الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / طرداللبنانيين من الخليج .. من هم الكفار ومن هم المسلمون؟!

طرداللبنانيين من الخليج .. من هم الكفار ومن هم المسلمون؟!

عبد السلام بنعيسي*
حين وقعت تفجيرات قطارات مدريد بتاريخ 11 مارس 2004، التي سقط فيها حوالي 200 من الضحايا، أغلبيتهم المطلقة من الإسبان، كان المتورطون في تنفيذ تلك التفجيرات شبانا من أصول مغربية، فلقد تم التأكد من هوياتهم بعد أن أقدموا على الانتحار. وقتها لم تلجأ السلطات الإسبانية لاتخاذ أي خطوة عقابية ضد الدولة المغربية، بسبب أن منفذي التفجيرات مغاربةٌ في أصولهم، وتحاشت مدريد توجيه الاتهام للمغاربة المقيمين في الديار الإسبانية، بالضلوع في هذه الجريمة، بل صدرت تصريحات من مسؤولين إسبان، تبرئ الجالية المغربية التي تعيش في إسبانيا من تهمة الإرهاب، وتم التنويه والإشادة بسلوكها وانضباطها، وكان الهدف طبعا، سدُّ الطريق في وجه كل من أراد استغلال الحادث الأليم لتصويب سهام التحريض ضد المغاربة الذين يعيشون في إسبانيا، بسبب جريمة ليسوا مسؤولين عنها..
تحضرني هذه الوقائع وأنا أتابع فصول الأزمة المتفاقمة بين بعض الدول الخليجية والدولة اللبنانية، فرغم أن الخلاف قائم بين المملكة العربية السعودية من جهة، وحزب الله حصرا من جهة أخرى، فإن الرياض تقوم بإلباس، ما يتسبب في غيضها وغضبها من حزب الله، لكل اللبنانيين. الشعب اللبناني لا ناقة ولا جمل له في الخلاف المحتدم بين الطرفين، ومع ذلك، فإنه يتحمل تبعاته، وتقوم الرياض بتدفيعه ثمن صراعها مع الحزب المذكور، ويتجاوز الأمر حدود الضغط على الدولة اللبنانية ووقف التعامل معها وفرض حصارٍ عليها، إلى تشديد الخناق على الجالية اللبنانية المقيمة في السعودية وفي دول خليجية أخرى، وتهديد أفرادها بالطرد والإبعاد.
ما ذنب عمال لبنانيين يشتغلون في الإمارات، أو الكويت، أو السعودية لكي يتم طردهم من عملهم، وحرمانهم من مصدر رزقهم، ورميهم إلى لبنان في أتون الحرمان والبطالة؟ ما علاقتهم بالسياسة أصلا؟ أظن أن العديدين منهم قد يكونون لا يحملون أي تعاطف مع حزب الله، ولا شك أن من بينهم خصوما سياسيين له، فبأي حق تتم معاقبتهم على خلافٍ للسعودية مع الحزب المذكور؟ يفترض أن هؤلاء عمال يؤدون أعمالا يتقاضون عليها رواتبهم، إن المؤسسات الخليجية التي يشتغلون فيها تستفيد منهم، وتجني من جهدهم العضلي الذي يبيعونه لها، أرباحا طائلة، وإذا كان ذلك يدخل في إطار الواجبات المترتبة عليهم، فإن لهم أيضا حقوقا، ومن بين الحقوق التي ينبغي أن يتمتعوا بها: حقُّ عدمِ الطرد من العمل، إلا إذا اقترف العامل زلَّةً يستحق عليها الطرد، ويتم الطرد طبقا لمساطر قانونية تتيح للعامل إمكانية الدفاع عن نفسه، ومخاصمة صاحب قرار الطرد قضائيا، والطعن فيه أمام المحاكم المختصة.
لدينا نحن العرب والمسلمون جاليات وعمال في الدول الأوروبية، وفي أمريكا، وكندا، وحتى أستراليا، وتقع بين دولنا وهذه الدول خلافات سياسية تكون أحيانا حادة وحامية، كما هو الحال راهنا بين فرنسا والجزائر، والمغرب إسبانيا، لكننا لم نقرأ ولم نسمع أن مسؤولا حكوميا إسبانيا دعا لطرد العمال المغاربة من إسبانيا، أو مسؤولا حكوميا فرنسيا دعا لطرد العمال الجزائريين من فرنسا، بل تحافظ هذه الدول لعمالنا على حقوقهم المكتسبة، وتبيح لهم فرصة حمل جنسيتها، وتسمح لهم بممارسة السياسة فوق أراضيها، بشكلٍ يتيح لهم إمكانية الدفاع عن مصالح أوطانهم الأصلية من داخل الدول التي يشتغلون بها.
لا تخلط الدول الغربية بين نشاط العمال الموجودين فوق أراضيها، وبين القرارات السياسية التي تتخذها الدول التي ينحدرون منها، فللعمال حقوق تتم مراعاتها طبقا للقوانين الجاري العمل بها، مهما كانت الصراعات على أشدها بين دول المنشأ بالنسبة للعمال، والدول التي تستقبلهم للعمل فيها. فغير المسلمين هم الذين يعملون بالآية الكريمة التي تقول: لا تزرُ وازرةٌ وِزْرَ أخرى. فمَنِ الكفارُ ومن المسلمون حقا؟؟؟
لنفترض، لا قدر الله، أن تفجيرات وقعت في إحدى المدن الخليجية، وسقط، نتيجة لها، ضحايا خليجيون، وتبين على إثر التحقيقات أن لبنانين هم الذين كانوا وراء تلك الجريمة، فكيف ستتعامل الدول الخليجية مع لبنان؟ هل ستكتم الغيظ، وستحصر التهمة والعقاب في الأشخاص الذين سيقترفون التفجيرات، كما فعلت إسبانيا في الهجمات التي وقعت في مدريد، أم أن العقاب سيطال لبنان بأسره، وسيكون عقابا قاسيا، وأقوى من التفجيرات نفسها؟؟ من المؤكد أن الاتهام سيوجه إلى حزب الله، وستعقبه إجراءات وتدابير قاسية جدا ومجنونة ضد لبنان برمته، رغم أن اللبنانيين الذين اقترفوا التفجيرات لا ينتمون للحزب المذكور، ولا علاقة لهم به..
إذا كانت ورطة السعودية في حرب اليمن هي السبب في تسليط العقوبات على لبنان، فبذلك لا تقوم السعودية ومعها الدول الخليجية بعلاج المشكل، لأنها لا تذهب إلى أصله، وإنما تقوم بمقاربة النتيجة التي نجمت عنه، فحزب الله تدخل في اليمن وساند الحوثيين، لأن السعودية كانت هي المبادرة لشن الحرب عليهم، فلو لم تكن هناك حرب سعودية على اليمن لما وقع تدخُّلٌ لحزب الله في مجرياتها، والحكمة تقتضي معالجة السبب بوقف الحرب والبحث عن مخرج سلمي لتداعياتها، عوض تناول نتيجتها التي هي تدخُّلُ حزب الله في دهاليزها، والتوغل والإمعان في الخطأ، بتحميل الشعب اللبناني بكامله، أوزار حربٍ ليس طرفا فيها.
على السعودية امتلاك شجاعة الاعتراف بأنها أخطأت في خوضها حربا ضد اليمن دون أسباب وجيهة، والشروع في إيجاد مخرج لها من عواقبها، فكما أخطأ الخليجيون في العراق حين ساهموا في تدميره، ودفعوه دفعا ليصبح حليفا لإيران، وكما فعلوا الشيء نفسه في سورية واكتشفوا متأخرين أنهم أخطأوا في خيارهم عزلها عن محيطها العربي، عليهم الإقرار بأن الحرب التي قاموا بشنها على اليمن لم يكن هناك ما يستدعيها، وأن عليهم وقفها، فكل الدول تشتغل في الأزمات بخطتين، الخطة ألف، والخطة باء، فإن فشلت الأولى يقع اعتماد الثانية، فشل السعودية في حربها على اليمن حقيقة ماثلة أمام العيان ولا ينكرها حتى مجاحد، والتسليم بهذه الحقيقة والتفكير في بديل عنها، هو عين الحكمة والشجاعة، وإنكارُها ليس إلا تهورا، وهروبا إلى الأمام، لن يجديا نفعا…
الطرد الجماعي لعمال لبنانيين من بعض الدول الخليجية، لأسباب سياسية عبثية، بعيدة عن ظروف عملهم وكيفية أدائه، فضلا عن كونه لا يؤثر في مسار الحرب في اليمن، فإنه يسئ لمن يتخذ هذا القرار في المقام الأول، وقد يجلب له نفور واشمئزاز الآخرين منه، لأنه يظهره في صورة من لا يحترم حقوق طبقة عاملة ساهمت في تطوير اقتصاد بلده، ولا يقيم وزنا للقوانين التي تنظم العلاقة القائمة بين العمل وأرباب العمل، طبقا لمعطيات العصر ومستلزماته، إنه يبدو تصرُّفاً غير حضاري وغير إنساني، وصادرٍ عن عقلية رجعية متسلطة. عقليةٌ تعامل المشتغلين عندها، وكأنهم أقنان في إقطاعاتها.
*كاتب مغربي

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

التدرّج اليمني في مسار المواجهة!

محمد محسن الجوهري* تُقدَّم المواجهة المقبلة بين اليمن والكيان الصهيوني بوصفها محطة فاصلة في مسار …