الخميس , يناير 29 2026
الرئيسية / اراء / اليمن خلال العام 2022

اليمن خلال العام 2022

محمد مصطفى العمراني
سألني أحد الزملاء عن توقعاتي لأحداث العام الجديد 2022م في اليمن بناء على مسار الأحداث في العام الماضي 2021م ، لم أخبره برأيي ، ليس لأنني فقدت القدرة على التحليل السياسي ، ولكن لعدم رغبتي في الحديث عما له صلة بالشأن السياسي في اليمن ، رغم أن أحداث هذا العام هي امتداد للعام الماضي.
المشهد اليمني اليوم شديد التعقيد ومحبط للغاية ، يرهق للذهن ويتلف أعصاب أي متابع عادي ناهيك عن محلل سياسي لديه المعلومات ويدرك أبعاد وتداعيات ما يحدث ، فاليمن تمر بمرحلة خطيرة من التدمير الممنهج والتسليم المرحلي للمليشيا في الجنوب بعد الشمال.
تحولت ما تسمى بالشرعية إلى أداة لتدمير اليمن وقفازة متسخة للتحالف كلما أراد أن يمضي خطوة جديدة في تدمير اليمن ، يمسك بتلك القفازة المتسخة المسماة بالشرعية ويدلق بقذارته على وجوه اليمنيين ويفتح عليهم بوابات الخراب.
لقد اختلطت الأوراق وصارت الحرب بلا نهاية تلوح في الأفق.
وإذا كان الجميع يتساءلون : إلى أين سيصل الحال باليمن واليمنيين؟
فالحقيقة أنه لا أحد يمتلك إجابة دقيقة ، ولا يوجد طرف يمني لديه رؤية مقنعة أو يمتلك قراره على الأقل ، بعد أن صار استمرار الحرب أو توقفها رهنا بتحقيق مصالح الدول الكبرى في المنطقة ، وما الدول الإقليمية الفاعلة في الملف اليمني ( السعودية والإمارات خصوصا ) والأمم المتحدة إلا أدوات تنفذ رؤية الدول الكبرى التي ترى في تفتيت اليمن وإغراقه بالمليشيا والحروب وتدميره بشكل ممنهج سياسة ناجحة تخدم مصالحها وأجندتها في المنطقة .
تحولت اليمن منذ سنوات إلى مسرح للصراع الإقليمي والدولي الممنهج ، وتحولت دول التحالف من التدخل العسكري تحت لافتة ” دعم الشرعية واناء الانقلاب ” وترجيح كفة طرف يمني على آخر إلى إدارة الصراع بين الأطراف اليمنية على الأرض دون أن يخرج عن مساره أو يتوقف ، ولذا ففي الحالة الراهنة لا توجد ممارسة سياسة في اليمن ، ولا توجد رؤية مستقبلية دقيقة لما سيحدث .
في اليمن اليوم يوجد تدمير ممنهج لما بقي من مقدرات ومقومات اليمن كدولة موحدة ، في الصعيد المحلي تمارس الأدوات بتوجيهات خارجية ما يمكن تسميته باللهجة المحلية ” مرفالة ” و” معراصة ” إضافة إلى بيع وشراء الذمم والولاءات ، والقيام بالخيانات حتى في الجبهات صارت الحرب أشبه بتمثيل سينمائي ، هجوم منسق ، وانسحاب متفق عليه ، وبأقل الخسائر ، كما يحدث في شبوة.
ربما ما تزال جبهة مارب هي الجبهة الوحيدة التي فيها حرب حقيقية لرغبة الحوثيين في السيطرة عليها نظرا لأهميتها وللصمود الكبير من قبل الجيش وأبناء القبائل في مارب ، وذلك لأن كل طرف يدرك التبعات الكارثية لهزيمته في هذه المعركة المصيرية.
️ ماذا عن إيران وحساباتها في اليمن ؟
ايران ايضا ترى في اليمن ساحة نفوذ لها وترى في حلفائها الحوثيين ومكاسبهم على الأرض ورقة رابحة تضغط بها للحصول على تنازلات ومكاسب في مفاوضات الاتفاق النووي مع الدول الكبرى والولايات المتحدة على وجه الخصوص ، إضافة إلى كون حلفائها في اليمن ورقة رابحة في حوارها الحذر مع السعودية ، ولذا فإن السياسة الإيرانية في اليمن ستعمل على استمرار الحرب حتى السيطرة على مارب أو الحصول على مكاسب كبيرة لها على الصعيد الدولي والاقليمي ، إضافة إلى الحفاظ على مكاسب حلفائها في اليمن.
لقد شكل رحيل السفير الإيراني لدى الحوثيين في صنعاء حسن أيرلو مؤخرا ضربة للنفوذ الإيراني في اليمن ولكن ايران لن تغير سياستها في اليمن بسبب ما حدث للسفير رغم أهميته كقائد في الحرس الثوري الإيراني وتأثيره على الحوثيين ولكنها من المرجح ستعين بديلا له ولو لم يصل صنعاء على المدى القريب ، إذ لن يتوقف التنسيق بين إيران وحلفائها بمجرد رحيل السفير فالتحالف بين ايران والحوثيين يتجاوز الأشخاص ويتخذ الشكل المؤسسي الاستراتيجي.
الحوثيون سيظلون القوى الوحيدة في الشمال لعدم وجود أي قوة تنازعهم ولرغبة الدول الكبرى والإقليمية ببقاء جماعة الحوثي قوية ومسيطرة على الأوضاع وبإيجاد شعبية وقبول للحوثيين في الشمال والحفاظ على سلطتهم على الأقل على المدى القريب والمتوسط ، كما أن الحال في الشمال في ظل السيطرة الحوثية سيظل مقارنة بالجنوب أفضل بكثير من الناحية الأمنية والاقتصادية نظرا للقبضة القوية للسلطة الحوثية على الوضع في الشمال حيث تتسم بقوة وحزم يفتقر لها الانتقالي.
️ تواصل الدعم الدولي للحوثيين
برأي الكثير من المتابعين فإن الدول الكبرى مثلما ستواصل دعمها للانتقالي فإنها ستواصل دعمها للحوثيين ليس لأنهم طرف يمني يسيطر على الأرض أو حبا فيهم أو لكون الجماعة تحافظ على مصالح الدول الكبرى وأدواتها في المنطقة فحسب بل لأن بقاء هذه الجماعة في السلطة في الشمال هو أكبر عامل لإطالة أمد الصراع على المدى القريب والمتوسط.
الحوثيون جماعة تمثل أقلية في المجتمع اليمني ، هي أقلية حتى في شمال الشمال ، وتمكينها من السلطة جاء في إطار رعاية وتمكين الأقليات في الدول العربية كون هذه الأقليات هي عامل عدم استقرار وتوتر وصراع طويل الأمد في هذه المجتمعات ، وذلك لأن الأكثرية المجتمعية لديها ممانعة ومقاومة لحكم هذه الأقلية التي تمثل بشكل أو بآخر استهدافا لثقافة وعقيدة مصالح الأكثرية اليمنية ، وبناء عليه فإن هذا التمكين ـ برأي المتابعين ـ سيضمن للدول الكبرى اطالة أمد الصراع في هذه المجتمعات ولو على المدى القريب والمتوسط وهو ما سيخلق فرص ومصالح كبيرة لهذه الدول .
الحوثيون ـ برأي الكثير من المراقبين ـ لا يمثلون أية تهديد لمصالح الدول الكبرى أو حتى لإسرائيل أو حتى للإمارات أو لمصر مهما قال التحالف أن جماعة الحوثي تشكل تهديدا للملاحة الدولية فلم يسبق للجماعة أن اعترضت سفن أو ناقلات باستثناء سفن سعودية في إطار الحرب معها ، وإذا كان الحوثيون يشكلون ما يمكن تسميته بـ ” التهديد الاستراتيجي ” فهذا التهديد سيكون ضد السعودية في حال تمكنهم واستمرار قوتهم والسعودية تدرك ذلك لكنها لا تمتلك قرارها ولا تستطيع حتى العمل على تحجيم نفوذ الحوثيين أو اضعاف قوتهم كونها مجرد أداة للدول الكبرى ولا تستطيع التمرد على توجيهاتها ولذا فهي تعمل ضد مصالحها الاستراتيجية كدولة وظيفية لا تمتلك قرارها .
️ تلاشي الشرعية وعجز القوى السياسية
ما تسمى بالشرعية ستظل مجرد دمية بأيدي التحالف السعودي الإماراتي والذي يسعى بكل السبل والوسائل لتدمير اليمن وتسليمه للمليشيا في الشمال والجنوب ومحو ما تبقى من يمن الجمهورية اليمنية .
ومن المؤكد أن الشرعية سيتقلص نفوذها في اليمن إلى أبعد مما نتصور ، وربما ينحصر ببعض المناطق والمدن مثل تعز ومارب التي ستظل تقاوم الحوثيين ، بينما ستحتفظ قوات طارق صالح بسيطرتها على مدينة المخا الساحلية بتعز وما جاورها وستكثف تنسيقها مع الانتقالي بعيدا عن الشرعية التي ستواصل عملها كأداة قذرة للتحالف وكغطاء لممارساته التخريبية ، كما سيواصل التحالف سياساته التدميرية في اليمن ورعايته للمليشيا ودعمها والسعي لاستكمال عملية تسليم الشمال كاملا للحوثيين والجنوب كاملا للانتقالي ، ومن المؤكد بأنه قد قطع شوطا كبيرا في هذا الطريق .
الشرعية ستتلاشى تماما في حال نجاح سيطرة مليشيا الانتقالي على حضرموت والمهرة وستتحول شخصياتها إلى مجرد لاجئين في السعودية ومصر وغيرها .
وإذا كانت القوى السياسية عاجزة ، خائرة القوى ، لا تملتك رؤية لأبعاد ما يحدث ناهيك عن ان تمتلك رؤية مستقبلية دقيقة أو حتى مقاربات ، لا تملتك مركز دراسات واحد ، ولا تستطيع على المدى القريب تجاوز مأزق الشرعية وهيمنة التحالف رغم إدراكها أن هذه الشرعية صارت أداة لتدمير اليمن وتحطيم آمال أبناء اليمن وأن التحالف يعمل ليل نهار على تدمير اليمن .
على المدى القريب ستعجز القوى السياسية عن ايجاد أية خيارات بديلة لما يسمى بالشرعية أو حتى الاحتجاج عليها واتخاذ موقف منها ، أو حتى قيادة الشارع والدفع به لإفراز قيادات يمنية لها شرعية شعبية وقادرة على قيادة المرحلة ما لم تطلق حالة الارتهان والتشتت الذي تعيشه وتعود إلى الوطن وتتخذ موقف وطني مما يجري وتقود الجماهير في الشارع وهذا يبدو أنه لن يتحقق على المدى القريب وخاصة أن حزب الإصلاح أكبر أحزاب الشرعية هو الخاسر الأكبر مما يحدث ويفقد نفوذه في الجنوب بعد أن فقد نفوذه وحضوره الفاعل في الشمال ويخضع لحالة من إرهاب التحالف وابتزازه .
شارع منهك ونخبة غير فاعلة
وكذلك الشارع اليمني يبدو منهكا يبحث فيه المواطن العادي عن قوت يومه وحاجاته الأساسية وكأنه غير معني بما يحدث ، وحتى التظاهرات التي حدثت مؤخرا في تعز أو عدن وغيرها فإن المحرك الأساسي لها هو الهم المعيشي والمطالب الاقتصادية ، بينما لم تخرج مظاهرة واحدة رفضا لما يحدث لليمن من تفتيت وتدمير ممنهج ، باستثناء ما حدث في شبوة قبيل إقالة الإمارات لمحافظ شبوة النزيه والناجح محمد بن عديو ، فتلك المظاهرة هي الوحيدة في تاريخ اليمن التي خرجت للمطالبة ببقاء مسؤول في منصبه .!
وإذا كان هذا هو حال القوى السياسية والمنظمة وحال الشارع اليمني فإن النخبة اليمنية هي الأخرى ستدخل في مرحلة أكبر من التيه وانعدام الفاعلية والانكفاء على الذات والتشرد والانقسام والتبعية المكشوفة للقوى السياسية العاجزة الفاشلة وللجهات الخارجية وأدواتها المسلحة في الداخل .
️ أنظار الإمارات على حضرموت والمهرة
بعد تسليم شبوة للإمارات وأدواتها ستتجه أنظار الإمارات وأدواتها في الداخل إلى السيطرة على حضرموت والمهرة وبعد نجاح الامارات في مهمتها التي لن تكون سهلة بالتأكيد سيقوم الانتقالي بإعلان الانفصال رسميا وطرد أبناء المحافظات الشمالية وهذا السياسة المناطقية الفاشلة هي كل ما يملكه الانتقالي في الواقع ، ولعل تصريحات الانتقالي في المهرة مؤخرا مجرد مقدمة لما سيحدث ، وبعدها سيغرق الجنوب في دوامة عارمة من الفوضى والعنف والاغتيالات وسيغدو مسرحا للعصابات وعنوانا للفشل في كل المجالات ، ولعل ما يحدث في عدن والمناطق التي تسيطر عليها مليشيا الانتقالي من عنف وفوضى وفشل هو بروفة لما يراد للجنوب كاملا الوصول إليه إضافة إلى الارتهان للخارج بما يمثله هذا الارتهان من انتفاء السيادة الوطنية وضياع المصالح القومية .
ورغم فشل الانتقالي في الجنوب ستعمل الإمارات والسعودية على تمكينه من بقية محافظات الجنوب وصولا لإعلانه الانفصال وهذا قد لا يتحقق هذا العام إلا اذا تمكن من السيطرة على حضرموت والمهرة ، ولكن الانتقالي بعد ذلك سيغرق في دوامة الفشل وستجنح محافظات الجنوب إلى التفكك وستظهر السلطنات والمشيخات والكنتونات وستتنامى الصراعات القبلية والأسرية وذلك لأن عقلية قيادات الانتقالي المناطقية الانتهازية التي تجسد التفكير القروي الفاشل والذي يفتقر لأي رؤية استراتيجية للواقع والمستقبل ، كما يفتقر للإدارة الناجحة والكفاءات التي تدير المرحلة ولذا سيفقد الانتقالي شعبيته في الجنوب وسيظهر تيار قوي الشارع الجنوبي ضد فساد الانتقالي وفشله ، سيقوم الانتقالي بمواجهة هذا التيار الذي سيبدأ بلافتات حقوقية بالقمع الشديد وهو ما سيفاقم الثورة ضده .
على الجانب الاقتصادي قد يشهد الوضع بعض التحسن في الجنوب لرغبة السعودية والامارات بتهدئة الوضع في الجانب الاقتصادي حتى يتسنى لها تمكين الانتقالي من السيطرة على حضرموت والمهرة وعدم خلق عراقيل شعبية تحول دون انجاز هذه المهمة .
الخلاصة : خلال هذا العام 2022 ستواصل الإمارات والسعودية ومن خلفهم الدول الكبرى سياستها التخريبية في اليمن وستواصل الشرعية انحدارها وصولا للتلاشي التام في حال سيطرة الانتقالي على حضرموت والمهرة ، وستظل جماعة الحوثي القوة الوحيدة في الشمال ، بينما ستظل مارب وتعز تقاومان الحوثيين ، وسيحتفظ طارق صالح بالمخا وما جاورها ، وسيظل الجنوب مسرحا للفوضى والعنف والاغتيالات والفشل ، سيظل هذا هو الحال حتى تعيد القوى السياسية اليمنية حساباتها وتعود للوطن وتغير سياساتها وخياراتها وتقود الشارع بكل قوة ضد التحالف وأدواته وأولهم ما تمسى بـ ” الشرعية ” .
عن صحيفة رأي اليوم

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

التدرّج اليمني في مسار المواجهة!

محمد محسن الجوهري* تُقدَّم المواجهة المقبلة بين اليمن والكيان الصهيوني بوصفها محطة فاصلة في مسار …