د/مصطفى عبدالقادر*
الموقف الاستراتيجي: تجاوز الردع التقليدي والتغلغل الميداني
تُظهر التحركات الميدانية المتزامنة التي شهدتها ثماني عشرة مدينة إيرانية — والتي شملت أقاليم محورية متفرقة جغرافياً من “سيستان وبلوشستان” و”خوزستان” إلى “كردستان” والعاصمة “طهران” — تحولاً نوعياً في ديناميات المواجهة الأهلية مع السلطة المركزية. إن تنفيذ حراك شبكي مكثف عبر 50 نقطة استهداف نمطية في اليوم ذاته يعكس الانتقال من “الاحتجاج العفوي المنقطع” إلى مرحلة “العمليات الشبكية المنسقة”، وهو ما يشير استراتيجياً إلى الفشل الهيكلي لسياسات الاحتواء الأمني والأيديولوجي التي يعتمدها النظام الإيراني.
تعتمد هذه التكتيكات الحضرية الموزعة على مبدأ “اللامركزية التنفيذية مع وحدة التوجيه السياسي”؛ حيث تمكنت وحدات المقاومة المنتمية لـ “منظمة مجاهدي خلق الإيرانية” من اختراق أجهزة الرصد الحيوي والتمرس الميداني في بيئات أمنية عالية المخاطر. هذا النمط العملياتي لا يهدف فقط إلى رفع التكلفة التشغيلية لأجهزة أمن الدولة، بل يمارس استنزافاً نفسياً وسياسياً مستمراً لمنظومة السيطرة، معيداً رسم خريطة الفاعلية السياسية داخل الشارع الإيراني.
هندسة البديل السياسي: القوميات والقيادة النسوية كقاطرة للتغيير
تتعدى الرسائل الميدانية أبعاد الحركة الرمزية لتستهدف تفكيك السرديات المركزية للخطاب الرسمي؛ إذ كشف هذا التمدد الجغرافي عن القدرة على بناء المظلات التضامنية العابرة للتنوع العرقي والمذهبي. ففي الوقت الذي يسعى فيه النظام إلى استغلال مخاوف التفتت الإقليمي لترسيخ قبضة الحرس الثوري، أظهر التنسيق الموازي في مناطق ذات خصوصية إقليمية، مثل “بوكان” و”إيرانشهر” و”الأهواز”، القدرة على تقديم نموذج متكامل للوحدة الوطنية المستندة إلى حق تقرير المصير والحريات المدنية، متجاوزاً الانقسامات التاريخية.
وفي المقابل، شكل الوجود النسوي المتقدم في هذه التحركات محورا استراتيجياً مفصلياً. فالتركيز على أطر تنظيمية تقودها المرأة لا يمثل مجرد مطلب حقوقي، بل يعبر عن استهداف مباشر للركائز الأيديولوجية والتشريعية لنظام “ولاية الفقيه”. إن التمسك الميداني ببرنامج “المواد العشر” كبديل ديمقراطي إستراتيجي يُقدّم للإجماع المحلي والدولي مشروعاً كاملاً لإعادة بناء الدولة الوطنية الإيرانية، القائمة على التعددية والمساواة وسيادة القانون.
المعادلة التنافسية: رفض “الثنائية الديكتاتورية” وحسم مشروع المستقبل
تحمل الشعارات المرفوعة في مراكز التظاهر — وفي مقدمتها التمسك بالقطيعة السياسية المزدوجة المتمثلة في شعار “لا للشاه ولا للملالي” — أبعاداً جيو-سياسية بليغة المدى. فهذا التحديد الواضح لطبيعة البديل يسعى إلى قطع الطريق أمام المحاولات الإقليمية والدولية لإعادة إنتاج النموذج البهلوي البائد أو التفتيش عن حلول هجينة داخل أجنحة الحكم الحالية. إن هذا الموقف يعزز شرعية البديل الميداني باعتباره التعبير الحقيقي عن التطلعات السياسية الشعبية، ويُبطل أي رهانات خارطة طريق تسعى إلى تجاوز القوى الفعلية في الميدان.
كما أن استبعاد خيارات التدخل الأجنبي أو التراهن على متغيرات السياسة الخارجية، يؤكد على مقولة محورها أن التغيير الهيكلي في إيران لن يتأتى إلا بإرادة داخلية وتغيير موازين القوى في الميدان. إن هذا النهج يقلل من الارتهان للتقلبات الدولية ويمنح مشروع المقاومة الإيرانية استقلالية استراتيجية نادرة في منطق الأزمات الإقليمية.
التداعيات الجيوسياسية: سيناريوهات التحول وأثرها على الأمن الإقليمي
على الصعيد الجيواستراتيجي، تؤكد مراكز الرصد والتقارير الميدانية المستقلة أن تعاظم فاعلية الشبكات الداخلة في إيران يشكل حجر الزاوية في معادلة الانتقال السياسي المستقبلي. إن استدامة هذه الأنشطة الميدانية رغم آليات القمع المشددة تعكس تآكلاً مستمراً في كفاءة الردع الداخلي للسلطة، مما يزيد من احتمالات نشوب هزات سياسية متتالية تؤدي في النهاية إلى شلل أجهزة السيطرة.
تثبت الوقائع الميدانية المتلاحقة أن البديل الوطني المنظم والمتمثل في “المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية” لم يعد مجرد خيار سياسي نظري، بل بات رقماً صعباً يفرض نفسه على معادلات الأمن والسلام في الشرق الأوسط. إن إقامة جمهورية ديمقراطية غير نووية ومسالمة مع جوارها الإقليمي والدولي لا يتطلب دعم التدخلات العسكرية الأجنبية، بل يمر عبر الاعتراف بحق الشعب الإيراني ووحدات مقاومته في إسقاط الاستبداد، وتقرير مصيره الوطني بإرادته الحرة.
*آكاديمي وأستاذ جامعي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر