د. محمد تركي بني سلامة*
لا تنتهي الحروب الحديثة دائماً عند خطوط وقف إطلاق النار، بل تبدأ بعدها معركة أكثر أهمية تتمثل في كتابة الرواية السياسية للنتائج. ومن يتابع الخطاب الرسمي والإعلامي الإيراني بعد مذكرة التفاهم الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران يلاحظ أن طهران لا تتعامل مع الاتفاق باعتباره مجرد وسيلة لتجنب التصعيد، بل باعتباره نقطة انطلاق نحو مرحلة جديدة تسعى من خلالها إلى تحويل مكاسب التفاوض إلى نفوذ إقليمي دائم.
فالمؤسسات الإعلامية المقربة من دوائر صنع القرار الإيراني، وعلى رأسها وكالة “نور نيوز”، تحاول ترسيخ رواية مفادها أن الجمهورية الإسلامية خرجت من المواجهة الأخيرة ليس فقط محافظة على قدراتها الأساسية، وإنما أكثر قدرة على التأثير في معادلات الشرق الأوسط. وبحسب هذه الرواية، فإن إيران لم تعد دولة منشغلة بإدارة الأزمات والدفاع عن نفسها، بل أصبحت لاعباً رئيسياً يسعى إلى المساهمة في رسم قواعد النظام الإقليمي الجديد.
هذه القراءة الإيرانية تستحق التوقف عندها، ليس لأنها تعكس حقيقة مطلقة، بل لأنها تكشف الطريقة التي تنظر بها طهران إلى المرحلة المقبلة. فالدبلوماسية الإيرانية تتحرك اليوم في أكثر من اتجاه، من الخليج العربي إلى جنوب آسيا وصولاً إلى الصين، في محاولة واضحة لاستثمار نتائج التفاهم مع واشنطن وتحويلها إلى مكاسب سياسية واستراتيجية أوسع. والرسالة التي تسعى إيران إلى إيصالها لحلفائها وخصومها على حد سواء هي أنها لم تُهزم، وأن الضغوط العسكرية لم تنجح في كسر إرادتها السياسية.
وفي المقابل، لا يبدو أن الولايات المتحدة تنظر إلى الأمور بالطريقة نفسها. فواشنطن تدرك أن الشرق الأوسط لا يُدار بمنطق الانتصارات المطلقة، وأن احتواء إيران قد يكون أكثر واقعية من السعي إلى إسقاطها أو تحييدها بالكامل. ولذلك فإن مذكرة التفاهم الأخيرة يمكن قراءتها باعتبارها محاولة أمريكية لإدارة الصراع وليس إنهاءه، وضبط السلوك الإيراني وليس القضاء على النفوذ الإيراني بصورة نهائية.
ومن هنا تبرز المفارقة الأساسية؛ فبينما تتحدث طهران عن انتصار استراتيجي وانتقال إلى مرحلة المبادرة، تتحدث واشنطن عن نجاح في فرض قواعد جديدة للردع والتفاوض. وبين الروايتين، يبدو أن الحقيقة تقع في منطقة وسطى أكثر تعقيداً. فإيران تكبدت خسائر عسكرية واقتصادية لا يمكن إنكارها، لكنها في الوقت ذاته نجحت في الحفاظ على بنية النظام وقدراته الأساسية. أما الولايات المتحدة فقد أثبتت قدرتها على ممارسة الضغط، لكنها لم تتمكن من فرض جميع شروطها أو انتزاع تنازلات إيرانية شاملة كما كان يأمل بعض صناع القرار في واشنطن.
ولعل الملف النووي يقدم المثال الأكثر وضوحاً على هذا الواقع. فبينما تتحدث الإدارة الأمريكية عن تفاهمات وإجراءات رقابية محتملة، تواصل طهران نفي وجود أي ترتيبات تسمح بعمليات تفتيش جديدة للمنشآت المتضررة، في محاولة واضحة لتأكيد أنها لم تقدم تنازلات تمس جوهر برنامجها النووي أو سيادتها الوطنية. وهذا يعني أن كثيراً من القضايا الجوهرية لم تُحسم بعد، وأن الاتفاق الحالي ما يزال أقرب إلى إطار لإدارة الخلافات منه إلى تسوية نهائية لها.
أما في ما يتعلق بمضيق هرمز وأمن الطاقة العالمي، فإن التطورات الأخيرة تؤكد أن هذا الممر الحيوي سيبقى أحد أهم أوراق القوة في معادلة التفاوض. فإيران تدرك أهمية المضيق بالنسبة للاقتصاد العالمي، والولايات المتحدة تدرك أن أمن الملاحة فيه جزء من نفوذها الاستراتيجي في المنطقة. لذلك فإن التفاهم الحالي لا يلغي الصراع حول هذه الورقة، بل ينظمه ويؤجله ضمن قواعد اشتباك جديدة.
إن القراءة المتأنية للمرحلة الحالية تشير إلى أن الشرق الأوسط يقف أمام لحظة إعادة تموضع إقليمي أكثر منه أمام لحظة سلام دائم. فإيران تحاول استثمار نتائج التفاوض لتكريس نفسها قوة إقليمية لا يمكن تجاوزها، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى الحفاظ على نفوذها التقليدي ومنع أي تحول جذري في ميزان القوى. وبين هذين الهدفين ستستمر المنافسة السياسية والدبلوماسية وربما الأمنية، وإن بأدوات مختلفة عن تلك التي استخدمت خلال المواجهة الأخيرة.
وعليه، فإن السؤال الحقيقي لم يعد ما إذا كانت إيران أو الولايات المتحدة قد انتصرت في الجولة الماضية، بل أي منهما سيكون أكثر قدرة على توظيف نتائج هذه الجولة في تشكيل النظام الإقليمي القادم. فالمعركة العسكرية ربما توقفت، لكن معركة النفوذ وكتابة قواعد الشرق الأوسط الجديد قد بدأت فعلياً، ويبدو أن طهران تراهن على أن مكاسب التفاوض اليوم قد تتحول إلى نفوذ إقليمي غداً.
*كاتب اردني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر