د. مصطفى التل*
بينما ينشغل عشرات المحللين والخبراء في القنوات والمراكز البحثية بسؤال واحد يبدو وكأنه أصبح عقدة نفسية جماعية، يتساءلون بصيغ مختلفة : “هل تخرج الانتخابات حماس من مأزقها؟”، “كيف تعيد حماس بناء نفسها بعد الحرب؟”، “مَن سيقود الحركة في المرحلة القادمة؟”، تنشر وسائل إعلام محايدة تقريراً مالياً صادماً يستند إلى أرقام بنك إسرائيل الرسمية ووزارة دفاعه.
ففي السابع من أبريل 2026 كشفت التقديرات أن كلفة الحروب الإسرائيلية المتتالية منذ السابع من أكتوبر 2023 قد تجاوزت 112 مليار دولار، منها 57 ملياراً كخسائر اقتصادية غير مباشرة خلال عامي 2024 و2025 فقط.
وخلال 38 يوماً من الحرب على إيران، أنفقت إسرائيل وحدها 15 مليار دولار، فيما طلبت وزارة دفاعها 12 ملياراً إضافية لتغطية النفقات العسكرية.
هذه الأرقام ليست “تحليلً رأي” صادر عن جهة عربية أوإسلامية او فلسطينية قد يُتهم أصحابها بالانحياز, هذه تقديرات البنك المركزي الإسرائيلي نفسه وصحيفة “كالكاليست” الاقتصادية العبرية وهيئة الابتكار الإسرائيلية.
إنها حقيقة مؤلمة للكيان المحتل لكنها حقيقة تُروى وتُوثّق، بينما يختار معظم المحللين إدارة ظهورهم عنها والتركيز بدلاً من ذلك على “مأزق حماس” الوجودي المزعوم.
لنكن صريحين : لماذا هذا الهوس بالتركيز على المقاومة وكأنها هي الطرف الوحيد الذي يواجه أزمة وجودية؟! , لماذا لا نرى عناوين مماثلة تسأل: “هل يتحمل الاقتصاد الإسرائيلي حرباً ثالثة؟”، أو “كم تبقى للاحتلال قبل أن يعلن إفلاسه الاستراتيجي؟”, الجواب بسيط ومزعج في آنٍ واحد: التركيز على “مأزق حماس” أصبح مهنة رابحة وتجارة لا تخسر.
القارئ العربي المشحون عاطفياً بما يراه من دمار يومي في غزة يريد أن يعرف: هل ستصمد المقاومة التي يمثلها؟! , هذا السؤال يولد قلقاً وتشويقاً وهما وقود الإعلام الحديث.
أما تحليل الأزمة الإسرائيلية الداخلية رغم أنها أخطر بكثير على المدى البعيد، فيبدو “بارداً” ولا يجلب المتابعات والشهرة.
لكن الحقيقة التي تتجاهلها هذه التحليلات هي أن إسرائيل تعيش مأزقاً وجودياً حقيقياً على مستويات متعددة، وهذه ليست مجرد آراء بل أرقام.
اقتصادياً : كل أسرة إسرائيلية باتت تتحمل نحو 33 ألف دولار من أعباء الحروب المتتالية منذ عام 2024.
قطاع التكنولوجيا المتقدمة الذي يُعد العمود الفقري للاقتصاد الإسرائيلي ينهار بصمت، حيث تعاني 87% من شركاته من تأخيرات في تطوير المنتجات، وتواجه 71% صعوبات في جمع رأس المال، فيما اضطرت 10% منها إلى منح موظفيها إجازات بدون راتب.
هذه أرقام مدمرة لأي اقتصاد لكنها تُمرر كأنها “تفاصيل ثانوية” بينما يجلس الخبراء لتحليل مأزق حركة مقاومة تحت الحصار الكامل .
عسكريا : انهارت أسطورة الردع الإسرائيلي , تقرير “جي بي مورغان” يوثّق ارتفاع نسبة الصواريخ التي تسبب أضراراً داخل إسرائيل من 3% خلال أول أسبوعين من الحرب إلى 27% لاحقاً.
الجيش الذي كان يُباع على أنه “الذي لا يُقهر” عجز عن تحقيق أي من أهدافه المعلنة : لم َُقضَ على حماس، ولم يُحرر الأسرى بالقوة، بل عبر صفقات.
اجتماعياً : انخفضت صفقات بيع المنازل بنسبة 35%، وسُجل نحو 26 ألف طلب تعويض عن أضرار لحقت بالمنازل بقيمة 450 مليون دولار، ويعاني قطاع البناء من نقص 150 ألف عامل بعد منع دخول العمالة الفلسطينية.
مقابل هذا النزيف الإسرائيلي المعلن والموثّق نجد التحليلات العربية والدولية نفسها منشغلة بسؤال “هل تخرج حماس من مأزقها؟”, هذا ليس تحليلاً موضوعياً، هذه فضيحة مهنية وأخلاقية حقيقية.
إنها تحويل للمقاومة إلى “مشكلة” تحتاج إلى حل، وتحويل الاحتلال المعتدي إلى “حقيقة دائمة” لا يمكن مساءلتها أو حتى تحليل انهيارها, كأنما إسرائيل خارج زمن التحليل وكأنها قدر محتوم لا يتغير، بينما حماس وحدها هي المتغيرة القابلة للزوال.
صحيح أن هناك استثناءات شجاعة، قلما تجد طريقها إلى منصات الشهرة الواسعة, أصوات مثل الراحل روبرت فيسك، وجون بيلجر، ونعوم تشومسكي، ونورمان فينكلشتاين، وبعض المراكز البحثية المستقلة، هي من تطرح السؤال الحقيقي المحظور.
هؤلاء ظلوا استثناءات في بحر من التحليلات التقليدية التي تكرس الخطاب ذاته, في عصر البطولات الإعلامية السريعة وفي منصات التواصل الاجتماعي التي تكافئ الإثارة على حساب العمق، يظل السؤال الصعب خارج المنصة والسؤال السهل هو: “هل تخرج انتخابات حماس من مأزقها؟”.
ربما حان الوقت لخروج جريء من هذا الإطار المُنهك, ربما حان الوقت لسؤال مختلف تماماً، سؤال تعطيه الأرقام الإسرائيلية نفسها شرعيته.
لا تسأل: “كيف تخرج حماس من مأزقها؟” بل اسأل: “كم تبقى للاحتلال قبل أن يلتهمه مأزقه الوجودي؟”, اسأل: “كيف ستخرج إسرائيل من مستنقع غزة وإيران ولبنان وهي تخسر 15 مليار دولار كل 38 يوماً؟”, اسأل: “ماذا سيحدث لدولة ينهار فيها قطاع التكنولوجيا الذي يمثل عمودها الفقري، وكل أسرة تدفع 33 ألف دولار ثمناً لحروب بلا نهاية؟”.
الأرقام التي نشرها بنك إسرائيل وموّلتها ضرائب دافعي الضرائب الإسرائيليين والامريكيين تتحدث بصوت أعلى من أي محلل, وهي تقول شيئاً واحداً واضحاً: إسرائيل تخسر حربها اقتصادياً وعسكرياً واستراتيجياً.
مأزقها ليس نظرياً، بل ملموس ومتسارع ومُوثَّق, وحين تسقط أوروبا دعمها عنها تدريجياً، وحين يتراجع الاقتصاد، وحين ينفجر المجتمع داخلياً تحت وطأة 33 ألف دولار لكل عائلة، فمن سيكون في المأزق الوجودي الحقيقي؟!
ليس حماس التي صمدت رغم كل شيء، بل الاحتلال الذي دخل حرباً ظنها قصيرة فوجد نفسه في مستنقع بلا مخرج.
فقط عندما ينقلب السؤال، يمكن أن نبدأ بفهم الحقيقة كاملة, والأرقام كما يقول المثل لا تكذب , وموازين القوى تتغير لمن يقرأها بعيون لا تُخدع بالشهرة الرخيصة.
*كاتب اردني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر