الخميس , مارس 19 2026
الرئيسية / اراء / عن “أمانة” الأمم المتحدة

عن “أمانة” الأمم المتحدة

علي الزعتري*
لستُ أعني تلك الإدارة التي تُعنى بأمور الأمم المتحدة بل “الأمانة” التي تحملها الأمم المتحدة وأمينها عند القيام بأعمالها التي نص عليها الميثاق. هذا الميثاق الذي بدأت ديباجته باسم الشعوب و توالت نصوصه لحفظ السلم و الأمن و ضمان التنمية والعيش المشترك ونبذ العنف و الحروب و رفض الاستعمار و إقرار حق مقاومته و التعاون لفرض السلام على أُسسَ عادلة.
ينسى الناس أن الأمم المتحدة هي منظمةُ دول و حكومات. و هي لذلك تستجيبُ لرغبات و حاجات الدول بشكلٍ أساسي و يحدث ذلك في المؤتمرات التي تعقدها على مدار السنة و التي يصدرُ عنها توجيهات و قرارات تلتزم بها الدول بالكامل أو جزئياً و يحدث هذا عند التحفظ على بعض البنود. لجأت الأمم المتحدة لاعتماد منظماتٍ غير حكومية و شخصياتٍ عامة غير مرتبطة بحكومات و أكاديميين و شباب و شعوبَ أصلية مهددة بالاندثار ثقافياً و حضارياً من أجل معادلة التأثير الحكومي في قرارات المنظمة.
ليس الغرض هنا شرح آليات عمل الأمم المتحدة المتعددة و المعقدة لكن أمانة الطرح تقتضي إسداء الثناء لها على أكثر من مستوى فلولاها لما تم القضاء على أوبئة و تزويد الملايين بمقدرات تنمية و غذاء و علوم و حفظ تراث و صون بيئات. هذه الجهود الدؤوبة تختفي أو تُتجاهل في خضمٍّ من التجاذبات السياسية و القضايا الشائكة التي لم تجد حلاً لليوم. فلسطين و قبرص و كشمير و الروهينجا و سوريا و اليمن و ليبيا و العراق و أفغانستان و السودان و الصومال و كوسوفو و أوكرانيا هي الأمثلة الشاهد على قصور الأمم المتحدة الوصول لحلول مرضية و السبب يعود للحكومات بشكلٍ مبدأي و للصراع على النفوذ و المصالح العالمية بين الدول المتنفذة سواء كان عندها حق النقض بمجلس الأمن أم لا. و لعل القول الذي رددته صحيح أن أضعفَ حكومة تبقى أقوى من الأمم المتحدة.
لكن “أمانة” الأمم المتحدة يمثلها الأمين العام، و هو و إن كان موظفاً عالي الشأن حصلَ على وظيفته بتوافق الدول خاصةً تلك الخمسة صاحبة حق النقض بمجلس الأمن، فإنه في المنظور الإنساني يمثل “الشعوب” و قضاياها المختلفة. فإن عبارةً منه أو تصريحاً أو زيارةً تحمل في معانيها الكثير و يترددُ صداها بين الناس سواء كانوا أصحاب اختصاصٍ متابعينَ له أم لا. و لقد وقفَ أمناء عامون مواقف شجاعةً فمنهم من قضى نحبه أثناء تأدية مهمته مثل داغ همرشولد و منهم الذي قارعَ حرباً مثل حرب فيتنام، مثل يوثانت، و منهم من لوقفته مع العدل أقصته الدول على خلفيات تاريخه مثل كورت ڤالدهايم. و منهم من لم يترك أثراً مثل خافيير بيريز ديكويار و منهم من أُقصِي عنوةً لرفضه تبديل حقائق بتقارير المنظمة مثل بطرس غالي. و منهم من وقف ببابِ الزعماء لحثهم على السلام مثل كوفي أنان في زيارته لبغداد. و استمر كوفي أنان، و قد شهدته، يحث على الحل الأمثل في ليبيا و قضية لوكربي و سوريا بعد اغتيال الحريري. لكنه كان في زمن “الباكس أمريكانا” حيث واشنطن هي القطبُ الأكبر و محجةَ السياسة و الحرب. لم ينقذه سوى الكاريزما التي تميز بها. و تبعهُ بان كي مون لكنه إزاءَ التجاذبات العالمية اتخذَ منحىً غير صداميٍّ و زادَ تركيزه على قضايا غير خلافية، و في عهده انتشرت الانتقادات لكثرةِ بياناته التي تعبر عن القلق. كان دبلوماسياً عرف حدوده أمام سطوة الحكومات. سألته بعد غداء عمل في دمشق عن حالهِ فقال أنه يتعلم! وكذلك استمر. وأتى خَلَفَهُ أنطونيو غوتيريش بِإرثٍ وازنٍ فهو كان رئيس وزراء البرتغال و المفوض السامي لللاجئين يحمل همومهم و يداري حاجاتهم. توقع الكثير أن يحمل غوتيريش إرثه الإنساني للأمانة و قد فعلَ ذلك و بجدارةٍ للآن بل أن دوره السياسي خافتٌ بالمقارنة و التزم كذلك بالقضايا الكونية مثل التغير المناخي و فرص المعيشة المستقبلية للأجيال القادمة في ظل تدهور البيئة. و هي مواضيع كونية لا خلاف فيها طالما التفاصيل التي تحيطُ بها قيد نقاشٍ مستفيضٍ و طويلٍ و غير مؤذٍ فهو نقاشٌ عابرٌ للأمناء العامين على مدى عقود قادمة.
و لم يبخل غوتيريش عن زيارة بؤر التوتر مثلما فعل مؤخرا عندما زار أوكرانيا بعد روسيا و في كييف عاش ليلةَ قصفٍ نادرةً في حدوثها. لكن غوتيريش لم يزر سوريا وعلى الأغلب أنه لم يتحدث مع مسؤوليها سوى وزراء خارجيتها ومندوبها الدائم. نأى تماماً عن زيارة دمشق بينما زار الدول المجاورة. و لم يزر كذلك غزة و هي و سوريا من بؤر التوتر عالية الجهد. هو أوكلَ مهامه هنا لممثليهِ. و هو نوعٌ من حمل الأمانة بلا شك لكنه مخففٌ. و للأمين العام أسبابه و سياسته في هذا الشأن وأعلم لصيق متابعته من خلال أعوانه و ممثليه. لكن هذا لا يساوي الانغماس الشخصي للأمين العام.
إن حملَ الأمانة شيئٌ ثقيل و في صورتها التي تمثلها الأمم المتحدة فإن ثِقَلِها لا حدود له. إن كان الأمين العام موظفاً ينسق تنفيذ سياسات الحكومات بالمنظمة فهو يحملُ أثقالاً من الأعباء لتنفيذها بالشكل الصحيح و لتلافى ألغام السياسة و السياسيين و إن كان ممثلاً للضمير الإنساني فإن مهمته أثقل فالحكم عليهِ هنا أقسي لأنه حُكْمُ ذاكرة الشعوب. و المعضلة التي يواجهها أنه لا يستطيع أن يقول كل شيئ يعرفه أو يشعر به في كل وقت. و لا يعني إيماننا بعدالة قضية أن الأمين العام سيبادر لتبنيها. ضمن مفهوم حمل الأمانة سيبقى أي أمينٍ عام موازناً بين إيماننا وإيمان غيرنا المناقض لنا، في كل شيئ، عدا القليل من الأمور التي حين يكون فيها صريحاً جداً يعلم أن مردود تصريحه عليه لن يأتي بتبعاتٍ كبيرةٍ ضده و ضد الأمم المتحدة. مثل التغير المناخي.
لكن صدارةَ “الأمانة” لا تُوَكَلُ لمبعوثي و ممثلي الأمين العام في جميع المسائل. و يعني هذا أن واجبَ الأمين العام أن يقودَ هوَ لا عبرَ وُسطاء. إنها أمانتهُ التي لا تَتَجَزَّأْ، و هي مسألةٌ لها مقالتها في القريب إن شاء الله.
*كاتب ودبلوماسي اردني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

بيبي نتانياهو غير متاح حالياَ!

  د. لينا الطبال* فيديوهات إثبات الحياة = حجم الأزمة × منسوب الذعر هكذا يبدأ …