السبت , أكتوبر 24 2026
الرئيسية / اراء / صفقة الخلود..!

صفقة الخلود..!

 

محمد فاضل العزي*

الشهداء هم من استجابوا لنداء السماء وصوت الدماء

ليسوا جثامين تشيع، ولا أرقاماً تدون في سجلات الفجيعة؛ بل هم الفجر الذي ينبلج من عتمة النوائب، والنور الذي يبدد زيف المكائد. حين يتداعى الباطل بأهوائه، ويطغى الكفر بكبريائه، يبرز رجال خلعوا ثوب الذل، وارتدوا درع العز، فلبوا نداء علوياً، وأجابوا أمراً سماوياً. إنهم شهداء الأمة وحراس الملة، الذين استخفوا بالمنايا، واحتضنوا المنايا لتحيا المبادئ؛ فلم يكونوا ضحايا حرب، بل صناع المجد وصفوة الرب.

تجارة لن تبور: عقد قدسي بين الخالق والمخلوق

إن الشهادة ليست عدماً يطوى، ولا موتاً يكبل بالثرى، بل هي ارتقاء للأرواح واستعاضة عن الفناء بالبقاء. لقد دخل هؤلاء الأبرار في أعظم صفقة بيعية عرفها الوجود؛ باعوا أنفساً فانية كانت محكومة بالأجل، فاشتراها من خلقها وأوجدها ليهبها الخلود والأمل.

> يقول الحق تبارك وتعالى:> ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَىٰ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ﴾ [التوبة: 111].>

فيا له من مشتر كريم جل جلاله، ويا له من بائع حصيف نال أماله! هنا تسقط حسابات الأرض وتنمحي أوهام البشر؛ فالربح هنا ليس غنيمة زائلة، ولا جاهاً زائفا، بل هو شطب أسمائهم من سجلات الموتى، وتخليدهم في سجلات الأحياء الذين يرزقون عند ربهم وجوهاً ضاحكة مستبشرة.

تأمل كيف نفى القرآن عنهم الموت صراحة، كي لا تتطرق الظنون إلى بسالتهم: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَن يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَٰكِن لَّا تَشْعُرُونَ﴾ [البقرة: 154]، وقوله سبحانه: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ [آل عمران: 169]. إنها حياة أبدية لا يمسهم فيها نصب، ولا ينالهم فيها لغب، صاروا بها جزءاً من نعيم الجنان، ورياحين في رياض الرحمن.

لماذا الإعطاء الإلهي؟.. سر الاصطفاء واليقين

لم تكن هذه المنائح الربانية، والرتب العلية، شيئاً عفواً أو نيلاً صدفياً؛ بل كانت جزاء وفاقاً ليقين ثابت وإيمان صادق:

* التسليم المنطلق من العبودية: استجابوا لله وللرسول ولورثة الكتاب أعلام الهدى حين دعاهم لما يحييهم، فأطاعوا أمره، وجاهدوا في سبيله، وسلموا أنفسهم للحق تسليماً لا يخالطه شك ولا تردد.

* البذل في أعلى مراتبه: قدموا للأمة أغلى ما يجود به الحي؛ قدموا المهج والأرواح، وسكبوا الدماء الزاكيات في ساحات الكفاح، لتظل المبادئ شامخة والرايات مرتفعة.

* الدفع والمقاومة لمشاريع الطغيان: وقفوا سداً منيعاً، وحصناً رفيعاً، في وجه الطغاة المتكبرين، وحطموا أوهام المشاريع الشيطانة للمستكبرين. دافعوا عن كرامة الدين، وعزة المؤمنين، وصانوا العرض والأرض من المقاصد الخبيثة والمكائد المغروضة.

* نصرة المساكين والمستضعفين: جاهدوا بما يملكون لإقامة العدل ودحر الظلم، فكانوا بركاناً على الظالمين، وغيثاً وأماناً للمستضعفين.

تاريخنا الإسلامي شاهد على هذا المنهج؛ فمن “حمزة” أحد ، إلى “جعفر” في مؤتة، إلى حسين وحسن سلام الله عليهم في معركة العصر إلى كل باسل في زمن النوائب؛ كانت هذه الدماء هي الوقود الذي كتب عزة الأمة ومنع انهيارها.

مائدة الاصطفاء: جوار الأنبياء والصديقين

إن الله جل جلاله لا يختار لهذه المقامات الشريفة إلا صفوة من عباده، يستلهم من بين الركاكة والضعف ليجعلهم في الملأ الأعلى. هم ليسوا مفقودين، بل هم في صدر المواكب مع النبيين والصديقين والصالحين، يطعمون من مائدة ربانية لا تنفد، ويروون أرواحهم من قرب إلهي لا ينقطع.

> يقول صلوات الله وسلامه عليه وعلى آله في بيان فضلهم:

> «أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ، لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلَّقَةٌ تَحْتَ العَرْشِ، تَسْرَحُ مِنَ الجَنَّةِ حَيْثُ شَاءَتْ، ثُمَّ تَأْوِي إِلَى تِلْكَ القَنَادِيلِ».

>

أي سمو هذا؟ وأي كرامة تتضاءل أمامها جميع ملذات الأرض وزخارفها؟!

الخاتمة: مشاعل في طريق النصر

في ذكرى الشهيد، لا نبكي الرجال ولا ننوح على الأبطال، فالبكاء لا يليق بمن صنعوا المجد، والنويح لا يناسب من نالوا الخلود. إن ذكراهم ليست طقساً يقام، بل هي مشعل يضاء، ومنهج يستعاد، وعهد يجدد على المضي في طريق العزة والجهاد.

لقد كتب الشهداء بدمائهم وثيقة النصر، وتركوا لنا الأمانة لنحمي الثغر؛ فمن أراد الحياة الحقيقية فليسلِك مسلكهم، ومن أراد الكرامة فليقتَفِ أثرهم. سلام على المضاجع الزاكيات، وسلام على الأرواح الطاهرات، وسلام على الدماء التي صنعت أمة لا تموت ولا تقهر.

*نقلا عن الثورة

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حقيقة النظام السعودي الوهابي!

غيث العبيدي* المقدمة الإشكالية: لا يمكن فهم سلوك السعودية الوهابية الإرهابية اليوم كسلوك دولة تقليدية، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *