د. بسام روبين*
لم يكن العدوان الأمريكي الإسرائيلي الممنهج على الجمهورية الإسلامية الإيرانية مجرد محاولة لتحجيم برنامجها النووي أو الحد من نفوذها الإقليمي، بل كان يستهدف، في جوهره، تحطيم القدرات الإستراتيجية الإيرانية بإعتبارها القوة الإقليمية الأكثر قدرة على إعاقة المشروع الصهيوني التوسعي، القائم على فرض الهيمنة وإعادة تشكيل المنطقة بما يخدم الطموحات الإسرائيلية.
فقد عملت الدوائر الإستخباراتية الغربية، مدعومة بالآلة الإعلامية الصهيونية، على ترسيخ صورة إيران بإعتبارها العدو الأول للعرب، وهي الرواية التي إنساقت ورائها بعض العواصم العربية، متأثرة بوعود أمريكية لم تثبت الأحداث صدقيتها ، غير أن الوقائع كشفت أن إضعاف إيران لم يكن يهدف إلى حماية الأمن العربي، بل إلى إزالة آخر العقبات أمام تمدد إسرائيل الإستراتيجي، بما يفتح المجال أمام إستهداف الدول العربية تباعا بعد إسقاط موازين الردع في المنطقة.
لكن الميدان كانت له الكلمة الفصل ، فقد أثبتت المواجهات الأخيرة أن إيران ليست دولة يسهل إخضاعها، وأن ما تمتلكه من منظومات ردع صاروخية وقدرات عسكرية وتقنية متقدمة غير كثيرا من معادلات القوة. ولم يكن هذا الصمود دفاعا عن الجغرافيا الإيرانية وحدها، بل شكل حاجزا إستراتيجيا تحطمت عليه فرضية التفوق العسكري الإسرائيلي المطلق، رغم ما تحظى به إسرائيل من دعم أمريكي واسع.
وقد دفعت هذه المعطيات واشنطن إلى إعادة قراءة المشهد بلغة المصالح والكلفة الإستراتيجية. فالإدارة الأمريكية أدركت أن الإنزلاق إلى حرب شاملة مع إيران يحمل أثمانا باهظة تتجاوز حدود المنطقة، الأمر الذي عزز الإتجاه نحو إحتواء الصراع والبحث عن مخرج سياسي يجنب الجميع مواجهة مفتوحة يصعب التحكم بنتائجها.
ومن هنا، تبرز أمام العرب ضرورة مراجعة شاملة لأولوياتهم الإستراتيجية. فالتطورات الأخيرة أثبتت أن أمن المنطقة لا يتحقق عبر المزيد من الإنقسامات، وإنما من خلال بناء منظومة إقليمية قائمة على الحوار والتوازن وإحترام المصالح المشتركة ، كما أن إستمرار إستنزاف القوى الإقليمية لا يخدم سوى المشاريع الخارجية التي تسعى إلى فرض واقع جديد على حساب الأمن القومي العربي. والمرحلة المقبلة تتطلب إعادة تنظيم العلاقات العربية والإقليمية، وفتح صفحة جديدة من الحوار العربي الإيراني، بما يضع حدا لحالة الإستنزاف المتبادل، ويؤسس لشراكة تحفظ إستقرار المنطقة وتمنع تحويل العواصم العربية إلى ساحات صراع أو مناطق نفوذ للقوى الخارجية.
وفي ضوء التطورات الأخيرة، يبدو أن نتائج المواجهة لم تقتصر على البعد العسكري فحسب، بل إمتدت إلى البعد السياسي أيضا ، فقد ساهمت الوقائع الميدانية في تعميق التباين بين الحسابات الأمريكية والحسابات الإسرائيلية، وأظهرت أن واشنطن باتت أكثر ميلا إلى تجنب حرب إقليمية واسعة، بينما واصلت حكومة بنيامين نتنياهو الدفع نحو التصعيد ، هذا التباين أسهم في زيادة الضغوط السياسية على حكومة نتنياهو وعزلها نسبيا في بعض الملفات، وأعاد التأكيد أن إستمرار الحروب ليس خيارا مستداما لأي طرف.
فوقف الحرب وتهيئة الظروف لتسويات سياسية عادلة يخدم أمن وإستقرار المنطقة بأسرها، ويجنب شعوبها مزيدا من الدمار والخسائر. ويبقى الأمل معقودا على أن تكون هذه المرحلة بداية لإعادة بناء منظومة إقليمية أكثر توازنا، تقوم على الحوار وإحترام سيادة الدول وتغليب المصالح المشتركة على منطق الصراع الدائم.
حفظ الله أمتنا العربية والإسلامية، وجنب منطقتنا ويلات الحروب، مع التقدير لكل الجهود الإقليمية والدولية التي تسهم في إحتواء الأزمات، وتعزيز فرص السلام والإستقرار.
*كاتب اردني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر