بقلم / عادل حويس*
في لحظات التاريخ الفاصلة تلك التي لا تقاس بحركة عقارب الساعة بقدر ما تصنع بوعي الإرادة تنجلي أمام الأمم حقيقة كبرى مفادها أن الأوطان لا تولد عظيمة بالصدفة ولا ترتقي مدارج المجد بالاتكال على الأمنيات أو بالدوران في فلك الخطب الرنانة والتباكي على أطلال الماضي.
إن بناء الدولة العظيمة هو معمار معقد يشترك في صياغته العقل الذي يخطط واليد التي تنتج والضمير الذي يخلص والإنسان الذي يوقن في أعماقه بأن الوطن فكرة نابضة قبل أن يكون حيزا جغرافيا ورسالة حضارية قبل أن يكون حدودا مرسومة ومسؤولية كبرى تسبق المطالبة بالحقوق.
ولعل من أكثر الأوهام شيوعا وسقوطا أمام محك التجربة هو اختزال قوة الدول وبأسها بما تختزنه باطن الأرض من ثروات طبيعية أو آبار نفطية ومعادن نفيسة إذ تنهض صفحات التاريخ قديمها وحديثها لتقدم شهادة داحرة تؤكد أن أمما شحيحة الموارد معدومة المعين الطبيعي استطاعت بعبقريتها أن تقود قاطرة الاقتصاد والعلم عالميا بينما انكفأت أمم أخرى ترفل في غناها المادي داخل حلقة مفرغة من التبعية والتراجع ولم يكن التمايز بين الفريقين يكمن في حجم الإمكانات المادية بل في نوعية الإنسان الذي يعمر الأرض وصلابة المؤسسات التي تحكم الوعي ووضوح الرؤية التي تقود الدفة نحو المستقبل فالوطن العظيم صرح يتراكم بنيانه عبر الأجيال حيث يدرك كل جيل أن البناء فعل يومي مستدام يضيف فيه حجرا جديدا إلى إرث الحضارة مستكملا مسيرة من سبقوه ومطورا لتجاربهم دون هدم أو نكوص ليترك لمن بعده أمانة أبهى وأكثر منعة وهكذا وحده تخلد الأمم أسماءها في سفر الخلود.
وإذا ما تتبعنا خيوط هذه الحكاية الحضارية سنجد أن منبعها الأول وميدان معركتها الحقيقي هو التعليم لكنه ليس ذلك التعليم التقليدي الذي يحشو الذاكرة بالمحفوظات ويقيس الأهلية بعدد الشهادات الورقية بل التعليم الذي يوقظ العقل من غفوته ويحرر الفكر من قيوده ويزرع الفضول العلمي في النفوس ليتحول فيه الطالب إلى باحث يسائل الوجود والمعلم إلى ملهم يوقد الشغف والجامعة إلى مصنع لإنتاج الأفكار والاختراعات فمن ملك ناصية المعرفة ملك أسباب القوة والسيادة ومن ارتضى استهلاك معرفة الآخرين ظل تابعا سليب الإرادة مهما تضخمت خزائنه على أن المعرفة في دورها هذا لا تكتمل إلا بقرينها الأخلاقي فإذا انفصلت العقول عن الضمائر تحولت المعرفة إلى قوة عمياء مدمرة ومن هنا يصبح بناء الإنسان قائما على ترسيخ منظومة قيمية تجعل من الصدق ثقافة مجتمعية ومن الإتقان منهج حياة ومن احترام القانون سلوكا عفويا ومن النزاهة عنوانا للمجال العام فالأوطان لا ينهكها الفقر العابر بقدر ما ينخر في عظامها الفساد ولا تهزمها الجيوش الخارجية بقدر ما تضعفها الأنانيات وغياب العدالة الاجتماعية.
وعندما تترجم هذه القيم إلى واقع معيش يبرز الاقتصاد بوصفه المرآة الحقيقية لنهضة العقول ففي أروقة القرن الحادي والعشرين لم تعد القوة الاقتصادية حكرا على ضخامة المصانع التقليدية أو عدد آبار الوقود بل باتت تقاس بما تنتجه العقول من ومضات معرفية وما تحوله التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وابتكارات ريادة الأعمال والطاقة النظيفة إلى قيمة مضافة. إن الدول التي استوعبت هذه القفزة لم تنتظر المستقبل ليدق أبوابها بل سعت إليه وصنعته بأيديها عالمة بأن الاقتصاد لا يمكن أن يزهر في بيئات يغيب عنها القانون أو تترنح فيها كفة العدالة إذ إن الثقة هي العملة الأسمى في سوق النهوض ولا تولد هذه الثقة إلا حين يوقن المواطن والمستثمر على حد سواء بأن الحقوق مصانة وأن الكفاءة والاستحقاق هما الجسر الوحيد للترقي مما يجعل من دولة المؤسسات ضرورة تنموية ملحة لحفظ المنجزات وضمان استقرار السياسات بعيدا عن الرهان على شخوص أو تقلب الظروف.
وفي هذا العالم المتسارع الذي يعيد تشكيل خارطته كل يوم لم يعد مجديا الركض خلف قاطرة الحضارة لاهثين بل وجب الانخراط في توجيه مسارها وهو ما يتطلب جعل البحث العلمي أولوية وطنية قصوى وربط قاعات الجامعات بمراكز الإنتاج واحتضان العقول المبدعة وتوفير البيئة الخصبة لها بدلا من دفعها نحو الهجرة والرحيل يكتمل هذا المشهد بتلاحم كافة طاقات المجتمع إذ غدا تمكين الشباب استثمارا وجوديا في الغد وتمكين المرأة اعترافا واعيا بدورها الشريك في صياغة التنمية فكل موهبة تجد رعايتها وكل فكرة تلقى حاضنتها هي لبنة جديدة في جدار المنعة الوطنية وفي عمق هذا الحراك يبرز دور الثقافة والإعلام الرصين كخط دفاع أول عن الهوية والوعي الجمعي فالكلمة المسؤولة تبني جيلا بأكمله بينما الكلمة المضللة كفيلة بهدم وعي أمة مما يجعل من الثقافة الواعية أداة لترسيخ قيم العمل والانتماء والتسامح إن بناء الأوطان العظيمة.
في نهاية المطاف لا يحتاج معجزات خارقة بل نيات صادقة ورؤى واضحة وعملا متصلا يرى فيه كل فرد أن إتقان عمله هو اللبنة الأساسية في صرح النهضة وحين يتحول حب الوطن من شعار يهتف به في المناسبات إلى مسؤولية يومية تمارس يصبح الحلم حقيقة ملموسة يراها الناس في شوارعهم ومدارسهم ومؤسساتهم وفي كل منجز يرفع اسم الوطن عاليا بين الأمم.
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر