وليد مرمر*
لا يكاد رئيس الحكومة اللبنانية نجيب ميقاتي يفوِّت مناسبة إلا ويمعن فيها في التذلل والإمتهان لـ”أخوته الخليجيين” حتى يظن المرء إن الرجل ربما كان قد تغيَّب عن حصة ”الكرامة” في دروس التربية المدنية عندما كان تلميذا! أو ربما إن ما يعاني منه ميقاتي ليس إلا نتيجة “لإجرامه” المالي الذي اقترفه بحق اللبنانيين عبر عقود من الفساد حتى أصابه “الصغار” المذكور في الآية القرآنية ”سيصيب الذين أجرموا صغار عند الله”، وبذلك أصبح الإنقياد والخضوع هوية له لا يفقه غيرهما، سيما تجاه “قبلته الدينية والسياسية” مملكة آل سعود كما ذكر شخصيا في إحدى تصريحاته!
والحقيقة أن “أول الوهن” في السياسة اللبنانية لم يبدأ مع إجبار وزير الخارجية السابق شربل وهبة على الإستقالة كما ذكر السيد حسن نصرلله في أحدى خطبه الأخيرة. وكان وهبة قد صرح بأن “دول المحبة والصداقة والأخوة(يعني دول الخليج) أوصلوا لنا تنظيم الدولة والإسلامية وزرعوه في سهول نينوى والأنبار وتدمر”، في إشارة إلى الأراضي التي سيطر عليها التنظيم في سوريا والعراق. وأُجبر وهبة على الإستقالة بعد تصريحه هذا الذي أزعج دول “المحبة والصداقة”! إن الوهن قد بدأ يستفحل فعليا منذ عام 2005 حين تنكر جزء من اللبنانيين لسوريا وبدأوا بالتصويب على المقاومة عبر اتهامها باغتيال الرئيس رفيق الحريري. ثم كان قرار “النأي بالنفس” عن الحرب الكونية على سوريا الذي تفتقت عنه عبقرية الرئيس ميقاتي وقتئذ، كان بمثابة الضربة القاضية للدور المقاوم والسيادي والعروبي للبنان كدولة، وذلك عبر التنكر لجميع الإتفاقيات والمعاهدات السياسية والأمنية والعسكرية بينه وبين سوريا. فكيف لدولة تدعي أنها شقيقة لأخرى أن تتنكر لها في أشد محنها ومآسيها وتأخذ دور “الحياد” كُرمى لعيون أسياد ميقاتي والحريري قبله من حكام دول الخليج الذين كانوا رأس الحربة في حرب تدمير سوريا؟!
إن مسلسل المهانة الذي اختاره ما كان يُعرف بقوى 14 آذار لم يقابله -للأسف- مواقف صارمة وثابتة من القوى المقابلة الدائرة في محور المقاومة، وذلك إما بسبب مقولة المحافظة على السلم الأهلي، أو أحيانا بسبب قلة دراية بالعملية السياسية. فباستثناء حركة 7 أيار التي اضطرت فيها المقاومة لمواجهة تغيير الواقع السياسي الذي قرر الرئيس السنيورة فرضه نزولا عند رغبة صديقته الحميمة كوندوليزا رايس، نجد أن مسلسل التنازلات يكاد لا يتوقف وذلك بدءا بالقبول بالنأي بالنفس عن أحداث سوريا مرورا بالموافقة على المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس الحريري، ثم عبر إشراك الفريق الخاسر في الإنتخابات في كل الحكومات رئاسةً ووزراء، وعبر محطات عديدة أخرى. ثم جاءت قضية جورج قرداحي لتستكمل هذا المسلسل الإنهزامي تجاه “الإخوة” الخليجيين ولكنها لم تكن الخاتمة. فمنذ أيام أدانت وزارة الخارجية اللبنانية هجمات المسيرات اليمنية على بعض المرافق العسكرية داخل السعودية والتي نجم عنها أضرار مادية فقط. ولكن حدث مقتل 39 يمني على قصف سعودي لأحياء سكانية في صنعاء بعد ذلك بأيام وتحديدا في 12 ديسمبر لم يستحق من وزير الخارجية عبدالله بو حبيب أي إدانة أو حتى شجب مقنع! وسياسة الكيل بمكيالين هذه لم تثر حفيظة محور المقاومة للأسف!
ويوم السبت الفائت عُقِد في بيروت مؤتمر صحافي دعت إليه جمعية الوفاق البحرينية حول انتهاكات حقوق الإنسان في البحرين. وكدأبها منذ تأسيسها، لم تدعُ جمعية الوفاق في هذا المؤتمر إلى إسقاط النظام البحريني. بل كل ما أشارت إليه هو ضرورة إصدار عفو عام يمهد للمصالحة الأهلية، مع ملاحظة الموضوع الحقوقي والمدني وضرورة مقاربة الدولة له بشكل منفتح ومتسامح مع كل المكونات السياسية. كما تخلل المؤتمر مواقف لمعارضين بحرينيين ضد إجراءات التطبيع التي تقوم بها بعض الحكومات الخليجية مع إسرائيل.
لكن هذا المؤتمر الحقوقي لم يرُق لمملكة البحرين سيما أنها قد رأت كيف أن البلطجة السعودية تؤتي أُكُلها دائما، فعمدت إلي التصعيد الديبلوماسي تجاه لبنان فأعربت وزارة خارجيتها في بيان عن “أسفها من استضافة العاصمة اللبنانية بيروت مؤتمرًا
صحافيًا لعناصر معادية لغرض بث وترويج مزاعم وادعاءات مسيئة ومغرضة ضد مملكة البحرين”. وأضافت أنه قد “تم تقديم احتجاج شديد اللهجة إلى الحكومة اللبنانية بشأن هذه الاستضافة غير المقبولة إطلاقًا والتي تعد انتهاكًا صارخًا لمبادئ احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية بما يخالف المواثيق الدولية وميثاق جامعة الدول العربية”.
وكعادته، وتزلفا لدول الخليج، أصدر الرئيس ميقاتي بواسطة وزير داخليته بسام المولوي أمرا موجّهاً إلى المديرية العامة للأمن العام يطلب فيه «اتخاذ كل الإجراءات والتدابير الآيلة إلى ترحيل أعضاء جمعية الوفاق البحرينية من غير اللبنانيين إلى خارج لبنان». وعزا ميقاتي قراره إلى «ما سبَّبه انعقاد المؤتمر الصحافي الذي عقدته الجمعية المذكورة في بيروت من إساءة إلى علاقة لبنان بمملكة البحرين الشقيقة، ومن ضرر بمصالح الدولة اللبنانية».
ربما لم يقتصر تغيّب ميقاتي في دروس التربية المدنية على درس “الكرامة” بل تعداه إلى درس ”ضمان الحريات المدنية”، كحرية الرأي والتعبير والإجتماع الخ.. والمضحك المبكي هو الفقرة التي نصت على “ترحيل أعضاء جمعية الوفاق من غير اللبنانيين إلى خارج لبنان”. فلقد منًَََََّ علينا الرئيس ميقاتي بهامش من الحرية وذلك عبر سماحه للبنانيين المنتمين إلى جمعية الوفاق بالبقاء في لبنان”! وهو موقف “إنساني متقدم” مقارنة مع أخوته حكام مملكة البحرين من آل خليفة الذين قاموا بإسقاط الجنسية البحرينية عن العشرات من المواطنين البحرينيين الأصليين من المعارضين السياسيين (يقدر عددهم بالمئات)بينهم المرجعية الإسلامية الشيخ عيسى قاسم، فيما تم تجنيس عشرات الاف الباكستانيين حتى الآن وذلك لتغيير الديموغرافية المذهبية للسكان كيما يصبح الشيعة أقلية. وحسب السفير الباكستاني السابق لدى البحرين محمد الأحد فإن ما يقارب من نصف مليون باكستاني موجودون على لوائح الإنتظار للحصول على جواز سفر بحريني!
وليت الرئيس ميقاتي سيخبرنا بالمقابل إن كان سيقدم على طرد عشرات الاف السوريين المجاهرين لعدائهم للدولة السورية والذين عاثوا فيها فسادا قبل انهزامهم وهروبهم إلى لبنان؟ أم إن سوريا واليمن ليست من “الأشقاء” العرب الذين يتشدق رئيس حكومتنا ليل نهار بالحفاظ على أحسن العلاقات معهم؟ وكأن العرب أصبحوا حصرا إمارات وممالك الخليج المطبعين فرادى وجمعا مع إسرائيل!
ليس خفيا أن لبنان يعاني منذ تشرين الثاني 2019 من اخطار وجودية جمة ولكن هذا لم يحفّز دول “الحضن العربي” على القيام بأي خطوة مهما كانت ضئيلة الشأن لمساعدته على تجاوز أزماته. بل على العكس فقد قامت مملكة آل سعود بخطف الحريري وإهانته وإجباره على الإستقالة ثم قامت بتصفية شركاته وممتلكاته. ثم لم تهنئ الممملكة ميقاتي لدى تسميته رئيسا أو لدى تشكيله للحكومة ولم يزره سفيرها كما هو المعروف بروتوكوليا. أما الرئيس ميقاتي فهو مازال حتى الآن ما يستجدي زيارة المملكة وإن بشكل مقنع عبر طلب السماح له بالعمرة، ولكن من دون جدوى! وفيما يبدو أنه لا نهاية لمسلسل التنازلات والإرتهان تجاه ممالك وإمارات البترودولار من قبل ميقاتي وحلفائه من نادي “السياديين”، إلا أن محاولته تغيير وجه بيروت العروبي ومحو تاريخ احتضانها للحركات الثورية والمناهضة للتطبيع لا يجب أن يمر مرور الكرام. وستبقى بيروت رغم المآسي عاصمة النشر والحريات السياسية والرأي الحر ومقارعة التطبيع مهما تقزّمَ ميقاتي ومهما كثر المنبطحين حوله.
*كاتب لبناني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر