الثلاثاء , يونيو 16 2026
الرئيسية / اراء / معركة قذائفها عدسات الكاميرا ورصاصها الأقلام والأصوات الحرة

معركة قذائفها عدسات الكاميرا ورصاصها الأقلام والأصوات الحرة

د/طارق ليساوي*
كانت توافينا بالخبر من قلب فلسطين منذ عام 1997و لكن أصبحت هي الخبر، ناضلت بالكلمة الحرة و لكن شاءت قدرة رب العالمين أن تخدم القضية الفلسطينية بدمها.. كنا ننتظر أن توافينا بالخبر فور اتضاح الصورة لها .. لكن للأسف الصورة التي وصلتنا هو مشهد اغتيالها برصاص قوة الاحتلال الغاشم، الصورة التي وصلتنا هو مشهد الاغتيال المتعمّد والإعدام بدم بارد للصّحافيّة الفلسطينيّة “شيرين أبو عاقلة” أثناء تغطيتها الاقتحام الصهيوني لمخيم جنين صباح يوم الأربعاء 11-05-2022 .. إنها الراحلة و الشهيدة “شيرين أبو عاقلة” ابنة القدس وشهيدة القدس والتي ارتبطت صورتها وارتبط صوتها وارتبطت ملامحها بالقضية الفلسطينية منذ ظهورها أول مرة على شاشة قناة الجزيرة و حتى نعيها هذا الصباح الحزين… كانت شيرين أبو عاقلة صوت القدس وصوت مأساة القدس منذ سنوات ولم نلمس منها تبشيرا لديانتها المسيحية ولم نلاحظ عليها مسا بالدين الإسلامي، فهي ابنة القدس. كانت تغطيتها لأحداث المسجد الأقصى وتغطيتها لكنيسة القيامة بنفس العاطفة والانتماء، وكانت مرارة حزنها على القدس بكل مكوناتها الدينية هي ذاتها، فالجلاد واحد والمعركة واحدة والاحتلال واحد، فاالعدو الصهيوني يكشف من خلال هذه الجريمة البشعة عن وجهه الحقيقي الذي يسعى لإسكات صوت الحقيقة ولا يستثني من استهدافه الإجرامي أحدًا من أبناء الشعب الفلسطيني رجلًا كان أم امرأة أم طفلًا أو شيخًا، وسواء كان صحفيًّا يلبس سترته الإعلاميّة أو غيره من المدنيين من أبناء شعب فلسطين…
و بهذه المناسبة الأليمة أتقدم بصفتي الشخصية و الأكاديمية و الإعلامية و بصفتي مواطن مغربي وعربي و مسلم … بأحر التعازي لعائلة الشهيدة الفقيدة شيرين، وللأسرة الإعلامية في كل أنحاء الأرض، و تحية لكل الاصدقاء و الإخوة في ارض فلسطين و خارجها سائلا المولى عز وجل أن يتغمد الشهيدة بواسع رحمته وأن يتقبلها سبحانه و تعالى ضمن قافلة الشهداء، كما أرجو الله أن يمن بالشفاء على مصور الجزيرة الذي كان يرافق الشهيدة وتعرض بدوره لمحاولة قتل وهو يرقد الآن بالمستشفى…كما أدين جريمة الاغتيال و الإعدام مع سبق الاصرار و الترصد التي نفذها الاحتلال الصهيوني بدم بارد ، و أطالب الحكومة المغربية بقطع علاقاتها مع إسرائيل و اتخاذ موقف صارم من مثل هذه الانتهاكات الجسيمة..
و الغريب أنه في هذا اليوم أعلنت على صفحتي الرسمية عن إطلاق الموقع الرسمي على شبكة الانترنت “إقتصاد ×سياسة” ، كما قررنا إعادة إطلاق المشروع الإعلامي الذي توقفت حركته نتيجة لموقفنا من العدوان على غزة 2013، و انتقالنا من القمر الصناعي نايل سات إلى القمر الصناعي ياه سات ، لكن نتيجة لإندلاع جائحة كورونا و رحيل المدير المفوض و المكلف من مجلس الإدارة بالتفاوض مع شركاء الشركة في الخارج..و قد عدنا لأننا ندرك أهمية الإعلام و دوره الحيوي في صناعة الوعي و الدفاع عن قضايا الأمة العادلة، فالمعركة لم تعد معركة سلاح بدرجة أولى ، بقدر ماهي معركة بعدسات الكاميرا ، و الأقلام الحرة و الأصوات المناضلة…
و ربما شاءت الأقدار أن يكون إستشهاد هذه السيدة و لايهمنها دينها ، فهي أغتيلت من أجل الإنسانية جمعاء و الله سبحانه و تعالى يقول في محكم كتابه : (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَٰتِلُونَ فِى سَبِيلِ ٱللَّهِ وَٱلْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ ٱلرِّجَالِ وَٱلنِّسَآءِ وَٱلْوِلْدَٰنِ ٱلَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَآ أَخْرِجْنَا مِنْ هَٰذِهِ ٱلْقَرْيَةِ ٱلظَّالِمِ أَهْلُهَا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَٱجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا) و هذه السيدة قتلت بأيدي الغدر الصهيوني و هي تدافع عن المستضعفين في أرض فلسطين، و لا يهم ديانتها ، و لا حاجة لنا بهذه النقاشات الجانبية التي تدعمها و تعمقها “الصهيو-ماسونية”، فالبعض اليوم يناقش هل هي في الجنة أم في النار ، و لا يناقش أن السيدة دفعت حياتها ثمنا للدفاع عن كلمة الحق، فهي شهيدة الحق و الصدق و الحقيقة، شهيدة النبل و العدل ، شهيدة القضية الفلسطينية و القدس الشريف ، شهيدة المسجد الأقصى مسرى رسول الله محمد عليه الصلاة و السلام ، ، القدس و الأقصى و فلسطين التي خانها كثير من العرب و المسلمين، خانوها بالصمت أحيانا و بالتآمر أحيانا أخرى و بشهادة الزور في أحيان أخرى ، بل و بلسان بعض علماء الدين الذين لا هم لهم إلا المتشابه و سفاسف الأمور…
أعتبرها شهيدة بإذن الله تعالى ولا يهمني دينها، ونأمل من المولى عز وجل أن يحشرها مع السيدة مريم الصديقة وما ذلك على الله بعزيز، خاصة وأن الله عزو جل هو من قال لنا في محكم كتابه: (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ)..
وأعتقد بدلا من هذه النقاشات التي تعمق الفرقة كان أحرى بنا الوقوف عند هذه الأية الكريمة وتحليل مضمونها بدقة، والعمل على ربط أواصر التعاون والتقارب مع إخواننا المسيحيين، وإعلان تحالف تاريخي معهم خاصة وأن القران الكريم و السنة النبوية الشريفة أعطى للمسلمين هامش للحركة و قاعدة للحوار و التعاون و التعايش، ألم يأمر الرسول عليه الصلاة و السلام مستضعفي المسلمين عندما ضيق عليهم مشركي قريش الخناق في مكة بالهجرة إلى الحبشة عند ” النجاشي” ووصفه عليه الصلاة و السلام ب”الملك العادل” و الحبشة في ذلك الحين تدين بالنصرانية و الملك نصراني…
و كان حري بنا كمسلمين بناء تحالفات مع مسيحي العالم و كسر التحالف الصهيو-مسيحي، فقد تركنا للكيان الصهيوني فرصة لتقوية تحالفه مع العالم المسيحي و الغربي ، و كان من الأولى فتح حوار سياسي على المستوى الشعبي و الرسمي ، لتقريب وجهات النظر على الأقل في القضية الفلسطينية ، خاصة و أن المسلمون يؤمنون بعودة المسيح عليه السلام و صلاته خلف إمام المسلمين كما أخبرنا النبي عليه الصلاة و السلام..
خاصة و أنه على أرض فلسطين ستكون المعركة الحاسمة و الفاصلة و الفارقة بين الحق و الباطل، و ساحتها و أدواتها في عصرنا و في القادم من السنوات الإعلام ، و هنا أوجه دعوة مفتوحة لأغنياء الأمة و نخبها ، إلى ضرورة توجيه استثماراتهم و قدراتهم بإتجاه سد هذا الثغر، فهو باب من أبواب الإنفاق في سبيل الله …
و قد كتبت قبل أيام تدوينة على صفحتي الشخصية بعنوان ” أحسد الغرب على أغنياءه” و قلت فيها : ” على خلفية شراء إيلون ماسك” للأغلبية أسهم شركة تويتر ب حوالي 40 مليار دولار ..و مما جاء في خاطري قبح الله عجزنا ..و ماذا لو كان هذا الرجل مسلما و مؤمن بالاسلام كما هو مؤمن بمشروعه الحالي..؟
بصراحة و أنا أتابع الاتفاق الذي تم بين حكومة أخنوش و النقابات .. قلت في نفسي لو ان لي ربع قيمة الصفقة لقمت بتقديم عرض لحكومة أخنوش اشتري منها وسائل الإعلام العمومية بل و حتى الخاصة التي تتبع لأخنوش صاحب ثروة 4 مليار دولار و مع ذلك إشترى الاحزاب و النقابات و الشعب و الاعلام و البر و البحر و الهواء ..
و اعتبر ذلك صدقة جارية لأن تغيير محتوى هذا الاعلام كفيل بتغيير حال المجتمع برمته .. لكن للأسف، أغلب اغنياء المسلمين ليس لهم رسالة سامقة في الحياة و ليس لهم همة عالية مقارنة بأثرياء الغرب .. فأغنياء الأمة اغلبهم غثاء و تطلعاتهم محدودة للغاية.. فلو عملوا بحديث النبي محمد صلى الله عليه وسلم و الذي يقول فيه: حديث ابن مسعود رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال: ” لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالا فسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله حكمة فهو يقضي بها ويعلمها” (متفق عليه)..لو عملوا اغنياء الأمة و علماؤها بهذا المعنى الوارد في الحديث لتغير حال الأمة..
و هنا أطرح سؤال ما موقع أغنياء الأمة و أذكيائها و كفاءاتها من هذه المعركة الحامية الوطيس؟ لماذا لا يتم تكثيف الجهود و توحيد طاقات الأمة لإنشاء منصة إعلامية منافسة لتويتر و الفايسبوك؟
فالفيسبوك و هو منصة شعبية أصبح يحظر منشوراتنا و أراءنا ذات الصلة بقضية فلسطين و القدس الشريف، فمنذ منتصف رمضان و أنا محظور من النشر و لمدة شهرين لأني سبق لي و أن نشرت صورة للشيخ أحمد ياسين رحمه الله، و يتم إخباري بحذف الحساب و الصفحة عندما قمت تكرار نشر صورة لزعامات المقاومة في القدس و غزة ، و الذين يعتبرهم الكيان الصهيوني زعامات إرهابية …
أيها الإخوة و القراء الكرام ، إن فقركم أو غناكم مستقبلا، قوتكم أو ضعفكم ، نصركم أو هزيمتكم، تقدمكم أو تخلفكم ، غثائيتكم أو نهضتكم، عزكم و ذلكم سيكون من ثغر الإعلام…
و أعتقد أن الأمة فيها شرفاء و مجاهدين حقا و حقيقة ، فيها رجال و نساء ذوي مروءة و غيرة ، الأمة فيها كفاءات مبدعة ، لكنها في حاجة إلى الدعم و الاستثمار الذكي..و ينبغي توجيه هذه الكفاءات و الأموال المهدرة في الإعلام الفاسد بإتجاه هذا الباب و هذه الجبهة بكل الإمكانيات المادية و اللوجيستيكة و البشرية ، وإذ ندين و نتألم لإغتيال السيدة “شيرين أبو عاقلة” ، ينبغي لرحلة شيرين أن تستمر ، فالأمة في أمس الحاجة لجيش من الإعلاميين ..و من جانبنا كمغاربة و كمالكين شرعيين و تاريخيين لأراضي بمدينة القدس و أجدادنا لهم أوقاف بالقدس الشريف و أحياء المسجد الأقصى ، فإننا مطالبين بالدفاع عن إرث الأجداد و عن دماءهم التي سفكت من أجل تحرير القدس من قبضة الغزاة، و لعل حرصنا على التركيز و الإستثمار و إنفاق الجهد و المال من أجل و ضع لبنات إعلام حر و نزيه و هادف هو جزء من إيماننا بقدسية القضية الفلسطينية ..
و للأسف، خروج من يقول بأن القدس و فلسطين ليست في سلم أولوياتنا كمسلمين وعرب هو نتاج لعملية غسيل المخ و التي نجح فيها الصهاينة كما نجحوا في عملية الغسل السياسي و الاقتصادي و التاريخي، و ذلك بتواطؤ مع أنظمة سياسية عميلة ضيعت الأوطان مقابل الحفاظ على الكراسي و المكاسب..
فلسطين والقدس هي قضية كل مسلمي العالم بل قضية كل الأحرار، و الحق العربي و الإسلامي لا يمكن إنكاره و من يفكر في غير ذلك فهو ينفذ أجندة الصهيونية ، لذلك المعركة حول فلسطين و القدس، ليست معركة يحسمها السلاح و إنما هي معركة وعي و إدراك لطبيعة النزاع، فهو نزاع ديني بين عقيدتين إحداهما لازالت تحتفظ بصفاءها الرباني، و أخرى حُرِفت و تحكم فيها الهوى البشري ، فنصرة القدس و الانتصار لها هو بخلاصة انتصار للعدل و للحق، و للأمل في غد تخرج فيه الإنسانية من ظلم الاستبداد و وجور الهيمنة و العبودية الاقتصادية والسياسية إلى رحابة وسماحة وعدل الإسلام… رحم الله شرين أبو عاقلة و ما أشد حاجتنا لنساء من طينتها شريفات عاقلات مناضلات من أجل الحق و العدل و الكرامة، رحم الله شرين و أسكنها فسيح جناته فهو على كل شيء قدير…و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لايعلمون..

*إعلامي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي. أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

مصيبة العرب في تفكيرهم وتدبيرهم!

محمد المعموري* لا اعلم لماذا علي دائما الوم نفسي كعربي و “أُعزِي” كل ما مر …