عام 2011. بعد اكثر من 40 عاما من الاقتراح الليبي جاء قرار المملكة السعودية وبدأت بالفعل في بيع نفطها باليوان واليورو، مما يشير إلى نهاية هيمنة الدولار.
وهنا يلوح في الأفق عن تأثيرات التحول على القوى العالمية و خصوصا الفوائد العائدة لكل من الصين وروسيا حيث ستستفيد الصين من زيادة استخدام اليوان كعملة لتسوية التجارة، مما يعزز مكانتها كقوة اقتصادية بينما روسيا ستتمكن من تجاوز العقوبات الأميركية، حيث ستصبح لديها خيارات أكثر لتسويق نفطها.
اما أضرار ذلك على الولايات المتحدة فاهمها فقدان الدولار كعملة رئيسية في تجارة النفط والذي سيؤدي إلى تضخم مفرط وانخفاض قيمة العملة كما ستفقد الولايات المتحدة أداة فعالة للعقوبات، مما قد يضعف نفوذها الجيوسياسي.
وللتوضيح لابد من معرفة متى وكيف تم إلغاء البترودولار على الرغم من أن الاتفاق لم يتم تجديده رسميًا منذ عام 2024 بينما استمرّ التعامل بالدولار ، فإن الإعلان العلني في عام 2026 كان بمثابة التأكيد النهائي على انتهاء عصر البترودولار.
و اقصد أن التحول من نظام البترودولار يؤشر إلى تحول جذري في موازين القوى العالمية. المملكة السعودية، التي كانت تقليديًا تعتمد على الحماية الأميركية، قد تفقدها وأصبحت الآن تبحث عن سيادتها المالية من خلال تنويع عملاتها في تجارة النفط. هذا التغيير لن يؤثر فقط على الولايات المتحدة، بل سيعيد تشكيل العلاقات الاقتصادية والسياسية في العالم، مما يمهد الطريق لعودة نظام متعدد الأقطاب.
وايضاً التحول نحو استخدام عملات أخرى في التجارة، خاصة في تجارة النفط، يمكن أن يكون له تأثيرات عميقة على التجارة العالمية والاقتصادات الكبرى ومن ضمنها النقاط الرئيسية حول هذا الموضوع:
ـ اولا: تغيرات في هيكل التجارة العالمية من حيث زيادة استخدام العملات المحلية مما سيسمح للدول باستخدام عملاتها المحلية في التجارة، مما يمكن أن يقلل من الاعتماد على الدولار. ويشمل توسيع نطاق التجارة لأن الدول التي ستستخدم عملات جديدة ستتمكن من تعزيز علاقاتها التجارية مع شركاء آخرين، مما يزيد من فرص التجارة.
ـ ثانيا: آثار على الدولار الأميركي وكل عملات الدول التى ربطت عملتها المحلية بالدولار لأن سيكون هناك ضعف الطلب على الدولار خصوصا إذا بدأت الدول الكبرى في استخدام العملات الأخرى، فإن الطلب على الدولار قد ينخفض، مما قد يؤدي إلى تراجع قيمته.
وبالطبع سيصاحب ذلك تأثيرات ناتجة عن التضخم و ازدياده لأن انخفاض الطلب على الدولار يمكن أن يؤدي إلى تضخم مفرط في الولايات المتحدة، حيث ستصبح السلع المستوردة أكثر تكلفة.
ـ ثالثا: تأثيرات على الاقتصادات الكبرى و كما ذكر سابقا فأن الصين ستستفيد بشكل كبير من تعزيز اليوان، مما يجعلها أكثر قدرة على التأثير في الأسواق العالمية. قد يؤدي ذلك إلى زيادة الاستثمارات الصينية في الخارج. و ايضا روسيا ستتمكن من تعزيز تجارتها مع الدول التي تفضل استخدام عملات غير الدولار، مما يساعدها في تجاوز العقوبات الغربية. اما ما يختص بالاتحاد الأوروبي فأن استخدام اليورو كعملة بديلة قد يعزز من مكانة الاتحاد كمركز مالي عالمي.
ـ رابعا: التحديات الجديدة حيث يآتي في المرتبة الاولى تقلبات العملة كون استخدام عملات متعددة في التجارة يمكن أن يؤدي إلى تقلبات أكبر في أسعار الصرف، مما يزيد من المخاطر التجارية. و المرتبة الثانية تحديات التسعير لأن الشركات قد تواجه صعوبة في تسعير السلع والخدمات في بيئة متعددة العملات، مما قد يؤدي إلى عدم استقرار السوق.
ـ خامسا: إعادة تشكيل النظام المالي العالمي سيؤدي الى عودة نظام متعدد الأقطاب بدلاً من النظام الحالي الذي يهيمن عليه الدولار، وقد نرى ظهور نظام مالي متعدد الأقطاب حيث تكون هناك عملات متعددة تنافس على الهيمنة توءدى الى تحولات في السياسة النقدية مما يضع البنوك المركزية للدول في مخاطر قد تحتاج معها إلى إعادة تقييم سياساتها النقدية لمواجهة هذه التغييرات.
أن هذا التحول نحو عملات أخرى سيؤدي إلى إعادة تشكيل التجارة العالمية والاقتصادات الكبرى بشكل جذري، مما يستدعي من الدول والشركات الاستعداد للتكيف مع بيئة جديدة ومليئة بالتحديات والفرص كما سيؤدي الى انهيار عملات لبعض دول كانت خلال سنوات عديده بالدولار الامريكي و الذي بقى ثابتا طيلة سنوات دون اي تغير.
*كاتب اردني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

عدو متساقط الأوراق!

عبد الكريم الوشلي* توقف العديد من المحللين وبينهم ذوو باع مرموقٍ عالميا في القراءة والتحليل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *