فؤاد البطاينة*
نحن اليوم أمام مشهد شرق أوسطي زئبقي باتجاه إعادة تشكيل “جيو- استعماري” – احتلالي للمنطقة العربية. وأمامنا خضّات كبيرة تنتظرنا. الأقطاب الدولية والإقليمية كلها حاضرة في المشهد بثقل عسكري وسياسي، وكلها على الطاولة تأخذ بعضها على محمل الجد. إنه حضور استراتيجي لأقوياء مفترسين لوطن عربي كبير يسقط بدون حرب. يسقط بسقوط الوعي العربي وبخيانة أهل الدار العربية وأبويتهم الفاسدة. أكباش جيء بها وعُلِفت وسُمّنت ورُكبت لها قرون فوق الأذان لتسحق أغنامها. كلهم على الطاولة ولا كرسي لكبش مُستعار..
كان في الغزو الصهيوني لفلسطين ابتداءا فرصة لانبثاق الوعي العربي على خطر وجودي ومستقبل مظلم مبيت دل عليه تلاقي دول الشرق والغرب الكبرى على دعم هذا الغزو وزراعة الكيان في قلب المنطقة العربية. فسقط هذا الوعي سقطته الأولى حين لم يُدرك العرب بأن هذا الغزو كان غزو هذه القوى الكبرى ولم تكن الصهيونية اليهودية إلّا ذريعة واستخداما. أما السقطة الكبرى فكانت حين اعتبر العرب وشعوبهم بأن هذا الغزو هو لفلسطين وشعبها وليس للمنطقة العربية وشعوبها. فوقع العرب في الفخ تائهين بين شِباك نفس القوى واهمين بين هذا صديق وهذا عدو وهذا حليف ليتلقون النكسات. وما هي في الواقع إلّا أدوار متكاملة. قوام نجاحها تنصيب دكتاتوريات عميلة ووكيلة من ناحية، وتشجيع وحماية دكتاتويات أخرى وطنية لا تنتهي إلا بانتهاء دولها. بينما الصهيونية تحولت خلال الحقبة من المتسول للقوى الكبرى إلى مركز “منطقة حرام ” والأقوى تأثيراً وابتزازا
الناظر لطبيعة المعاهدات والإتفاقيات ومؤتمرات السلام وجوانب الحرب على الارهاب وصفقة القرن وسلام ابراهيم والتطبيع يُدرك بأن كل ذلك لم يُفَصّل لاحتلال فلسطين المُحتلة أو لمجرد تكريس احتلالها، بل لاستهداف وإخضاع الوطن العربي بأقطاره وشعبه ومقدراته ولم تكن فلسطين إلا البداية والقاعدة والمُنطلق. فما نشهده تحت مسمى التطبيع يتجاوز القضية الفلسطينية الى 21 قضية. إنه براء من مفهوم التطبيع، فالتطبيع لا يحتمل معناه أكثر من إعادة علاقات عادية بعد انقطاع أو بعد عداء انتهت أسسه. في حين أن ما نشهده مع مُعظم الدول العربية تجاوز مرحلة الصداقة الحميمة والتعاون. ففيه رابح وخاسر وفيه تعد على السيادة واختراق مجتمعي واقتصادي واستيطاني وعسكري وفيه رهن طرف لأخر ولا يمكن أن يكون هذا إلّا ضمن مخطط صهيوني استراتيجي إخضاعي، واحتلالي يتجلى في الأردن والإمارات.
نحن اليوم في مرحلة تاريخية فيها قطار الصهيونية سائر على سكة بلا عقبات والكل يتسابق على حماية السكة ودفع القطار. مرحلة تغيب فيها القضية الفلسطينية عن الأجندة العربية والدولية وتُطمس بقضايا أخرى، ولا حلول مطروحة لغياب الطرف الثاني في الصراع وهو المقاومة الشعبية العربية. وإن ما يُحي القضية الأن هو انتفاض شبان فلسطينيين مقاومين بدمائهم وأرواحهم في عمليات فدائية استشهادية ضد الإحتلال والغدر العربي تقرع الجرس بين الحين والأخر. وأقول بثقة إن فلسطين كانت وما زالت ضحية خيانة الأنظمة العربية وصمت شعوبها بينما دماء شهدائها على مر قرن كانت في الواقع تسفك دفاعاً عن الأمة كلها وليس عن فلسطين فقط، وجهل العرب بهذا ارتد اليوم عليهم. ولا نستطيع تحميل عدونا ولا صديقنا لمسؤولية يبطش بها أهل الدار من أعراب يألفون الذلة والتبعية والجبن بنكهات الكفر. ولن يتوقف القطار الصهيوني ما لم يتشكل الوعي الشعبي العربي ودلالته مشروع المقاومة العربية وهزيمة سلطة أوسلو التي يتوكأ على خيانتها القاصي والداني.
الأنظمة العربية الأيلة للتغيير في المشهد كلها تقتات على قضية فلسطين ومهمتها الأساسية تنفيذ برامج تطويع وتطبيع شعوبها على مستجدات ثقافية وسياسية تخدم طبيعة المرحلة المُزمعة.،. أما لعبتها السياسية فهي خدعة حل الدولتين التي تشاركها فيها السلطة الفلسطينية وحماس. فعلاوة على أنه حل يمثل الإعتراف العلني بحق “إسرائيل” في احتلالها لأكثر من 80% من فلسطين، فإنه كذبة كبيرة يعتريها ويُعريها فضيحتان متوجتان باستعداد نفسي وسياسي لدى كل هذه الأنظمة بالتعايش مع احتلال فلسطين كلها وما بعد فلسطين. وهما..
الأولى، أن “إسرائيل” ترفض علانية هذا الحل وصنعت واقعاً على الارض الفلسطينية يستحيل معه قيام دولة، والثانية \ أن كل نظام عربي وغير عربي يستند موقفه على هذا الحل لا يستخدم على الأرض أية ضغوطات على إسرائيل والمجتمع الدولي لقبول هذا الحل، بل تنخرط هذه الأنظمة معها بعلاقات تتراوح مابين الصداقة والتعاون بمختلف المجالات وبين التحالف الإستراتيجي على القضية فقط، وبما يهزئ مصداقيتها ويعطي اسرائيل رسالة واضحه بابتلاع كل فلسطين..
نختم بالحالة الأردنية، وأقول إن كانت الأنظمة العربية وفي صلبها نظام أوسلو تقتات على لحم ودم القضية الفلسطينية فإن سياسات النظام الأرني تقتات على لحم الأردن وطناً وشعباً ودولة ليلتحق ويُدمج بالحالة الفلسطينية الإحتلالية….. الحالة الأردنية التي نعيشها يجب أن تكون ماثلة أمام كل أردني وعربي وأمام كل متطفل على العمل السياسي في الساحة الأردنية أو لاعب لغرض في نفسه، وأمام الأحزاب والتشكيلات السياسية كلها. الأردن يعيش حالة احتلالية ناعمة لا شية فيها، يصحبها غزو عسكري واقتصادي استيطاني وإعادة هيكلة لدولة بجيشها وأمنها وأجهزتها، ومسخ وإلغاء للدستور، فنحن في وضع لا متسع فيه لدى النظام للتعامل مع أي وجهة نظر إصلاحية ما دام لا يرى في الدولة غير نفسه وأمريكا التي تمثل “إسرائيل “.
نحن في مرحلة تجاوزت وادي عربة وتجاوزت التطبيع والتحالف الإستراتيجي مع اسرائيل. وكل اتفاقية معلنة أو غير معلنه ابرمت مع الكيان الصهيوني أو مع امريكا بعد رحيل الملك حسين ورابين لا تدخل في باب التطبيع ولا الندية، بل في باب الغزو اللصهيوني الناعم وقضم السيادة الأردنية وإدماج الأردن مع إسرائيل والضفة الغربية تحت السيادة الإسرائيلية. إنها صفقة القرن. ومن العبث السياسي والوطني أن تتكلم النخب الأردنية في هكذا مرحلة بإصلاحات أو قوانين اصلاحية أو عن فساد وفقر وبطالة أو شكل نظام. فهذا وغيره كله أصبح خلفنا في دولة مبرمجة وتحتل ولا يعترف بوجود شعب فيها.
اجترارنا للمستهلك من الكلام واستنساخ الأعمال السياسية الفاشلة. فيها نشرٌ للعجز والإحباط وفيها مرام النظام. حالتنا احتلالية ناعمة لا يقابلها إلّا التحرير السياسي للدولة وحماية وطن يُحتل، إنها حالة تسقط معها أو تُعلّق فيها التعددية والأحزاب والتجمعات والتشكيلات السياسية والأيدولوجات والعشائرية والجهوية والإقليمية لصالح عمل سياسي وطني واحد مشترك. غايته بناء مشاعر الشعب الأردني الواحد وصنع الكتلة البشرية الجماهيرية الحرجة. فوحدها القادرة على فتح آذان أمريكا والنظام وقلب طاولة التآمر على شطب الأردن وشعبه، وصنع الأرضية السليمة لبناء المشروع الوطني الأردنيي في إطاره القومي وقناته المفتوحة على فلسطين. وبغير ذلك فنحن نمارس الخيانة دون إدراك وإلّا فنحن في لعبة “وطن وحراميه”، نقضي فراغنا بها بأمان.
*كاتب أردني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر