فيروز الولي*
في اليمن، لا يحتاج بعض السياسيين إلى حكومة تدير الدولة، بل يحتاجون إلى شماعة تدير الخطاب. وكلما تعثرت خطوة، أو انهارت خدمة، أو فشلت معركة، أو ضاعت فرصة، خرجوا من الأرشيف وهم يحملون الاسم نفسه: علي عبدالله صالح.
حتى ليخيل للمواطن أن الرجل، رغم رحيله منذ سنوات، ما زال يجلس في مكتب رئاسة الوزراء، ويوقع القرارات، ويعين المسؤولين، ويقطع الكهرباء، ويطبع العملة، ويمنع الإصلاح، ويكتب البيانات، ويؤجل الانتصارات!
إنه مشهد يثير الضحك بقدر ما يثير الأسى.
لا أحد ينكر أن الرئيس الراحل كان شخصية محورية في تاريخ اليمن، وأن حكمه الطويل ترك إرثًا معقدًا، وأن سقوط صنعاء لم يكن حدثًا عابرًا. لكن تحويله إلى التفسير الوحيد لكل إخفاق لاحق ليس قراءة للتاريخ، بل إعفاء للحاضر من المساءلة.
لقد مرت سنوات طويلة، وتبدلت الحكومات، وتشكلت المجالس، وتدفقت المساعدات، وامتلأت الفنادق بالوفود، وتكاثرت المؤتمرات والبيانات، بينما بقي المواطن يفتش عن دولة لا يجدها إلا في الخطب.
السؤال الذي يهرب منه الجميع بسيط ومؤلم:
إذا كان الماضي هو سبب سقوط صنعاء، فمن المسؤول عن حاضر لم يستطع حتى الآن أن يقدم نموذجًا أكثر إقناعًا في المناطق التي يسيطر عليها؟
إذا كانت الظروف العسكرية تمنع استعادة العاصمة، فمن الذي منع بناء مؤسسات قوية، وقضاء مستقل، وخدمات مستقرة، وإدارة تحترم المواطن في العاصمة المؤقتة؟
الدولة لا تبدأ من صنعاء فقط… الدولة تبدأ من حيث تكون السلطة مسؤولة.
أما المواطن، فقد تحول إلى متفرج على مسرح سياسي عبثي؛ مؤتمر يتهم مؤتمرًا، وبيان يرد على بيان، واجتماع يبارك اجتماعًا، وصور جماعية توحي بأن النصر أصبح قريبًا… ثم يعود الناس إلى الظلام، وارتفاع الأسعار، وانقطاع الرواتب، وتدهور الخدمات.
وفي الجهة الأخرى، تواصل الاستفادة من هذا الواقع، ليس لأن خصومها يفتقرون إلى الخطاب، بل لأنهم كثيرًا ما يواجهون انتقادات بسبب ضعف الأداء والانقسام، وهو ما يمنحها مساحة سياسية وإعلامية إضافية.
لقد أصبحت بعض النخب تتعامل مع الماضي كما يتعامل الساحر مع قبعته؛ كلما احتاج إلى تبرير جديد، أخرج منها الأرنب نفسه.
لكن الشعوب لا تأكل الروايات، ولا تشرب البيانات، ولا تعيش على خطب المؤتمرات.
إنها تريد دولة.
دولة يشعر فيها المواطن أن القانون فوق الجميع، وأن المسؤول يُحاسب إذا أخطأ، وأن المنصب تكليف لا غنيمة، وأن الوطنية تُقاس بالإنجاز لا بالشعار.
التاريخ يجب أن يُقرأ لا أن يُستغل، وأن يُراجع لا أن يُستخدم ستارًا دائمًا للهروب من المسؤولية.
فالسياسي الذي يقضي سنوات في الحديث عن أخطاء من سبقه، ثم يعجز عن تقديم بديل أفضل، لا يصنع مستقبلًا، بل يطيل عمر الأزمة.
لقد تعب اليمنيون من حروب الذاكرة، ومن تجارة المظلومية، ومن مزادات الوطنية، ومن صناعة الأبطال والبحث عن الشياطين.
ما يحتاجه اليمن اليوم ليس بطولة في تفسير الهزائم، بل شجاعة في صناعة النجاح.
فالوطن لا ينهض بمن يكررون قصة السقوط كل عام، وإنما بمن يملكون القدرة على كتابة فصل جديد… يكون عنوانه: دولة تحاسب الجميع، ولا تجعل الماضي عذرًا دائمًا لعجز الحاضر.
*من صفحة الكاتبة على فيسبوك
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر