الجمعة , مارس 20 2026
الرئيسية / اراء / مصير أوكرانيا يحدد نتيجة مفاوضات فيينا

مصير أوكرانيا يحدد نتيجة مفاوضات فيينا

صالح القزويني*
هل من دواعي الصدفة أن يعود كبير المفاوضين الايرانيين علي باقري من فيينا الى طهران عشية العملية العسكرية التي نفذتها روسيا في أوكرانيا؟
فما كادت قدما باقري تطئان طهران حتى أعلنت موسكو بعد ساعات عن تنفيذ عمليتها العسكرية في أوكرانيا، وقد يستغرب القارئ الكريم محاولتي الربط بين ملفي النووي الايراني وأوكرانيا، ومن حقه أن يستغرب من ذلك، فليست هناك أية علاقة بين الملفين، وبغض النظر عن أن جوهر الخلاف بين روسيا وأوكرانيا يعود الى أن موسكو لا تطيق وجود حكومة كييف؛ فقد كانت الذريعة التي فجرت الخلاف هي انضمام اوكرانيا للناتو مما يمهد السماح لقوات الحلف المجيء الى هذا البلد وبناء قواعد فيه الأمر الذي ترفضه موسكو جملة وتفصيلا، ثم أن كييف قدمت ذريعة أخرى لموسكو بقصفها منطقتي دونيتسك ولوغانسك اللتان أعلنتا استقلالهما عن أوكرانيا.
نعم، قبل اندلاع الأزمة بين روسيا وأوكرانيا وتصاعدها الى الحرب بين البلدين، لم تكن هناك علاقة من قريب أو بعيد بين ملفي أوكرانيا والنووي الايراني، ولكن من الآن فصاعدا ستكون هناك علاقة وثيقة بينهما، خاصة اذا استمرت هذه الأزمة لفترة طويلة ولم تحسم.
ولتوضيح العلاقة بين الملفين، ينبغي القول، أن روسيا أحد اللاعبين الاساسيين في مفاوضات الملف النووي الايراني في فيينا، بل هناك تنسيق على أعلى المستويات بين طهران وموسكو في هذا الصدد، ولا أبالغ اذا قلت ان طهران لا تتخذ أية خطوة مهمة وكبيرة فيما يتعلق بهذا الملف، سواء خطوات تطوير برنامجها النووي، أو خطوات التفاوض مع الغرب بشأن الملف من دون التنسيق مع موسكو، ولم يرغم أحد طهران على التنسيق مع موسكو، بل أنها تصر على هذا التنسيق لتضمن الدعم الروسي المستمر لها، خاصة فيما يتعلق بمجلس الأمن الدولي وما اذا كان الغرب يحاول نقل الملف الايراني الى مجلس الأمن، عندها ستنبري موسكو وتستخدم حق النقض الفيتو لعرقلة أي قرار ضد ايران.
وهنا تجدر الاشارة الى أن الدور الروسي في الملف النووي الايراني لا يحظى باجماع سياسي في ايران، فليست جميع القوى والأحزاب السياسية الايرانية توافق على الدور الروسي في الملف بل طالما سمعنا انتقادات لاذعة من قبل شخصيات اصلاحية لهذا الدور ودعوات الى تهميشه، بل هناك من يعتقد أن موسكو تتعمد ابقاء العلاقة متوترة بين ايران والغرب لتضمن بقاء طهران الى جانبها وحليفة لها.
وسواء رغب بعض الايرانيين بهذه العلاقة وهذا الدور أو لم يرغبوا فان القيادة الايرانية وخاصة المجلس الأعلى للأمن القومي الايراني ارتأى أن يكون التنسيق وثيق مع روسيا في الملف النووي، ومن المؤكد أن أية تسوية لهذا الملف تنتهي لصالح ايران؛ فانها تعد مكسبا سياسيا ودبلوماسيا كبيرا لروسيا، وهنا تبرز العلاقة بين الملفين الأوكراني والايراني، وتتبلور هذه العلاقة وتتجلى أكثر اذا استمرت الأزمة الأوكرانية لفترة طويلة، ولم تنجح موسكو في حسمها لصالحها.
الغرب يرفض جملة وتفصيلا تغيير الوضع السياسي في أوكرانيا، فحتى لو رضي بتغيير الحكومة الأوكرانية كحل وسط، فانه سيرفض مجيء حكومة ليست موالية له، وسيصر على ذلك، وبما أنه من المستبعد أن يتدخل عسكريا لتسوية الأزمة الأوكرانية، فانه سيلجأ للخيارات الاقتصادية والدبلوماسية والسياسية للضغط على موسكو لثنيها عن موقفها من كييف، واذا كان الغرب في صدد محاصرة روسيا سياسيا واقتصاديا ودبلوماسيا فهل من المعقول أن يمنحها مكسبا دبلوماسيا، ألا هو تسوية الملف النووي الايراني؟
طبعا هذا لا يعني أن الأمور كلها مؤاتية للغرب ليتخذ قرارا مهما بهذه الاريحية والسهولة، بل هناك تحدي آخر بهذا الخصوص وهو الموقف الايراني، الى جانب الموقف الروسي الذي لن يقف مكتوف الأيدي امام الضغوط الغربية، فالموقف الايراني يعد ايضا تحديا كبيرا للغرب، الذي يعلم جيدا ان ابقاء العقوبات على ايران وعدم حسم ملفها النووي سوف يضطرها الى الاصطفاف الى جانب روسيا، الأمر الذي يجذر منه الغرب.
هذا السيناريو المتوقع لمفاوضات فيينا يتوقف ظهوره على مصير الأزمة الأوكرانية، فاذا بقيت الأزمة دون حل لفترة طويلة فان السيناريو سيظهر بشكل بارز، خاصة اذا أصر الغرب على الربط بين الملفين، واصرت موسكو على تسوية الأزمة حسب ما تريده، ولكن اذا انتهت الأزمة سريعا خاصة باتفاق بين الغرب وروسيا فمن المتوقع أن نشهد تسوية أخرى للملف النووي الايراني.
طبعا هناك تصورات لمصير الأزمة الأوكرانية، منها، أن تقوم روسيا باسقاط الحكومة الأوكرانية وتشكيل حكومة موالية لها والجميع يعترف بها ويتعاون معها، أو أن تتراجع الحكومة الأوكرانية عن مواقفها وتقدم لموسكو التعهدات التي تطالب بها خاصة فيما يتعلق بالانضمام لحلف الناتو، أو أن تتراجع موسكو عن موقفها وترضى بالأمر الواقع فلا تتغير الحكومة الأوكرانية ولا تتغير سياستها وولائها، أو أن يتراجع الغرب عن مواقفه وسياساته ويرضى بتسوية شاملة مع روسيا، وكل تصور من هذه التصورات يتضمن العوامل التي تقويه أو تضعفه، ولاشك أن كل طرف من الأطراف الثلاثة (الروسي، الاوكراني، الغربي) يريد أن يخرج منتصرا من هذه الأزمة، غير انه لو لم يكن يمتلك أوراق قوية للانتصار فانه سيرغم على القبول بالأمر الواقع.
*باحث في الشأن الايراني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حق الدفاع الشرعى!

د. عبدالله الأشعل* قامت الطائرات الحربية الإسرائيلية خلال الأسبوع الأول من ابريل 2024 بتدمير القنصلية …