د/سوسن العساف*
في لحظة خاطفة من الزمن تبخر الحديث الدولي عن التغييرات المناخية والاحتباس الحراري وتلوثات البيئة، (والذي قيل انه سيقضي على الكوكب تدريجياً)، ومعه كل المؤتمرات التي عقدت برعاية الامم المتحدة والدول الكبرى لمناقشة الإجراءات (السريعة) التي يجب إتخاذها بجدية وفاعلية للتعامل مع مخاطر نهاية العالم. كما لم نعد نسمع إلا النزر اليسير من الأخبار عن جائحة كورونا ومتحوراتها التي لم تفرق بين الدول الكبرى والصغرى واصبح العالم يكافح من اجل الوجود أمام عدو واحد، وعاشت البشرية السنتين السابقتين في رعب من إنتشار هذا الفايروس المخيف وفي البحث عن طرق مواجهته، واُجبِروا على تلقي لقاحات وبأنواع مختلفة حتى من دون معرفة اثارها الجانبية.
كل هذه التهديدات المصيرية والمخاوف، والتي صاحبتها أزمات سياسية دولية متفرقة بالنيابة او بالمواجهة المباشرة، إلا أنه لم يكن أحد يتوقع ان تتصاعد حدتها الى مستوى التهديد بإندلاع حرب عالمية ثالثة، صحيح أن إحتمالية وقوعها مستحيلة حتى وإن كانت مقوماتها العسكرية ظاهرة للعيان، إلا أنها من المؤكد ستكون اقتصادية بمستويات وآثار اجتماعية خطيرة، والأخطر أن تصبح ركيزتها الأساسية الفواعل الدولية من غير صفة الدولة، وقد تكون الحرب الروسية الاوكرانية مفتاحها واقعياً. فرد الفعل الاولي على الغزو الروسي لأوكرانيا كان قيام دول الناتو، وعلى رأسها الولايات المتحدة بإتخاذ قرارات بدأت بإستنكار الإجتياح ورفضه، ولكنها أعلنت صراحة عن عدم إرسال جندي واحد للمشاركة مع عدم قبول فكرة فرض منطقة حظر جوي فوق أوكرانيا تجنباً للمواجهة المباشرة. على الجانب الآخر، تم الإعلان عن تزويد أوكرانيا بأسلحة (دفاعية فتاكة) من اجل إذكاء جذوة القتال فيها، مع إستخدام كل الوسائل الإعلامية والتحريض السياسي ضد الحرب.
إلا أن كل هذه الإجراءات لم تؤثر على سير المعارك، او توقف تقدم القوات الروسية التي نجحت في محاصرة العديد من المدن الكبرى، من ضمنها كييف. ثم جاء الردع بالعقاب عبر فرض عقوبات إقتصادية صارمة على روسيا من اجل عزلها سياسياً وردعها عسكرياً. ولقد ثبت ان تأثير هذه العقوبات كان شاملاً وواسعاً، ولن تنجو من اثارها الدول التي فرضتها، لا بل وربما ستسرع، حسب توقعات بعض الاقتصاديين، في انشاء تكتل غير غربي تهيمن عليه روسيا والصين والدول المتحالفة معهما يعيد توجية الاقتصاد العالمي وينهي هيمنة الدولار في التعاملات الدولية، خصوصاً وان هناك دول نفطية وقفت بالضد وأخرى بالحياد من قرار العقوبات. هذا مع الانتباه الى أن الأزمات الاقتصادية قد تكون أكبر واعنف في الغرب إذا ما لجأت روسيا من طرفها الى فرض عقوبات على اوربا التي تستورد 40% وربع حاجتها من الغاز والنفط عبر روسيا. هذه الحقيقة تسببت في اعادة الحسابات الاوربية وفق مصالحها الاستراتيجية ورفضت الإستجابة الكاملة لمقاطعة النفط والغاز الروسيين، بعد ان ايقنت اغلبها أن الولايات المتحدة تحاول ان تحقق إنتصار سياسي عالمي على حساب اوربا.
وفي الوقت الذي يعتقد فيه الكثير من المراقبين الاستراتيجيين أن العقوبات مهما كانت شدتها سوف لن تؤدي الى تهديد خطير للسلم والأمن الدوليين، لأن أي حل سلمي للمشكلة ممكن أن يؤدي الى رفع العقوبات او تخفيفها، إلا أن هؤلاء المراقبين يشعرون بأن الخطر الأكبر يتمثل في تفكير، بل ولجوء الاطراف المتحاربة، الى إستراتيجية الإعتماد على حرب العصابات وتكتيكاتها المبنية على سحب القتال والمواجهة الى داخل المدن، وذلك لردم الهوة بين تسليح الطرفين (الجيش والمقاومة)، ومن خلال إعتماد فن المباغته في القتال الذي يُكسب الطرف الضعيف إمكانية التصدي العالي حتى إستنزاف القدرات العسكرية-البشرية معنوياً وتسليحياً للجيش التقليدي.
وفق نهج المواجهة هذا تحاول الولايات المتحدة ودول اوربا الغربية إيقاف حملة بوتين العسكرية، وذلك من خلال إدامة هذه الحرب بتكتيكات-استراتيجية مختلفة، لعل أهمها التعويل على إستنزاف روسيا عن طريق إغراق أوكرانيا بالمرتزقة، سواء كانوا شركات عسكرية خاصة تساند القوات المسلحة الرسمية او متطوعين مدفوعي الثمن، لدعم المقاومة. خطورة هذه الخطة أنها ستؤدي حتما الى إنتشار وتفريخ المنظمات الأرهابية المنتشرة في الشرق الأوسط وأفريقيا وأسيا وحتى اوربا نفسها، وستعود الى الواجهة مرة أخرى أحداث الغزو السوفيتي لافغانستان وظهور تنظيم القاعدة في القرن الماضي، والإحتلال الامريكي لإفغانستان والعراق والتدخل في ليبيا وسوريا وظهور جماعات داعش الارهابية.
ومما يزيد هذه المخاوف والقلق جملة من التطورات تصب في هذا الشأن مثل: اولاً اعلان بعض الدول حتى قبل الإجتياح الروسي، انها كانت قد دربت اعدادا كبيرة من الاوكرانيين للقيام بحرب عصابات، ثانياً فتح باب التطوع بعد الغزو في دول اوربية متعددة لكل من يرغب في حمل السلاح والذهاب الى اوكرانيا، هذه الحالة التي سبق لبعض الدول الاوربية (خاصة بريطانيا وفرنسا) أن إعتبرتها اعمالا ارهابية واتخذت اجراءات صارمة وصلت الى حد سحب الجنسية من الاشخاص الذين فعلوا ذلك في سوريا، وثالثاً هروب عدد من الجنود البريطانيين وهم في اثناء خدمتهم او عند تمتعهم بإجازة والذهاب الى اوربا الشرقية من اجل المشاركة في هذه الحرب من دون علم قادتهم، رابعاً تصريح وزير الدفاع الروسي بأن 16.000 مقاتل من الشرق الاوسط مستعدين (وتم السماح لهم) للمشاركة بجانب الجيش الروسي، واخيراً جاء الاعلان عن قبول انضمام المرتزقة (من كل الدول) وبرواتب عالية جداً وصلت الى 2000 دولار في اليوم الواحد اي 60.000 دولار شهريا،ً لكل راغب تتوفر فيه شروط الخبرة العسكرية والتدريب على السلاح، للالتحاق بالحرب في اوكرانيا (حسب جريدة التايمز البريطانية). في نفس الوقت، وحسب مسؤول امريكي، تخطط روسيا لنشر1000 مرتزق في المستقبل القريب لمساعدة القوات الروسية النظامية المتعثرة في بعض المناطق التي تشهد مقاومة اوكرانية مدعومة بمرتزقة. من ناحيتها أعلنت روسيا ان المرتزقة الاجانب الذين يدخلون اوكرانيا لقتال القوات الروسية لن يكون لهم الحق في معاملة الاسير حسب اتفاقية جنيف الثالثة.
وهنا يجب التذكير أن كلاً من الولايات المتحدة وروسيا إعتمدا على مرتزقة مقاتلي الشركات الأمنية العسكرية الخاصة من اجل تسيير مخططاتهما الاستراتيجية في الحروب التي تكتنفها بعض المعوقات غير المحسوبة. إن خطورة ادخال المرتزقة الى الحرب يعني ان الحرب ستنتقل الى حالة لا يمكن فيها محاسبة من يقترف جرائم القتل والابادة وفق القانون الدولي الانساني، وذلك لان هذه الشركات هي ليست دول ولا تتمتع بأية شخصية قانونية، وبالتالي لا يمكن ملاحقتها قانونيا. من ناحية اخرى فان مثل هذه (الحصانة غير المباشرة) ستشجع مرتزقة ومنتسبي هذا الشركات على اقتراف كل انواع القتل والتعذيب بدم بارد، بدليل ان الولايات المتحدة وبريطانيا واسرائيل تنصلوا جميعا من جرائم الشركات التي استأجروها وارسلوها الى العراق وافغانستان وسوريا وليبيا وغيرهم، بدعوى انهم لا يمثلون رسمياً الدول التي ارسلتهم.
هناك عدد من التقارير الدولية تؤكد ان شركة (WAGNER فاغنر) الروسية دخلت مع القوات النظامية منذ البداية مثلما تواجدت قبل ذلك في شرق اوكرانيا وشبة جزيرة القرم، ويتواجد حالياً منها 400 مقاتل. وتذكر مصادر اخرى ان الولايات تحاول الإستعانة بشركات عسكرية خاصة، كما فعلت في حرب العراق وأفغانستان وغيرهم من الدول، عندما أستخدموا (Blackwater بلاك ووتر) الامريكية الشرسة (التي غيرت من إسمها الى أكاديمي بعد الحوادث الاجرامية التي تسببتها في العراق). علما بأن مؤسس شركة بلاك ووتر كان قد زار أوكرانيا قبل الاجتياح بفترة قصيرة لتوظيف محاربين اوكرانيين قدامى في شركة عسكرية خاصة، وبالتاكيد ستكون هذه الحرب الفرصة المناسبة لتحقيق ذلك. وعليه فأن كل الدلائل تشير الى أن الطرفين الأمريكي والأوربي مصممان على جر روسيا الى مواجهة عسكرية طويلة في أوكرانيا، وأن روسيا تريد أن تنهيها بأسرع وقت، الولايات المتحدة تعتقد أن العقوبات الصارمة ستجبر الرئيس بوتين، (الذي ازداد شعبيتة بنسبة 70%)، على التراجع. بينما يؤكد الأخير على وضع حسابات دقيقة لكل شيء قبل إتخاذه قرار الغزو.
الولايات المتحدة تعتقد أن أوكرانيا ستكون مستنقعا لروسيا لن تخرج منه بسلام، وروسيا تقول أنها ستنجح في النهاية في إبعاد خطر إنتشار قواعد وتواجد الناتو من حولها. هي ستراتيجية العض على الأصابع في إنتظار من يصرخ أولا، لكن الأمر شبه المؤكد أن الأصرار على زج المرتزقة في هذه الحرب هو ليس في صالح أوربا قبل أن يكون مضر لروسيا. فهل ستتدخل الامم المتحدة لتمنع حروب المرتزقة الجدد وفق مبادئها واهدافها وقوانينها؟ ام ان النظام الدولي يسيير بمبادئ وقوانين القوى الكبرى الانسانية الخاصة؟؟؟
*أكاديمية وكاتبة عراقية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر