الجمعة , مارس 20 2026
الرئيسية / اراء / بشائر الأقصى

بشائر الأقصى

خالد شحام*
في عالم الوعي واليقظة هنالك مجموعة من الكتب لا يمكنك ان تكون صاحيا أو مدعيا للفهم إلا إذا كنت قد قرأتها ووضعتها في رصيدك العقلي مهما كان مستواك التعليمي أو ذكاؤك السياسي أو منصبك الوظيفي ، هذه الكتب وضعها مفكرون عمالقة من سياسيين وصحافيين واقتصاديين وفلاسفة على مد الأحداث والمآسي التي اجتاحت هذا العالم و تمثل مرجعيات فكرية شمولية لما يجري في العالم القديم و الجديد ، أنت بحاجة لأن تقرأ كي تتمكن من تثبيت وتأطير أفكارك وجعلها شيئا منقولا من منطقة الضبابية إلى منزلة اليقين ، ، أنت تقرأ لكي تتأكد بأنك لست وحدك وبأن هنالك من يشاركك نفس التفكير والتحليل ويرى النطاقات الشفافة التي لا يراها الكثيرون ، في بعض الأحيان يجب أن تقرأ كي ترى وتتفكر من الشرفة العلوية للمشهد العالمي والعربي وتتجاوز خدعة الصورة الصغيرة أو الإلهاء المخصص لمن عميت أبصارهم .
واحد من هذه الكتب هو كتاب ( عقيدة الصدمة : صعود رأسمالية الكوارث ) وهو كتاب ألفته ونشرته الصحفية الكندية نعومي كلاين في العام 2009 وتمت ترجمته لكل لغات العالم لما ينطوي عليه من رسم لخفايا إدارة هذا العالم والتي طالما اعتبرت ضربا من التأويل أو الخيال ولكنها من خلال كتابها أظهرت انها منهجيات وسياسات عامة لدى الولايات المتحدة ولو افترضنا أن 50 % مما ورد في الكتاب هو صحيح فنحن أمام حقائق لا يستهان بها .
في فترة الحرب العالمية الثانية تحول العالم إلى أتون هائل للبشرية والحياة ، أبيحت كل المحرمات وأنتهكت قيمة الإنسان على أشـد ما يمكن تصوره ، خلافا لقتل 65 مليون إنسان وتشريد وتعذيب الملايين الآخرين ، جرى أفظع من ذلك بكثير حيث وضع البشر تحت أيدي علماء التشريح والنفس والبيولوجي لكي يحاولوا كسب الحرب من خلال مداخل متنوعة من مثل : مدى تحمل الإنسان للجروح القاتلة – تجارب الغازت السامة – صناعة الإنسان الخارق – انتزاع المعلومات – استقلاب الأسرى – محو الشخصية -تجنيد العملاء ، اشتهرت اليابان وألمانيا بالتحديد بإجراء هذا النوع من التجارب على البشر وسجلت الذاكرة ما لم يمحى ولن ينسى .
عقب انتهاء هذه الحرب تمكنت الولايات المتحدة من الاستيلاء على كل المجهود العلمي لألمانيا واليابان إضافة للمكاسب التقليدية الأخرى ، وبهذا الاستيلاء تمكنت الولايات المتحدة من تحقيق فتوحات علمية هائلة لم يكن من الممكن تحقيقها في مجال الصواريخ والسباق الى الفضاء والتسليح الذري وأفكار المسارعات النووية وتصاميم الطائرات النفاثة وغيرها العديد ، من ضمن تلك التجارب استولت الولايات المتحدة على سجل التجارب على البشر وأعجبت بالنتائج والدراسات التي احتواها ذلك الفصل المرعب خاصة في استنطاق الأسرى فأوكلت مهمة إكمال الدراسة إلى الطبيب المجرم دونالد كامرون / رئيس الجمعية الأمريكية للأطباء النفسيين والذي اشتغل جيدا على تلك الدراسات من خلال مشروع MK Ultra المنفذ في مونتريال وخرج بنتيجة أنه بمقدورنا ( إعادة فورمات )عقل الإنسان من خلال تعريضه لصدمات نفسية وجسدية شديدة حيث كان يتم إخضاع عناصر التجارب للضربات الكهربائية أو العقاقير أو إدخال الكلاب المتوحشة على مهاجعهم او اسقاطهم في ابار عميقة مظلمة أو تكسير أطرافهم ، وعقب هذا الترويع يكون المرء جاهزا لقبول أي شيء واعتناقه بكل حواسه ، كان شعار هذا المجرم هو ( الصدمة تمنحك دماغا أبيض يمكنك كتابة ما تشاء فيه ) وطبعا وكما هي العادة فالدوافع الوطنية والنبيلة والحسنة والمصلحة العليا هي التي تقتضي ذلك .
تابعا خطرت في بال مجرم من نوع آخر أنه بالامكان تعميم فكرة ( الصدمة ) ليس على الفرد الواحد بل على شعوب بأكملها بالمقياس الأكبر من خلال ركوب أية ازمات طبيعية أو مصطنعة ثم تفعيل سلاح جديد اسمه نظرية الاقتصاد ( الحر) كأداة ضغط وترهيب وخلق رعب اقتصادي يمكن من خلاله تمرير كل الخطط وكل المحرمات واخضاع الشعوب المذهولة من الصدمة لكل ما نرغب من قرارات ، هذا المجرم هو دكتور الاقتصاد ميلتون فريدمان / جامعة شيكاغو وفريق عمله الذي كان يسمى صبيان شيكاغو والذين تفرخ منهم لاحقا امثال كيسنجر وجورج بوش الابن وبرايمر ورامسفيلد وديك تشيني وولفويتز والعصابة إياها التي لا يمكن أن ننساها ، تذكرون جيدا مصطلح (الصدمة والترويع ) الذي كان يتشدق به جورج بوش الابن دون أن يفهم أحد مغزاه ، هذه العقيدة التي يشرحها الكتاب طبقت على نطاق واسع على الارجنتين وتشيلي ومعظم أمريكيا اللاتينية ضمن مخططات سرية ثم تاليا المنطقة العربية وفتكت بهذه البلاد فتكا بلا رحمة ، ولا يزال هذا النهج يسري ملىء الوديان وسعة البلاد في عالم العرب لأنه أثبت نجاحا منقطع النظير ، يكفي قليل من التفكر لندرك بأننا الان في وسط هذه المرحلة و لبنان مرحليا يتصدر القائمة العربية في مرجل الصدمات والصدمة الأقرب التي قصمت ظهره هي تفجير ميناء بيروت باليد الصهيونية ثم أتبع ذلك بالمعصرة الاقتصادية ليصاب المواطن اللبناني بالذعر ويرى نجوم الظهر ويعجز حتى عن النطق !
في داخل نظرية الصدمة والتوابع الاقتصادية المميتة المتعلقة بها ثمة نظرية بسيطة أسسها المجرم ميلتون تحمل اسماء رنانة وطنانة ولماعة ولكنها تمثل سما زعافا وكانت هي محور أفكاره ، تسمى تلك النظرية في سلتها بإسم النيوليبرالية أو التحررية الجديدة والتي في داخلها أداوت من مثل الخصخصة ، التخلي عن الدعم الحكومي وتقليص الانفاق على العامة ، الاسواق المفتوحة ، الاقتصاد الحر ، تعزيز الشركات العملاقة ، الغاء الخدمات العامة وتحويلها الى القطاع الخاص .. القروض وصندوق النقد الدولي و فوائد الديون ، الحركة التصحيحية الذاتية للسوق ………إنها أدوات العولمة وادوات تحطيم وتكسير عظام دول العالم واحدة تلو الاخرى بلا رحمة ولا هوادة على ناظري غول لا يشبع ولا يرحم اسمه الولايات المتحدة ، إنها نفس الأدوات العاملة الفاعلة في بلادنا منذ سنوات والتي صنعت فقراء العالم الجديد وطبقة الغيلان الجدد في حلة من النعيم الكاذب والامان المزيف بذات النهج وذات الأدوات وعلى المكشوف ، هذه هي العقيدة الأمريكية التي صنعت طوابير الفقراء بطول العالم وعرضه وصنعت شعوبا بأكملها تعيش السعير وطبقة رقيقة تعيش النعيم وتسوم الأخرى سوء العذاب .
في بلاد العروبة اليوم نحن نخضع بالتمام والكمال لأفكار هذه العقيدة ومحتواها السام ونتجرع مرارة الحياة بفضل تطبيق هذه النظريات على شعوبنا بلا رحمة ولا ذرة من كرامة أو دين أو فضيلة ، إننا نتعرض للإفتراس تماما مثلما افترست الدول التي أصبحت هشيما لا تقوى على الوقوف منذ عقود طويلة وحتى اليوم ، لهذا السبب تشاهدون حالة الذهول والعجز والانحطاط حيال كل المصائب التي تتساقط على رؤوسنا .
عقيدة القتل الاقتصادي المبنية على أسبقية الصدمة هي ما جرى للشعوب العربية من خلال سيناريوهات متنوعة مفصلة لكل حسب حالته ومواقفه ومكانته ، النتيجة المعيشية المعاصرة للشعوب العربية والتي لم تعد تفهم كيف وصلت الى هذه المرحلة وكيف تحطمت احلامها وتحولت الى جحيم معيشي غير منطقي هي مخرجات حتمية ومتسلسلة وتراكمية وقعت عبر سنوات من أجندات ناعمة واتفاقيات ومعاهدات في ظاهرها الوطنية والبناء والتعمير وفي جوفها التخريب والسعير ، الهدف المعلن والبسيط هو تشكيل صدمات وحالة من الذعر المعيشي الذي يؤهل الضحية لتتقبل وتركع وتتحول إلى ( الدماغ الأبيض ) حسب تعبير دونالد كاميرون المجرم .
الصدمة الأخيرة التي أهدتها الولايات المتحدة للعالم بأكمله هي فعلة كورونا ! …… لقد كانت فعلة كورونا مهما اختلفنا أو اتفقنا على الحيثيات والتفاصيل الداخلية بمثابة إعادة الإحياء لنظرية القاتل الاقتصادي واعادة تطبيق فكرة الصدمة بالحجم الشمولي العالمي على يد صاحب النظرية وصاحب الاسبقيات فيها ، الصدمة الحياتية التي أحدثتها خديعة كورونا فاقت في حجمها كل المؤامرات السابقة وزلزلت الانسان المعاصر من جذوره وجعلته عبدا طيعا لا يفقه ما يجري له ، قراءات الاقتصاد ومعدلات التضخم والمعاناة العالمية من ارتفاع الأسعار ليس إلا برهانا على حقيقة وباء كورونا وحقيقة المخطط الكبير المرتبط بها ، لقد ُصنعت كورونا لتولد هذه الأحداث وليس من الصواب العكس ، من افتعل الإصرار على تعطيل عجلة الاقتصاد العالمي وفكرة ( خليك بالبيت ) العالمية وأغلق أبواب المتاجر والمصانع والأسواق لم يفعل ذلك لحرصه واهتمامه بصحة ووقاية سكان الكوكب بل كي يصل إلى هذه اللحظة ومشتقاتها وتفاعلاتها الهائلة التي تتكشف كل يوم عن الدوافع والمسارات الرئيسية لما بعد فعلة كورونا.
الداء الكبير الذي تمت زراعته وبرمجته في عالم ما بعد كورونا هو داء الرعب المخلق في معامل الخطط الأمريكية والصهيونية ، الرعب المزروع في عقول العامة والذي يمثل العمود الفقري للصدمة المطلوبة والأثر الأكثر أهمية في معاملات الخطط ، رعب من الغد ورعب من تفاصيل الحياة ، مصاريفها ، فواتيرها ، طعامها وشرابها ، الهرم والعجز والفقر المعلن والخفي ، الخوف المستبق من الفقر وقرارات المستقبل ومجاهيل القرارات الحكومية ، لقد تم إخضاع العالم بأسره قسرا لأكبر تجربة سيكولوجية صدمية ، ولهذا السبب لا يمكن لأحد أن يفكر بقضية فلسطينية أو يمنية أو سورية أو لبنانية أو شرقية أو غربية ، كلنا مصابون بالذعر وأخطبوط الخوف يطوق كل المنافذ ، الداء التالي الذي يخطط لإحيائه من التاريخ هو داء القروض ثم فوائد الديون ثم العسكرة وإعادة الحكم الجبري إلى الشعوب وفرض النظام الذي يمكنكم تسميته بما تشاؤون لكنه قادم دون هوادة ومسلح بالذكاء الصناعي وعتاد الشيطان الذي استغرق تجهيزه كل السنوات الماضية .
الشعوب العربية وفي بلاد الطوق تحديدا تعيش تجليات نظرية الصدمة الأمريكية ، الحياة تتحول إلى جحيم من خلال تحويلها إلى قيمة مادية يصنعها الغلاء وانعدام دور الدولة وخدماتها ودعمها ، البلاد العربية بأكملها ستتعرض للتفكيك وتباع على أنها خردة وقطع سكراب من خلال نفس النهج الذي يتدفق ببطء وبلا توقف ضمن برنامج طاحن لن يسلم منه أحد ، المواطن العربي وصل سدا مغلقا من انعدام المستقبل وعتمة المصير وفلس الإيمان بأي شيء …. هذه الصور المأساوية المعلقة على حبل الهزيمة من الشرق حتى الغرب لا تكسرها ولا تتفوق عليها إلا صور مقابلة عفوية فلتت رغما عنهم ، صورة أولى بألف صورة لأبناء فلسطين يؤمون المسجد الأقصى بمئات الألوف في ليالي رمضان ليعلنوا بأنهم لا زالوا على العهد ولم ترعبهم صدمات بوش ولا ترامب ولا بايدن ولا الصهاينة ، بشائر هذه الصورة خير من ألف شهر وخير من ألف مقالة ، صور أخرى لأبطال فلسطين هزوا ليل العدو بسلاح بسيط ليمسحوا خوف الأمة ويقولوا لها بالحرف الواحد بأن جدران الظلام قابلة للكسر وليست أزلية ، صور اخرى كثيرة لأبناء غزة وهم يقضون عيد الفطر فوق بقايا القذائف الاسرائيلية التي لم تنفجر ، صور أخرى لصبية يمنية تبتسم أمام الكاميرا الباكية فوق حطام البلاد ، هذه المشاهد التي تخيف الأعداء وتؤكد أننا على العهد باقون هي التي ستغسل سنوات الخوف وتزيل كل الصدمات التي صنعوها فينا وترد الصاع إليهم صاعين .
كتاب الصدمة ليس بالشيء الجديد لكن الذاكرة تستدعيه لأنه وثيق الصلة بالمشهد والصحفية الكندية التي خطت الكتاب فعلت ذلك لأنها مناهضة للمتحررين الجدد ونهج العولمة الامريكي وراعها ما شهدته من أهوال هؤلاء القوم طيلة سنوات عملها ، نحن كعرب ومسلمين وكضحايا دائمين لهذا النهج الذي يمتد لسنوات مطلوب منا أن نكون مستعصين على الاستعباد ، مطلوب منا التمسك بكل ثوابتنا ومحاربة أي مظهر وأي دعاة للضلال والانحراف والتشويه ، مطلوب منا البقاء على ثوابت الإسلام والايمان المطلق بقوة الله ورسله وملائكته وكتبه ، مطلوب منا القبض على الجمر كي لا نخسر الدنيا والآخرة التي يريدون لنا ، مطلوب منا أن نتمسك بكل رمز وكل أيقونة تمنحنا القوة والثقة بالله ونصره ، مطلوب منا أن نتمسك برمضان وعيد الفطر ويوم الاسراء والقدس والاقصى وكنيسة القيامة وهدي نبينا محمد لأن كل هذه هي ركائز روحية للمعركة القادمة قبل ان نفكر بأي عتاد آخر ، نحن نواجه الشيطان وجيش الشيطان وليس غير ، والمعركة مع هذا وجيشه هي معركة الوعي اولا ثم الايمان ثانيا قبل أن تكون معركة الخلاص الأخير ثالثا .
*كاتب فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

حق الدفاع الشرعى!

د. عبدالله الأشعل* قامت الطائرات الحربية الإسرائيلية خلال الأسبوع الأول من ابريل 2024 بتدمير القنصلية …