خالد شحام*
لم يعد من الحكمة ولا العقلانية في شيء أن نعدد العمليات الفلسطينية داخل الأرض المحتلة ، ليس من اللائق وأدب الكون أن نحضي عدد المرات التي تزهر فيها زهرات الحقول أو عدد حبات المطر لأن هذه الأشياء لا تحصى ولا تقبل أن تخضع لقوانين العدد فهي سنة الكون الذي يجري من تلقاء نفسه .
في ميزان هذا الكون العجيب تقع قوانين ثابتة تضبط كل شيء ولا تسمح لشيء بتجاوز ما هو أقدر منه او أعلى منه فهذا هو ميزان الله الذي لا يفوته شيء ولا يحده شيء آخر ، في ميزان هذا الكون الرباني يسوق الله قوة كاسحة مدمرة في باطنها الرحمة لكبح قوة شريرة طاغية ، قسوة تشفي قسوة أخرى فقدت عقلها ، طاقة ثائرة تلجم طاقة عاتية ، عندما تثور براكين الأرض وتدمر وتمسح كل ما حولها يظن المطلع بأن كارثة قد حلت وقتلت وفتكت بالإنسان لكنه لا يعلم بأن هذا الثوران هو جزء من ميزان الكون والذي بدونه ستحتبس الطاقة في باطن الأرض بما يفسد كل ما عليها ، ومن ينظر إلى عين الإعصار ويرى كيف يتمكن الماء والهواء بقوة عاتية من تمزيق مدينة عن بكرة أبيها يظن جهلا بأن العدالة أخطأت موضعها وحلت القسوة محل الرحمة ولكنه لا يدرك أبدا بأن رحمة الله أرسلت هذه العاصفة كي تحقق الميزان الدقيق بين الحرارة والماء والهواء وتضع حدا لشر كبير يتعاظم .
في ميزان العدل ذاته لا يمكن للطغاة أن يستقر بهم الكون ولا الأرض ولا السماء لأن في ذلك كسر لقوانين لا يمكن كسرها ولا يمكن لها إلا أن تتحقق وتقع ، الشابان الفلسطينيان اللذان نفذا العملية البطولية هما جزء لا يتجزأ من نسيج الطبيعة التي تولدها محتوم ووقوعها محتوم ومسارها محتوم لأنها ليست من صنيع البشر ولا تخطيط بعض المنظمات والأيدي العابثة ، إنها جزء لا يتجزأ من نسيج من هذا الكون وجزء لا يتجزأ من العواصف التي تلقي نثرا كي تحيا الأرض وتزهر بعدها الحقول ويستوي ميزان العدل في هذا الكون مهما طال الزمان .
عملت السياسة الصهيونية طيلة العقود الماضية على انتهاج مسارين أساسيين في تصفية القضية الفلسطيية أو بتعيبير كوني آخر ( إخماد وإغلاق فوهة البركان الفلسطيني ) المسار الأول هو المسار التقليدي التاريخي من البطش والاعتقال والأعمال الاستخبارية الاستباقية وعمليات التنسيق الأمني مع السلطة لضمن تحييد أية فكرة أو مبادرة أو محاولة للقيام بأعمال عسكرية مضادة للآحتلال وخاصة من أضلاع المقاومة النظامية ، المسار الثاني هو المسارالسياسي الهادف إلى تحقيق التموضع الاقليمي وضمان الهيمنة الكبرى على المنطقة وقرارها وبالتالي ابتلاع حركات المقاومة تلقائيا ولهذا السبب جرى التطبيع والتركيع والتجويع والتربيع والتلميع ، حقق الكيان نجاحات سياسية وعسكرية كبرى في مسعاه ونسي طرفا أساسيا في المعادلة لا يقوم أي نجاح طبيعي بدونه وهو الشعب الفلسطيني المتشبث بحقوقه !
تقول القاعدة البسيطة بأن كل ما بني على باطل فهو باطل ، وكل نجاحات الكيان وكل الأطراف المتعلقة به أو المشاركة معه لا يمكن أن يقاس لها أي نجاح او تحقيق ( سلام ) او بناء قوة دون وجود القاعدة الكونية القاضية بالعدل المرتبط بكلمة وقرار الشعب الفلسطيني وليس قياداته ولا من يدعون أنهم يتكلمون بإسمه ، شعب فلسطين له أرض وتاريخ ووجود وليس من الممكن تناسي أو تحييد ذلك مهما كان الثمن ، وكل مقاومة الشعب الفلسطيني للإحتلال إنما تأتي من الخلل في هذه المعادلة وبالتالي تحولت مقاومته إلى حق طبيعي مشروع تقره سنن الكون قبل اتفاقيات الدول وأعراف السياسة .
لقد اهتز هذا الميزان الكوني منذ اللحظة الذي عبثت بها يد الخيانة بمطلق تركيبتها بميزان المقاومة وكبحت جماحها وحبستها في قمقم ورمتها في البحر خدمة للمشروع الصهيوني ، القانون الطبيعي الكوني يقول بان الضغط المحبوس لا يفنى ولا يتلاشى ولكنه ينتقل من موضع لآخر او يتأخر لميلاد آخر وهذا ما ترفض الصهيونية أن تؤمن به او تسلم به ، تكبيل أيدي التنظيمات وتحويل منظمة التحرير إلى بقالة وحصار غزة واعتقال حتى المقاومين بالكلمة لم يجلب الأمان ولا السلام بل انتقلت ظاهرة المقاومة طبيعيا إلى مواضع أخرى لايمكن توقعها ، جرائم الصهاينة ومنهجية القتل والاعتقال والاستيلاء على الأرض والخداع والضحك على قضية شعب عمرها مائة عام لا يمكن أن تذهب سدى ، إنها طاقة وضع هائلة مخزونة في كل جامد وكل حي في فلسطين المقدسة ، إنها طاقة مخزونة في شكل هالة من نور تطوق الأرض التي باركها الله للعالمين ومسألة أنفاق فلسفية لا يراها إلا المتبصرون .
العمليات الفلسطينية البطولية ليست مسألة رد فعل على استفزاز لمشاعر العرب والمسلمين وأبناء الأرض المقدسة ، إنها متجهات الاتزان الطبيعي التي تنساق طبيعيا دون تردد لتأخذ موضعها التلقائي ولكن استفزازات المسجد هي علامة التنور الخالدة التي تمنح المتجهات النضالية وجهتها ، كل هذا الغضب وهذه النار وهذه العمليات لا يمكن أن تذوي وتنطفىء تحت تهديد التخويف والقتل والسجون بل على العكس فإن التخويف يغذي نارها ويصعد من قوتها ويزيد من جرعاتها الانفجارية ، ولهذا السبب فوتيرة العداد لهذه العمليات وغيرها لن يتوقف أبدا ولن يهدأ أبدا وعلينا ان نتوقع ضربات جديدة متولدة ضمن متسلسلة فاعلة من النشاط الإشعاعي الفلسطيني الطبيعي .
أبناء الشعب الفلسطيني ليسوا كلهم حماس ولا كلهم ينتمون للتنظيمات الفلسطينية التي تسمونها بالإرهاب ، لا يحتاج ابن فلسطين رخصة من حماس او الجبهة الشعبية أو كتائب الاقصى لكي يثأر لوطنه وأهله وبلاده ، لا يحتاج من قتلتم أباه أو أخاه او هدمتم بيته أو صادرتم أرضه رخصة أو إذنا كي يتصرف كمخلوق عالي الكرامة في سجل الخلق ، لقد منحتموه الرخصة بالشهادة والصعود منذ اقترفتم جرائمكم ودخل تلقائيا في القانون الطبيعي للمقاتلين ، ابناء فلسطين من شباب وشابات ونساء وأطفال وعجائز لا يحتاجون كورسا في استخدام المسدس أو البندقية او السكين لأن القانون الطبيعي للإتزان الكوني يمنحهم رخصة الثأر والشهادة وامتياز المقاومة ويتحول ورق الشجر بين أيديهم إلى أداة قاتلة ويصعد في سلم العلم كنهج جديد لقانون نيوتن الثالث .
اغتيال السنوار لن يرهب أبناء فلسطين ولن يؤدب الشعوب العربية التي تنتظر صافرة الانفجار ، إنه سلوك كرتوني لن يسمن ولن يغني لكم من ثأر وسيعود عليكم بمعادلات موت جديدة ، اعتقال كل أفراد التنظيمات وإغلاق المعابر وحبس المدن وقتل مائة آخرين في الشوارع لن يزيد ولن ينقص في معادلات الاتزان الكوني التي حكمت عليكم بالفناء بل على العكس فكلما زدتم من إجرامكم وقمعكم فسوف يميل الاتزان بسلوك طبيعي لكفة الشعوب المقهورة والمظلومة ، أنتم تعبثون منذ مائة سنة بقوانين الطبيعة وتعاكسون فيزياء الحرية البشرية التي لا يحدها شيء ولا يقف في وجهها شيء ولهذا السبب فالنتائج تتكرر نفسها كل مرة ، لقد طال عليكم الأمل وطال عليكم الدهر حتى بلغتم علوا كبيرا ، ارحلوا من بلادنا ، هذا هو الحل الوحيد لكم ولأمنكم وحياتكم ، ارحلوا من أوطاننا وانسحبوا مما سرقتم وفعلتم فهذا هو طريق النجاة الوحيد أمامكم ولن تنفعكم كثرة الجيوش ولا المعدات الأمريكية المتطورة ولا الأنظمة الذكية ولا سعة استخباراتكم ولا عملاؤكم ، ارحلوا من بلادنا وانصرفوا إلى ظل ذي ثلاث شعب فلا ظل في بلادنا يغني من اللهب ، هذا هو القانون الوحيد الذي يمكن أن يمنحكم فترة بقائكم في هذا الكون .
هذه أرض فلسطين التي باركها الله والتي تتقدس الأشياء فيها طهرا ونورا من رب عظيم ، إنها شكل من أشكال الطاقة النورانية اللطيفة التي تشفي المرضى وتعيد إحياء الموتى وتمنح رخصة الجنة وتعيد عمارة الأرض والإنسان وتسقي القلب العطشان ، إنها حيث أسطورة الزيت الذي يضيء ولو لم تمسسه النار ، ونار المقاومة أشد ضياءا وأقدس وهجا ، ومن لا يعرف معنى هذه العبارة أو لا يفهم القوة الكونية فيها فهو لا يعرف عن القضية الفلسطينة شيئا ، كل ابن من أبناء فلسطين سيكون مرشحا لأن يكون رسولا جديدا يبعث الحرية والأمل لأمة العرب والمسلمين بأكملها .
لقد أرسلت النجوم النذر وأُفلِتت ملائكة العذاب من معاقلها وأيامكم معدودة وبقاؤنا طويل وأبناء فلسطين هم من سيحرر كامل هذه الأمة منكم ، وما الله بغافل عما تعملون !
*كاتب فلسطيني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر