الإثنين , يونيو 24 2024
الرئيسية / اراء / الحرب هي الحرب لكن أطفالهم ليسوا كأطفالنا !

الحرب هي الحرب لكن أطفالهم ليسوا كأطفالنا !

اسيا العتروس*
دموع زيلنسكي لن تغير قناعاتنا وكما انه من حق أطفال أوكرانيا أن يعيشوا في سلام فمن حق أطفالنا ومن حق أطفال العراق ولبنان وسوريا واليمن وفلسطين وغيرهم ألا يموتوا متجمدين بسب البرد أو الجوع أو القصف أو التهجير، بل من حق كل أطفال العالم أن يعيشوا في سلام ومن حق كل شعوب الأرض أن يكون لها موقع تحت مظلة الشرعية الدولية والعدالة الدولية الغبية..
منذ بداية الحرب الروسية في أوكرانيا والعالم يعيش على وقع السقطات المتتالية للقوى الدولية المتنفذة وكذلك لشريحة لا يستهان بها من الإعلام الدولي الذي يفقد في أحيان كثيرة البوصلة فيصاب بعمى الألوان ولا يرى من الجرائم الشنيعة التي لا تقبل التبرير والتي تقترف في حق الأطفال والنساء والمدنيين إلا ما يراد له أن يراه، وكأن بقية أطفال العالم المشردين في المخيمات والملاجئ من أفغانستان إلى سوريا ولبنان وفلسطين والعراق واليمن والسودان والصومال ومالي لا يستحقون فرصة الحياة في أمان ولا حق لهم تحت مظلة الشرعية الدولية المثقوبة التي تمنح ظلها لأطفال دون غيرهم لان بشرتهم بيضاء وأعينهم زرقاء ولأنهم يتكلمون غير العربية ويدينون بغير الإسلام..
– لا مفاضلة بين مايكل واحمد
وكأن حياة وقيمة البشر تقبل التمييز والمفاضلة بين طفل يدعى احمد أو خليل وآخر يدعى جاك أو مايكل .. أو بين فاطمة وسارة.. ولا يبدو أن المجتمع الدولي يتجه لتعلم الدروس اليومية للحرب في أوكرانيا التي تدفع اليوم أنظار العالم إلى جهة واحدة متجاهلة كل ما يحدث خارج دائرة الحرب الروسية الأوكرانية… طبعا ندرك جيدا تداعيات هذه الحرب على المنطقة وعلى كل العالم وما ستؤول إليه خلال السنوات القادمة عندما تتوقف المعارك تتراجع الدبابات وتختفي الطائرات وها نحن نعيش اليوم على وقع الارتفاع اليومي لأسعار النفط والقمح التي يفترض أن تبلغ درجة غير مسبوقة في الأسواق العالمية ولكن ما لا احد يدركه أن قيمة الإنسان حيثما كان هي التي تفقد قيمتها يوما بعد يوم في بورصة الأخلاق والقيم التي تتلاشى بفعل معركة النفوذ والمصالح في النظام العالمي الذي سيتحدد بعد هذه الحرب..
ولعلنا لا نبالغ إذا اعتبرنا أن آخر السقطات تلك التي جاءت من الرئيس الأوكراني زيلنسكي نفسه الذي يكشف عن نفسية معقدة وعن فشل ذريع في تجنيب شعبه وبلاده مأساة كان بالإمكان عدم الانسياق لها.. بل لعله بمخاطبته الكنيست الإسرائيلي وخطاب الاستجداء الذي توجه به الى حكومة بينت ما يعكس العقلية العنصرية للرئيس الأوكراني الذي جعل من يهوديته عنوانا للابتزاز والمقايضات…
زيلنسكي رئيس الصدفة الذي يدفع ببلاده إلى الدمار يعتبر أن ما يحدث لشعب أوكرانيا شبيه بما يتعرض له اليهود في مواجهتهم للفلسطينيين متجاهلا أن إسرائيل كيان محتل يمارس ومنذ سبعة عقود أبشع أنواع الجرائم الاستيطانية والتوسع اللامشروع والتهجير والأسر والتنكيل والتقتيل في حق شعب فلسطيني خذله العالم وخذلته الشرعية الدولية والعدالة الدولية التي منحت الاحتلال بطاقة ولادته في رحاب الأمم المتحدة وان هذا الكيان ذاته اليوم يحتل الضفة ويفرض حصارا خانقا على غزة ويهود القدس ويحتل ارض الجولان ويخرق أجواء دمشق وبيروت يوما بعد يوم.. وهو يطالب بان تحتضن القدس المفاوضات بينه وبين خصمه بوتين معتبرا وأن كل القوانين الصادرة بشان مصير القدس لا وجود لها وأن الجدار العازل الذي يقسم المدينة ويعزل أهلها عن بعضهم البعض ليس جريمة في حق المقدسيين وأن كل التقارير الأممية وتقارير هيومن رايس وووتش بشان عنصرية إسرائيل لا وزن لها..
زيلنسكي كما الإعلام الدولي لا يرى من جرائم إسرائيل شيئا بل هو لا يرى إلا ما يراد له أن يراه وقد برهن عن تجاوز كل الخطوط الحمراء في توخي سياسة المكيالين كلما تعلق الأمر بحق الشعوب العربية والإفريقية وشعوب العالم الثالث المنسية في السيادة والحرية وتقرير المصير وفي الانتصار لحقوق المدنيين في حالات الحرب والسلم وفي الصراعات الدموية..
المحرقة في خدمة زيلنسكي
لقد كان بإمكان الرئيس الأوكراني زيلنسكي أن يحصد كل التعاطف الذي يتطلع إليه في الشارع العربي في مواجهة بلاده وشعبه للحرب الروسية التي تدخل أسبوعها الرابع على التوالي وهو حقه، وكان بإمكانه أن يجعل من المطالبة بتطبيق الشرعية الدولية على اعتبار أن بلاده عضو مستقل في الأمم المتحدة لولا انه اختار الاحتماء بمظلة إسرائيل الكيان الأكثر خرقا والأكثر استهتارا بالقانون الدولي وبالشرعية الدولية.. وربما كان زيلنسكي يعتقد انه بمجرد ظهوره على تطبيقة الزوم مخاطبا نواب الكنيست الإسرائيلي المتصهينين للحديث عن المقاربة النازية في حق شعبه سيجد أن إسرائيل هبت لنجدته وسخرت له القبة الحديدية وكل وسائل الدفاع العسكرية التي يطلبها للدفاع عن سيادة بلاده أوكرانيا لولا انه تجاهل وهو الممثل البارع الذي خبر كل المسارح باستثناء المسرح السياسي الواقعي انه عندما يتعلق الأمر بآلة الدعاية الإسرائيلية فان الأمور تتغير وتتخذ منحى آخر…
فالمحرقة اليهودية لا تريد لها إسرائيل مقارنة ولا تقبل بان يستعيرها أي طرف لاستنساخ سياسة الابتزاز والإبقاء على عقدة الذنب قائمة وهي التي دأبت عليها حتى وان كان الرئيس الأوكراني الذي ما انفك يذكر ومنذ بداية الحرب في أوكرانيا بأنه يهودي المعتقد وبأنه من حق الدولة اليهودية أن تسعى لإنقاذه مما هو فيه…
زيلنسكي الرئيس الأوكراني يستحضر المحرقة اليهودية لاستجداء عطف إسرائيل والمطالبة بحماية مواطنيه من القصف الروسي وحماية أطفال وشعب أوكرانيا معتبرا أنهم يتعرضون لمحرقة لا تختلف في شيء عن المحرقة التي تعرض لها اليهود مع النازيين وهو بذلك يدرك جيدا أن أهم الأوراق التي يمكن اعتمادها في هذه المرحلة تبقى ورقة عقدة المحرقة التي منحت إسرائيل حتى الآن كل أسباب الحصانة من المساءلة والمتابعة والمحاكمة ولكن أيضا وهذا الأهم منحت إسرائيل كل الأسباب لابتزاز العالم والتلويح بعقدة الذنب ومعاداة السامية كلما تعلق الأمر بالتشهير بجرائم الاحتلال الإسرائيلي..
سبق خطاب الرئيس الأوكراني زيلنسكي عبر الزوم أمام الكنيست الإسرائيلي حملة دعائية واسعة على اعتبار أنها المرة الأولى التي يخاطب فيها رئيس أجنبي الكنيست الإسرائيلي، والأرجح أن أعضاء الكنيست الإسرائيلي لم يتوقعوا ما سيقوله الرئيس الأوكراني على الملأ ولم يعتقدوا انه يمكن أن يتجه إلى استحضار المحرقة اليهودية لإسقاطها على ما يجري اليوم في أوكرانيا في مواجهتها للحرب الدائرة مع روسيا منذ أربعة أسابيع فالعقلية الإسرائيلية الصهيونية تعتبر أن المحرقة اليهودية غير قابلة للنقاش أو المقارنة بأي حدث في التاريخ وان إسرائيل وحدها يجب أن تظل الضحية وأن تستمر في رفع هذه الورقة وابتزاز المجتمع الدولي إلى ما لا نهاية من اجل فرض الأمر الواقع والتنصل من أي التزامات أو اتفاقات يمكن أن تفرضها العدالة الدولية..
وربما فات زيلنسكي وهو الهاوي في عالم السياسة الذي لا يتقنه أن حكومة بينت ليس من مصلحتها أن تندفع نحو إثارة غضب بوتين أو تعرض مصالحها في سوريا إلى الاهتزاز لأي سبب كان وقد خبرت الحكومة الإسرائيلية ذلك عندما انتقدت صراحة ما أقدم عليه بوتين في أوكرانيا قبل أن تكبح جماحها وتحاول إتباع ما يمكن وصفه بالحياد المدروس تحسبا لرد فعل روسي إزاء الخروقات الإسرائيلية اليومية في سوريا.. وعلينا ان نستحضر تصريح الرئيس بوتين عندما ذكر إسرائيل بأن الجولان ارض سورية محتلة وهو ما يسقط وعد ترامب الذي كان وهب الجولان لإسرائيل.. وهو ما سيعجل أيضا بدفع رئيس الحكومة الإسرائيلي بنيت للسفر على عجل إلى موسكو ويلتقي الرئيس بوتين ربما للتوصل إلى اتفاق في السر بان تل أبيب لن تتجاوز الخطوط الحمراء في انتقاد الدور الروسي..
من المفارقات الخطيرة أن يعتبر زيلينسكي أنّ القدس يمكن أن تُشكّل المكان المناسب لإيجاد السلام، مع روسيا بما يفرض التسليم بمصير القدس التي تظل ارض محتلة خاضعة للتدويل وهو ما يعني أيضا أن الرئيس الأوكراني الذي لجأت بلاده إلى الأمم المتحدة لتنتصر لشعبه يمنح نفسه حق تجاهل والاعتداء على شعب آخر يتعرض منذ قرن من الزمن لأبشع أنواع الاحتلال..
وبالعودة إلى خطاب زيلنسكي الذي خاطب قبل ذلك الكونغرس الأمريكي والبرلمان الأوروبي، في محاولة للفوز بدعم عسكري أوسع من الغرب فإنها المرة الأولى التي يتحدّث فيها رئيس دولة أجنبيّة عبر تسجيل فيديو في الكنيست الإسرائيلي..
زيلنسكي الذي يصر على التسويق لعقيدته الدينية اليهودية راهن على خطاب عدوه بوتين الذي اعتبر انه يحارب النازيين الجدد لتحريك العاطفة الإسرائيلية مذكرا أن ما يحدث لبلاده شبيه بالمحرقة النازية.. وطالب صراحة أن تعزز إسرائيل العقوبات على روسيا وتدعم بلاده عسكريا وطلب تمكينه من منظومات الدفاع الصاروخي الخاصة التي تعد الأفضل في إسرائيل..
*كاتبه تونسية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

لبنان لن تحرقها نيران الاحتلال!

  د. محمد المعموري* يقال ان العالم يتغير وان سياسة النظام الدولي قد تجاهلت الكثير …