د. شاهر الشاهر*
تشكل المناورات العسكرية الروسية – الصينية القادمة أكثر من مجرد نشاط عسكري دوري؛ إنها جزء من إعادة صياغة هادئة لميزان القوة في النظام الدولي. فهذه التدريبات ليست حدثاً تقنياً معزولاً، بل نص سياسي مفتوح على قراءات استراتيجية متنافسة، يعكس تحولات أعمق في بنية النظام العالمي.
بدأت أولى أشكال التعاون العسكري بين موسكو وبكين ضمن إطار منظمة شنغهاي للتعاون، لكن نقطة التحول الحاسمة جاءت بعد عام 2014 مع أزمة أوكرانيا، ثم تسارعت بشكل جذري بعد 2022، حيث دخلت العلاقة مرحلة “التنسيق عالي الكثافة” دون الوصول إلى تحالف رسمي.
وفق تقديرات مراكز بحثية غربية، ارتفع عدد المناورات المشتركة بين البلدين بأكثر من 300% خلال العقد الأخير، وتحوّلت من تدريبات على مكافحة الإرهاب إلى عمليات بحرية وجوية واستراتيجية متقدمة، تمتد من بحر اليابان إلى بحر الصين الشرقي، وصولاً إلى فضاءات قريبة من ألاسكا، بما يحمل دلالات رمزية تتجاوز الجغرافيا العسكرية.
العالم يتجه نحو نظام دولي أكثر تعددية وأقل استقراراً. الولايات المتحدة تعيد هندسة تحالفاتها عبر الناتو، وأوكوس وكواد، بهدف تطويق صعود الصين واحتواء روسيا في آن واحد. في المقابل، لا تقدم موسكو وبكين نموذج تحالف كلاسيكياً، بل صيغة أكثر مرونة يمكن وصفها بـ”التنسيق الاستراتيجي دون التزام تحالفي”، وهي صيغة غامضة لكنها فعالة في إدارة التوازنات.
هذا يذكرنا بهنري كيسنجر الذي قال: “التوازن الدولي لا يقوم على النوايا، بل على الإدراك المتبادل للقوة”، وهي مقولة تتجسد عملياً في هذه المناورات، التي تهدف إلى إعادة تشكيل الإدراك الاستراتيجي بقدر ما تعكس موازين القوة الفعلية.
موسكو وبكين: تقاطع الضرورات لا الخيارات…
بالنسبة لروسيا، تأتي هذه المناورات في سياق ضغط استراتيجي غير مسبوق. فالحرب في أوكرانيا أعادت تعريف موقع روسيا في النظام الغربي، ودفعتها إلى تسريع التحول نحو الشرق. ومع استمرار العقوبات الغربية وتعثر مسارات التسوية، أصبحت الصين الشريك الاقتصادي والتكنولوجي الأهم لموسكو.
حجم التبادل التجاري بين البلدين تجاوز حاجز 240 مليار دولار في عام 2024 وفق تقديرات متعددة، ما جعل الصين الشريك التجاري الأول لروسيا. والأهم من ذلك، أن بكين باتت مصدراً رئيسياً للتكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج، ما يمنح موسكو قدرة على إعادة تدوير قدراتها العسكرية والاقتصادية تحت ضغط العقوبات.
أما الصين، فتتحرك ضمن معادلة أكثر تعقيداً. فعلى الرغم من أنها لا تسعى إلى تحالف عسكري رسمي، لكنها تعمل على بناء “شبكة ردع غير معلنة” تُستخدم لضبط البيئة الاستراتيجية دون الانزلاق إلى مواجهة مباشرة.
الهدف المركزي لبكين يتمثل في تثبيت الاستقرار الاستراتيجي حتى عام 2027، حيث الذكرى المئوية لتأسيس جيش التحرير الشعبي الصيني، والتي ستكون سنة الاعلان عن قدرة هذا الجيش على خوض الحروب الخارجية.
في الداخل، يقود الرئيس شي جين بينغ حملة واسعة لإعادة ضبط المؤسسة العسكرية عبر مكافحة الفساد وإعادة الهيكلة القيادية. الرسالة هنا ليست إدارية فقط، بل استراتيجية: لا قوة خارجية فعالة دون انضباط داخلي صارم.
وفي البيئة الإقليمية، تركز الصين على مسرحين أساسيين: بحر الصين الجنوبي، حيث تتصاعد الاحتكاكات مع الولايات المتحدة وحلفائها، وتايوان التي تتحول تدريجياً إلى نقطة اختبار مركزية لمعادلة الردع بين بكين وواشنطن.
وفي هذا السياق، تصبح المناورات مع روسيا أداة مزدوجة الوظيفة: اختبار جاهزية عسكرية، واختبار رسائل ردع استراتيجية موجهة إلى الخارج. وهو ما أشار إليه دبلوماسي صيني سابق: “نحن لا نبحث عن الحرب، لكننا نختبر شكلها إذا فُرضت علينا”.
كوريا الشمالية، الممرات البحرية، وهندسة الرسائل الاستراتيجية…
لا يمكن فهم هذه المناورات خارج البنية الإقليمية الأوسع، حيث تظهر كوريا الشمالية كعنصر موازن في شرق آسيا. فالعلاقة بينها وبين الصين شهدت إعادة تنشيط تدريجية، ليس بوصفها تحالفاً كاملاً، بل كأداة ضغط استراتيجية ضمن معادلة الردع في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
وفي المقابل، تعمل واشنطن على تعزيز وجودها العسكري في اليابان وكوريا الجنوبية، مع دفع تدريجي نحو دمج أمني أوسع في الإطار الأنجلو–أمريكي–الآسيوي، ما يجعل شرق آسيا أقرب إلى “مسرح احتكاك دائم” أكثر منه منطقة استقرار.
مؤخراً أعلنت بكين أن قواتها البحرية ستجري تدريبات مشتركة مع روسيا في المياه والمجال الجوي قبالة سواحل مدينة تشينغداو، على أن تتبعها دوريات بحرية مشتركة في المحيط الهادئ، في إشارة إلى انتقال التعاون من مستوى التدريب إلى مستوى الحضور العملياتي المشترك. كما أكدت وزارة الدفاع الصينية أن هذه التدريبات تأتي ضمن إطار سنوي “للتصدي المشترك للتحديات الأمنية والحفاظ على السلام والاستقرار”.
كما سبق لسلاحي الجو في البلدين تنفيذ “دورية جوية استراتيجية” فوق بحر اليابان وبحر الصين الشرقي وغربي المحيط الهادئ، في خطوة عكست اتساع نطاق التعاون إلى المجال الجوي الاستراتيجي، وهو ما أثار قلقاً متزايداً في العواصم الغربية.
تقارير غربية أشارت أيضاً إلى تدريبات عسكرية حساسة شارك فيها ضباط رفيعو المستوى من الجانبين، ما فُهم على أنه مؤشر على تعمّق مستوى التنسيق العملياتي، رغم النفي الصيني لبعض التفاصيل.
أما في غرب آسيا، فإن الممرات البحرية تتحول إلى عقدة استراتيجية حاكمة. مضيق هرمز، وباب المندب، ومضيق ملقا، ليست مجرد نقاط جغرافية، بل شرايين للنظام الاقتصادي العالمي. الصين تعتمد على هذه الممرات لتأمين أكثر من 60% من وارداتها النفطية، ما يجعل أي اضطراب فيها حدثاً ذا تأثير عالمي مباشر.
روسيا بدورها توظف هذا التشابك الجغرافي في إطار أوسع لإعادة تشكيل أسواق الطاقة، عبر تنسيق استراتيجي مع الصين في مواجهة العقوبات الغربية، وتحويل الجغرافيا البحرية إلى عنصر في معادلة الضغط غير المباشر.
في موازاة ذلك، تشهد اليابان تحولاً تاريخياً في عقيدتها الدفاعية عبر إعادة التسلح التدريجي، ما يعكس نهاية مرحلة “الحياد الدفاعي الصارم” وبداية مرحلة “إعادة التموضع الاستراتيجي”.
منطق التوازن المضطرب..
ما تكشفه المناورات الروسية – الصينية لا يتعلق فقط بالقوة العسكرية، بل بطبيعة النظام الدولي نفسه. نحن أمام نظام لا يستقر على تحالفات صلبة، ولا ينزلق إلى حرب شاملة، بل يعيش في منطقة وسطى يمكن وصفها بـ”التوازن المضطرب”. وفي هذا السياق، تصبح القوة ليست فقط قدرة على الردع العسكري، بل قدرة على إدارة الإدراك، وصناعة الرسائل، والتحكم في مستويات التصعيد دون الوصول إلى الانفجار. إنها مرحلة جديدة من السياسة الدولية، حيث لا تُقاس القوة بعدد الدبابات فقط، بل بعدد الإشارات الاستراتيجية التي يمكن إرسالها دون إطلاق رصاصة واحدة.
*كاتب سوري
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر