نجاح محمد علي*
شهدت المنطقة تحولاً استراتيجياً عميقاً منذ انطلاق عملية «طوفان الأقصى» التي نفذتها المقاومة الفلسطينية في غزة، والتي كانت حدثاً مفصلياً أعاد تشكيل المشهد الإقليمي بأكمله. فمن غزة امتدت تداعيات المواجهة إلى لبنان واليمن والعراق، ثم تطورت تدريجياً لتصل إلى مواجهات وحرب مباشرة شملت الجمهورية الإسلامية الإيرانية نفسها، لتصبح المنطقة أمام واحدة من أخطر مراحل الصراع منذ عقود.
ومع الإعلان عن مذكرة التفاهم الأخيرة بين إيران والولايات المتحدة، برز سؤال جوهري في الأوساط السياسية والإعلامية: لماذا غابت غزة عن المذكرة كبند مستقل أو كطرف مباشر، رغم أنها كانت الشرارة الأولى التي أطلقت سلسلة المواجهات التي شملت مختلف جبهات محور المقاومة؟
هذا السؤال يبدو مشروعاً للوهلة الأولى، لكنه يتجاهل طبيعة المقاربة الإيرانية للقضية الفلسطينية والأسس الدستورية والقانونية التي تحكم السياسة الخارجية للجمهورية الإسلامية. فغياب غزة عن النص بصورة مباشرة لا يعني غيابها عن جوهر الاتفاق أو عن الحسابات السياسية التي أنتجته، بل يعكس رؤية إيرانية تقوم على الجمع بين الدعم الثابت للمقاومة الفلسطينية وبين الالتزام الصارم بمبدأ عدم التدخل في القرارات السيادية للشعوب وحركات التحرر.
غزة: نقطة البداية التي أعادت تشكيل الإقليم
لا يمكن فهم المذكرة أو تفسير بنودها بمعزل عن السياق الذي سبقها. فالحرب الحالية بدأت من غزة، ومنها انتقلت شرارة المواجهة إلى الجبهات الأخرى. فالجبهة اللبنانية دخلت المعركة دعماً لغزة، وكذلك فعلت القوى الحليفة في اليمن والعراق، قبل أن تتسع دائرة الاشتباك لتشمل إيران بصورة مباشرة.
لذلك فإن أي اتفاق يهدف إلى إنهاء التصعيد الإقليمي لا يمكن فصله عن غزة، حتى لو لم يذكرها بالاسم في كل بند من بنوده. فوقف العمليات العسكرية على امتداد الجبهات المختلفة يفترض عملياً معالجة الأسباب التي أدت إلى اندلاعها في المقام الأول.
وفي هذا السياق، أكد نائب وزير الخارجية الإيراني سعيد خطيب زاده في مقابلة متلفزة بتاريخ 19 يونيو/حزيران أن طهران «تسعى إلى تحقيق السلام على جميع الجبهات، بما فيها غزة»، موضحاً أن إدراج لبنان بصورة مباشرة في المذكرة جاء نتيجة ارتباطه الميداني والسياسي المباشر بمجريات الحرب.
كما أن نص المذكرة، المؤلف من أربعة عشر بنداً، يتحدث عن إنهاء العمليات العسكرية على مختلف الجبهات، بما في ذلك الساحة اللبنانية، مع التأكيد على سيادة لبنان ووحدة أراضيه. ومن هذا المنظور، فإن أي تهدئة شاملة لا يمكن أن تكون مكتملة أو قابلة للاستمرار ما لم تشمل غزة أيضاً باعتبارها مركز الأزمة وأصل التصعيد.
الدعم الإيراني للمقاومة: سياسة ثابتة وليست ظرفية
منذ انتصار الثورة الإسلامية، اعتبرت الجمهورية الإسلامية القضية الفلسطينية جزءاً أساسياً من رؤيتها السياسية والاستراتيجية. ولم يكن دعمها للمقاومة الفلسطينية موقفاً عابراً مرتبطاً بظرف سياسي مؤقت، فقد أصبح جزءاً من منظومة قانونية ومؤسساتية أقرها مجلس الشورى الإسلامي عبر قوانين وتشريعات خاصة بدعم الانتفاضة الفلسطينية ومساندة الشعب الفلسطيني.
وتؤكد طهران باستمرار أنها تقدم دعماً سياسياً وإعلامياً ولوجستياً وعسكرياً للمقاومة الفلسطينية، لكنها في الوقت نفسه ترفض أن تتحول إلى وصي على القرار الفلسطيني أو إلى جهة تتحدث نيابة عن الفلسطينيين في القضايا المصيرية المتعلقة بمستقبلهم وحقوقهم الوطنية.
المادة 154 من الدستور الإيراني: دعم المستضعفين دون وصاية عليهم
يستند هذا الموقف إلى قاعدة دستورية واضحة نصت عليها المادة 154 من دستور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، والتي جاء فيها:
«تعتبر جمهورية إيران الإسلامية سعادة الإنسان في المجتمع البشري كله قضية مقدسة لها، وتعد الاستقلال والحرية وإقامة حكومة الحق والعدل حقاً لجميع شعوب العالم. ولذلك فإنها، مع الامتناع التام عن أي تدخل في الشؤون الداخلية للشعوب الأخرى، تدعم النضال المشروع للمستضعفين ضد المستكبرين في أي نقطة من العالم».
ويحمل هذا النص الدستوري دلالتين متكاملتين:
الأولى، أن دعم الشعوب المظلومة واجب سياسي وأخلاقي وقانوني بالنسبة للجمهورية الإسلامية.
والثانية، أن هذا الدعم لا يمنح إيران حق التحدث باسم تلك الشعوب أو اتخاذ القرارات المصيرية نيابة عنها.
ومن هنا تنطلق الرؤية الإيرانية تجاه فلسطين: فالمقاومة الفلسطينية صاحبة القرار الأول والأخير في تحديد أهدافها ومسارها السياسي والعسكري، بينما يقتصر الدور الإيراني على الدعم والإسناد والمساندة، دون التدخل في حق الفلسطينيين الحصري بتقرير مصيرهم.
لماذا رفضت إيران إدراج غزة بصورة مباشرة؟
تعتقد طهران أن إدراج غزة أو المقاومة الفلسطينية كطرف مباشر في مذكرة التفاهم كان سيؤدي إلى مجموعة من الإشكالات السياسية والقانونية والاستراتيجية.
أولاً، كان من الممكن أن يُفسر ذلك على أنه تفاوض غير مباشر بشأن مستقبل القضية الفلسطينية بين أطراف خارجية، وهو ما يتعارض مع المبدأ الإيراني القائم على أن الفلسطينيين وحدهم أصحاب الحق في تقرير مصيرهم.
ثانياً، كان من شأن هذا الإدراج أن يخلق انطباعاً بأن مستقبل المقاومة الفلسطينية أصبح جزءاً من تفاهمات دولية أو إقليمية لا تشارك فيها القوى الفلسطينية نفسها، الأمر الذي قد يُنظر إليه باعتباره انتقاصاً من استقلالية القرار الفلسطيني.
ثالثاً، فإن أي صياغة تتناول مستقبل المقاومة أو حدود نشاطها العسكري ضمن اتفاق ثنائي كانت ستصطدم مباشرة بمبدأ عدم التدخل الذي نص عليه الدستور الإيراني، لأن تحديد مستقبل النضال الفلسطيني ليس من صلاحيات أي دولة أخرى مهما كان حجم دعمها للقضية.
لهذه الأسباب اختارت إيران التعامل مع غزة ضمن مفهوم «وحدة الجبهات»، أي باعتبارها جزءاً من المشهد الإقليمي الأشمل الذي تسعى المذكرة إلى تهدئته، دون أن يتحول ذلك إلى تفاوض على الحقوق الوطنية الفلسطينية أو على مستقبل المقاومة.
بين المكاسب الاستراتيجية والثوابت المبدئية
يرى المسؤولون الإيرانيون أن أحد أهم إنجازات المذكرة يتمثل في الجمع بين تحقيق مكاسب استراتيجية مهمة وبين الحفاظ على الثوابت السياسية المتعلقة بالقضية الفلسطينية.
فمن وجهة النظر الإيرانية، فإن أي تراجع للضغوط العسكرية والاقتصادية المفروضة على إيران يعزز قدرتها على الاستمرار في دعم حلفائها الإقليميين، وفي مقدمتهم المقاومة الفلسطينية. كما أن إنهاء حالة المواجهة المفتوحة على عدة جبهات يحد من احتمالات الانزلاق إلى حرب إقليمية واسعة قد تكون نتائجها كارثية على شعوب المنطقة كلها.
وفي المقابل، لم تتضمن المذكرة أي نص يلزم طهران بالتخلي عن دعمها السياسي للمقاومة الفلسطينية أو التراجع عن موقفها المعلن من القضية الفلسطينية، وهو ما تعتبره طهران دليلاً على نجاحها في الفصل بين الملفات السيادية الخاصة بها وبين التزاماتها المبدئية تجاه فلسطين.
غزة لم تغب… بل حضرت بطريقة مختلفة
إن القراءة المتأنية للمذكرة تظهر أن غزة لم تكن غائبة عن خلفياتها السياسية والاستراتيجية، حتى وإن لم تُذكر كبند مستقل في نصوصها. فالحرب التي بدأت من غزة هي التي أعادت تشكيل المشهد الإقليمي، وأي اتفاق يهدف إلى وقف التصعيد على مستوى المنطقة لا يمكن عزله عن تداعياتها.
أما مستقبل المقاومة الفلسطينية واستمرار النضال الوطني الفلسطيني، فهما من وجهة النظر الإيرانية شأن فلسطيني خالص لا يحق لأي دولة أن تتفاوض بشأنه نيابة عن الشعب الفلسطيني.
وبذلك تكون إيران قد سعت إلى تحقيق معادلة معقدة: الحفاظ على دعمها السياسي والاستراتيجي للقضية الفلسطينية، وفي الوقت نفسه الالتزام بالمبدأ الدستوري الذي يمنعها من التدخل في القرار الفلسطيني أو التحدث باسم الفلسطينيين.
وعليه، فإن القول إن غزة غابت عن مذكرة التفاهم لا يعكس الصورة كاملة؛ فغزة كانت حاضرة باعتبارها الخلفية الأساسية للأحداث التي قادت إلى الاتفاق، وحاضرة باعتبار أن أي تهدئة شاملة لا يمكن أن تستقر من دونها، لكنها بقيت خارج إطار التفاوض المباشر احتراماً ـ وفق الرؤية الإيرانية ـ لاستقلالية القرار الفلسطيني وحق الشعب الفلسطيني في تقرير مصيره بنفسه.
*كاتب وباحث عراقي متخصص في الشؤون الإيرانية والإقليمية.
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر