د. بلال اللقيس*
غني عن القول انه ليس مبرر السلطة الحاكمة والمقاومة واحد، فالأولى مبرر وجودها فاعليتها اولا لقانونيتها والثانية مبررها وجود المحتل ليس إلا . الاولى تُسال بينما الثانية تَسال لانها تقوم بواجب متعين قصر الجميع فيه .
المفارقة الكبرى ان الاختلاف في لبنان يطاول حتى البديهيات بل والمسلمات ، فالسلطة ومن يدعمها من خصوم المقاومة لا سيما اليمين اللبناني تراهم خالفوا ما ادعوا الانتساب اليه اي الحداثة الغربية !! . يقول قائل انهم اخذوا التحديث ( في اللباس واستعمال اللغة الأجنبية والسيارة الفارهة وتقديم اللذة وأسلوب الحياة ) ولم يأخذوا الحداثة في الفلسفة الاجتماعية والسياسية وقيم المقاومة الفرنسية والثورة من قبلها ولا الاقتصادية ولا تصحيحاتها التي اجراها الغرب . رفضوا الديمقراطية الليبرالية واصروا على الليبرالية الفردية ، طالبوا بالمساواة الجماعية ورفضوا المساواة الفردية ، تمسكوا بالحرية الفردية (وبعض بعضهم الجنسية) ونفروا من حرية القرار وتنويع الخيارات في السياسات العليا ، ألحوا حرية الرأي ورفضوها حين تعارضت مع مصالحهم المادية ، اغرقوا الفضاء بمقولات الحقوق وغفلوا عن مقولات الواجب حيال الوطن ، برّروا تخليهم باختلال موازين القوى مع العدو الإسرائيلي لكنهم تجاوزوها في الداخل حين خاضوا حروب إلغاء من اجل السلطة ، اتعبوا مسامع اللبنانيين باللغو في الاقتصاد الليبرالي – الاجتماعي ومارسوا بشغف الاقتصاد الريعي ودافع كبارهم عن سارقي الهيكل .
وهم اليوم لا ينفكوا يطالبوا بحصرية السلاح دون ان يتطرقوا لاستقلال القرار السياسي ، ويطالبون باحتكار القوة ولم يسعوا في تاريخهم لدولة قوية تدافع عن نفسها وعن مكوناتها التهديد .
صحيح ، لا يمكن للبنان ان يكون دولة قومية ولا هو دولة أمة ولا اراه دولة دينية . وصحيح ان الممكن فيه هو دولة “وطنية” بما تختزنه من سيرورة وصيرورة قوامها ارادة حقيقة لتقارب قطبي او ركني المجتمع اي الشعب والسلطة وتمايز رسالته عن غيره، لتصير الدولة ذاك الوعاء او الفضاء الضروري الذي يضم هذه التفاعلات ويتسع تبعا لها .
لكن إذا ما استقرأنا لبنان وبالذات مع حالة المقاومة سنجد انفسنا امام مفارقة رهيبة ، فالعقل المقاوم ( وفي متنه حزب الله ) هو الأقرب لنظرية ومنهجية بناء الدولة بينما السلطة في غربة تامة عن ذلك . اذ بينما تسعى المقاومة بقوة لبناء نموذج مرجعية وطنية اخلاقية إنسانية يبتعد الحكم في لبنان بمؤسساته عن بديهات بناء الدولة الوطنية ان في الممارسة او النظرية في السياسة والاقتصاد والثقافة بل حتى في طريقة وصول هولاء .
كيف هذا؟
⁃بينما يصل قادة المقاومة من روح الشعب ومعاناته والامه وآماله ، يصل غالبية المتصدين بالوصايات الخارجية بل والفرض ، وهذا احد اهم عوامل عجزهم عن التقرير باستقلال ، فالخارج عادة يختار اداة ولا يروق له اختيار شخص فهيم او مفكر او مبدع او شخص يشبه اهله وقريب اليهم .
⁃بينما يتعين على السلطة ان تستخرج رسالة مميُِزة للمجتمع باعتباره جوهر سلطانها ومبرره ، تراها تعجز بعد قرن من الزمن بل تكاد تعدم ما تبقى من خصائص ، في حين تنجح المقاومة في تقديم نموذج يتعدى كونها فعلا عسكريا إلى سلطة اخلاقية ثقافية قيمية معيارية كما ذكرنا .
⁃وبينما تصر المقاومة على بناء هوية سياسية للبنان تزداد السلطة هروبا ونفورا لدرجة سعيها لنزع موضوعة السياسة عن الحياة في لبنان والانتقال به من دولة اي من حال تعنى اولا بالسياسات العليا إلى كيان اجتماعي يعنى فقط بالسياسات الدنيا .
ـ المقاومة تطالب بإلحاح ان نكون في دولة قادرة أسوة بغيرنا من الدول بينما السلطة ترفض ذلك وتصر على نيل رضى الخارج الامريكي بالذات وتعول على عطف الرئيس الأمريكي ومحبته للبنان ( كما ذكر جوزيف عون موخراً) !!!
ـ المقاومة تطالب بتقدير قيمة مجتمع لبنان ومزاياه الفريدة والاستفادة منها وعدم اضعافها ، بينما تستغرق السلطة في امتهان قيمة لبنان ومكانته ومعناه وتعيش كيف تحوله لشركة تجارية مساهمة لا معنى فيه للقيم والاخلاق الوطنية والحس الانساني . فتخيلوا مثلا ان رئيس جمهورية لبنان لا يخجل ان يعتلي منبرا مطالبا ب”قسطل” ماء لبلدة حدودية (غير مقاومة) ويقول ان الإسرائيلي لم يعطه طلبه ( حتى صار اليوم محل تندر من الشعوب العربية التي لازمت بين اسمه وبين القسطل) .
ـ المقاومة تسعى لتوسيع خيارات وعلاقات لبنان بكل الاتجاهات لا سيما نحو العالم الجديد بينما السلطة تريد ان تقصر علاقات لبنان حصرا على الغرب واميركا بالتحديد ولم تقم باي خطوة حقيقية ( ولو مراعاة لأغلبية شعبها ) حيال الشرق وباقي شعوب العالم .
ـ مجرد ان تحصل المقاومة على فرصة فسرعان ما تهديه لكل اللبنانيين وتضعه في تصرفهم بما يشّمل الخير بينما السلطة تعزز التنافر والشروخ والاستقطاب بين اللبنانيين في كل الميادين بدءا من الاقتصادية والمالية والاجتماعية والمناطقية والتعليمية علما ان السلطة ملزمة ان توزع قراراتها وقيمها بعدالة .
ـ ترى المقاومة اولوية الاخلاق مع بعض من القوة الضرورية للبقاء والدفاع عن النفس الجماعية بإرادة واستقلال بينما السلطة تنفض يدها من اي قضية حق وعدل او اخلاق وتنفض يدها من اي عنصر قوة لا يرضي اميركا بل تتفنن في اهدار عناصر القوة الذاتية .
ـ المقاومة تتحرك انطلاقا من الوقائع الصلبة بينما السلطة تتحرك بالرغبات والوعود الخارجية واحيانا التقريع الخارجي العلني لها ( يكفي ما يقوم به السفير الأمريكي ورئيسه بشكل دوري) .
ـ المقاومة ترى في النظام الأمريكي عدوا للإنسان والبشر وليس فقط للبنان بينما السلطة ترى في اميركا (التي تحاصر وتستهدف نصف الشعب اللبناني) ترى في أميركا وترامب صديقا وفيا وموثوقا ومحبا للسلام وللشعب اللبناني ! .
ـ تبحث المقاومة على اي نقطة قوة لتجمعها بينما تستغرق الدولة بالعمل للتخلص من المقاومة ومن ثقافتها قبل سلاحها وحتى لو اقتضى ذلك التواطؤ والتآمر مع الخارج ( يمكن مراجعة التاريخ منذ بشارة الخوري وكميل شمعون إلى بشير وامين الجميل وصولا لجوزيف عون اليوم ) .
ـ المقاومة تقول بالاعتماد على الذات اولا ثم على الخارج بينما السلطة تقول بالاعتماد على اميركا اولا ولا ترى لنفسها ذاتا وكينونة !! .
ـ المقاومة. تتمتع بثقة كبيرة تتجاوز نصف الشعب بينما تفتقد السلطة لتأييد معتد به اللهم إلا من معارضي المقاومة وليس بالضرورة مؤيدين لرؤاها ومشروعها ( غير الموجود أصلا ) .
ـ المقاومة ترى ان لبنان جزءا من شعوب عربية وإسلامية ومن قضاياها وعليه ان يكون حاضرا فيها ( وتناقش بالحدود) بينما السلطة تريده منعزلا عما يحدث من حوله حتى لو ابيد الشعب الفلسطيني عن بكرة أبيه فهي غير مستعدة لكلمة شجب او للقيام بإدانة حقوقية لإسرائيل .
ـ المقاومة مرنة لكنها مبدئية بينما السلطة تعاني من الجمود القاتل وغياب المبدئية والمعيارية ، واللطيف الغريب انها تطالب المقاومة بالحلول وهي تقف على حل وحيد منذ ان ولد لبنان ( تحييده عن العرب عندما كان العرب في خط فلسطين وضد اميركا ، واليوم تحييده عن إيران عندما صارت إيران في خط فلسطين وتحييده عن الصين وروسيا وتركيا لصالح الإمارات اليوم !! ) .
ـ المقاومة تحث السلطة ان تأخذ بقرار الحرب والسلم بقوة ، لكن السلطة تصر ان تأخذ بقرار “السلم دون الحرب” اي عمليا تتبنى الاستسلام ، فمن يريد السلام يجب ان يكون مستعدا للحرب ، وهذا لم يتوافر في تاريخ سلطات لبنان منذ التأسيس .
ـ المقاومة ترى في خيارها خيارا فاعلا وناجحا وتدعو الآخرين لتبنيه وتقول انه لو تبنوه ولو إعلاميا وبالقوة السالبة اي ب ” كلمة لا ” لانتصرنا كلنا وتراها ايضا تقدم ادلة كافية ان مسار “السلام” مع العدو كارثي ولا يأت بنتيجة بل بخسائر تهدد الكيانات وتراها تبالغ في استعراض المثلات والنماذج والعبر التي جربها العرب ونتائجها الكارثية بينما السلطة تصر على ذلك وترفض ان تجرب خيار المقاومة او تتلفظ به لذلك لم تضعه يوما في حسبانها ولو يطلق في تاريخها رصاصة واحدة على العدو الصهيوني ( بعض عناصر الجيش قاموا بذلك بدافع شخصي او نتيجة انقسام ولاءات في المؤسسة العسكرية ) .
ـ المقاومة قادرة ان تقاوم وان تهادن بينما السلطة غير قادرة على الأمرين لانها لا تمتلك اي من عناصر الفاعلية ، بل هي عاجزة عن انجاز ما هو اقل من ذلك بكثير، خذ مثالا انها غير قادرة ان تعيد أموال المودعين او توقف الهدر والفساد او تأتي بالكهرباء !!
ـ المقاومة تبدع في انتاج وسائل المنعة ، وتجهد لصناعة الخطاب الوطني ونجحت في اجراء التفاوض غير المباشر في اكثر من محطة من تاريخها مع العدو بما قوى موقف لبنان بينما السلطة تتفنن بالتفريط بعناصر قوتها ولم تنجح في ملف عقد اليها حتى الان ولم تنتج اي واقع جديد في حياتها سوى تعميق الانقسام الداخلي والاقتتال بل دوما منفعلة .
ـ المقاومة عقل يستشرف ويقرا الوقائع والتحولات في الدوائر العالمية والاقليمية وغيرها وتساهم في التكامل معها بينما السلطة متحيزة لوجهة واحدة فهي تطابق قولها مع اي ادارة أمريكية فحسب دون بقية العالم والدول والشعوب ، بدل ان تبحث في كل الجهات لما يخدم مصلحة لبنان وتنوعه وتعدده . فالمقاومة على سبيل المثال تريد ان يستفيد لبنان مما يمكن ان تنتجه تحولات المنطقة والعالم فترى المقاومة ما يحدث في إسلام آباد عامل مساعد للبنان يجب الاستفادة منه باعتباره صناعة إيرانية باكستانية تركية قطرية وقبول مصري ونوعا ما يعودي بينما ترفض السلطة ذلك وتريد فقط ما يرشح عن مسار واشنطن .
– المقاومة تعتبر الحوار منهجا وحيدا في لبنان وتصر عليه ( طبعا ليس الحوار تحت نار العدو وضغطه واحتلاله كما هو جار الان) ، بينما السلطة تريد الحوار بالإفادة من طائرات الاحتلال الإسرائيلي والتهديد الأمريكي لنصف الشعب اللبناني . هل هناك سلطة في العالم تفعل ذلك !! .
وليس اخراً ان خطاب المقاومة يتقدم على خطاب السلطة بحرصه على حفظ الاستقرار والتهدئة بينما هناك ما يكفي من رجال سلطة من يدفع إلى التوتر والتفجير والوشاية على شريكه .
ربما لهذه الأسباب ينظر العالم الخارجي إلى المقاومة بجد واحترام ولا يكُل عن ايجاد فرصة لاتصال ولو هاتفي معها بينما ينظر إلى السلطة بخفة ولا يكيل لها بكيل ، ولما لا فهو يعتبرها نفسه وهل يحاور المرء نفسه !! .
خلاصة القول ، ان نموذج وعقلية المقاومة اقرب منها لفكرة وعقلية بناء الدولة الوطنية ومقتضياتها من نموذج السلطات التي تعاقبت في تاريخ لبنان ( إلا لماما) ، والمقاومة تمتعت على ضوء ما استعرضنا بأمرين جوهريين فاقت السلطة وربما نقول انه لم يتوافرا عند السلطة . الأمر الاول معيار الفاعلية بمعنى القدرة على الفعل وصناعة الوقائع والاتجاهات والتأثير بالمستقبل بينما استغرقت السلطة في الجمود والرتابة وغياب الارادة المتميزة عن الادارة الأمريكية طوال عقود واضمحلال قدرتها على انتاج الخيارات ما اضطرها دوما للاستعانة بالخارج بحثا عن شرعية لها ، والأمر الثاني فهو معيار مشروعية المقاومة كونها حق “طبيعي- تلقائي” بينما السلطة تتوقف مشروعيتها على صيرورة مخلّقة اي صيرورة بشرائط ! اي اما تنجح في تحقيق سبب قوننتها واما ترحل تاركة لغيرها فرصة التجربة والفعل . وهذه مشكلة العهد بل العهود في لبنان الان جنحت فاستبدلت نيل ثقة غالب شعبها بثقة ترامب بها وليس من الحُسن استبدال اليقين بالشك وهذا احد اوجه قصور شرعيتها ونقصه ونزقه .
*كاتب لبناني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر