اسيا العتروس*
قد تكون الصدفة وحدها شاءت ان يتم اطلاق سراح فوساكو شيغينوبوالمرأة اليابانية المتمردة التي حملت القضية الفلسطينية مبكرا في دمها و فكرها بعد نحو اسبوعين على جريمة الاغتيال البشعة التي استهدفت الصحفية الفلسطينية شيرين ابو عاقلة برصاص الاحتلال الاسرائيلي على ابواب مخيم جنين الفلسطينية..
بين الاسمين جيلان اما الاولى فهي قادمة من اليابان البلد الذي دمر تدميرا كاملا خلال الحرب العالمية الثانية و التي ستنخرط لاحقا في ما كان يعتبر بالتضامن الدولي اليساري للقضايا العادلة و اما الثانية فهي ابنة القدس التي قدمت حياتها و مسيرتها ثمنا لوطن لا يزال يناشح الحرية منذ عقود ..بين المسيرتين الاولى لشيرين ابوعاقلة و هي مسيرة قصيرة و لكنها ملحمة بطولية في كسر شوكة الاحتلال الثانية لليابانية فوساكو شيغينوبو التي يمكن مقارنتها بالمناضلة الفلسطينية ليلى خالد فهما من نفس الجيل و كل شيء يؤشر الى انمها تقتسمان معا الكثير من الاهداف و الطموحات و هي فوق كل ذلك تجربة جديرة بالمتابعة لنقل شهادتها ودورها في صفوف الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين و لكن ايضا لفهم تطورات الاحداث بعد نحو نصف قرن من الزمن و تداعيات ذلك على القضية الفلسطينية في ظل التحولات المتسارعة في العالم و انصراف المجتمع الدولي و النظام الدولي الى التخلص اكثر و اكثر من كل الاتفاقات التي خرج بها المجتمع الدولي و صناع القرار فيه غداة الحرب العالمية الثانية و اسقاط الكثير من الحسابات و تبني اخرى لا موقع لها في المواثيق و المعاهدات الدولية التي تقر بحق كل شعوب الارض في الحرية و العدالة..
وهي الاهداف التي حركت اليابانية فوساكو شيغينوبو وجيلها الرافض لحرب فيتنام و لغيرها من الحروب .. و لو اننا حاولنا تتبع مسيرة فوساكو شيغينوبو سنجد أنها اسم لم يتعوده الاعلام ولكنه سيعود الى الاضواء بعد عقدين قضتها صاحبته وهي التي لقبت بالملكة الحمراء و عرفت بامبراطورة الارهاب خلف القضبان ..
انها حكاية مثيرة في تفاصيلها و تطوراتها ولكنها جديرة بالتأمل والتقييم بالنظرالى دورهذه المرأة اليابانية التي أرعبت في سبعينات القرن الماضي الاستخبارات الدولية و روعت الاسرائيليين وهي الطالبة المتمردة التي سيقترن اسمها بكل من غسان كنفاني ووديع حداد القيادي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطيني الذي توفي في المانيا و اقرالموساد لا حقا باغتياله بتسميم الشوكولاته التي كان يحبها يقترن كذلك باسم الفنزويلي كارلوس الذي يقضي حكما بالسجن في فرنسا ..وستقع مطاردتها و سجنها قبل اطلاق سراحها قبل أيام وقد تجاوزت السبعين من العمر فكان أول ما صرحت به انها طلبت الصفح ممن تسببت لهم في الاذى.. قالت ذلك دون ان تسقط الكوفية الفلسطينية التي تزينت من كتفيها ودون ان تنكر حق الفلسطينيين في الكرامة بل هي اعتبرت ان ما قام به جيلها جعل اليابانيين يعرفون الكثير عن القضية الفلسطينية و يدعمونها وهذا مهم جدا في عالم أدار ظهره للفلسطينيين و تخلى عن دعمهم في اعتى المواجهات التي تسجل اليوم في القدس و حول الاقصى مع مسيرات الأعلام الاسرائيلية الاستفزازية لتدنيس المقدسات بدعن وغطاء من قوات الاحتلال ..
ولدت فوساكو الطالبة اليابانية المتمردة في نفس الشهر الذي وقع فيه اليابان رسميا وثيقة الاستسلام للجيش الامريكي في سبتمبر 1945 و بعد عقدين ونصف ستعلن عن تاسيس ما سيعرف بالجيش الأحمر الياباني انطلاقا من بيروت حدث ذلك فيما كان العالم يعيش على وقع حرب فيتنام وكانت المنظمات اليسارية تتسع وتعلن تضامنها مع القضايا العادلة المنسية.. استعادت حريتها بعد عشرين عاما قضتها في السجن …تم ايقاف فوساكو سنة 2000 في اليابان و بعد سنة واحدة اعلنت من سجنها حل الجيش الاحمر الياباني ..
كانت فوساكو تدعو الى الثورة العالمية من خلال الكفاح المسلح، وكانت وراء عمليات احتجاز رهائن في هولندا..و يعتقد انها وراء التخطيط لعملية مطار اللد في تل ابيب .. الصدفة قادتها وهي طالبة الى النضال من اجل القضية الفلسطينية التحمت بعدد من القيادات الفلسطينية و اختارت ارض لبنان لتكون في قلب المعركة بعد بسلسلة احتجاجات و تحركات طلابية على حرب فيتنام ..تقول في كتابها الذي وضعته لابنتها في السجن تحت عنوان “قررت ان الدك تحت شجرة التفاح “انها في البداية، لم تكن مؤيدة للعرب أو معادية لإسرائيل. لكن في ذلك الوقت كان للقضية الفلسطينية صدى فينا، نحن الشباب الذين عارضوا حرب فيتنام والذين كانوا متعطشين للعدالة الاجتماعية…انتهى زمن الجيش الاحمر و رحلت قيادات و بقيت قيادات و الاكيد أنه لدى الملكة الحمراء الكثير من الاسرار التي يمكن أن تبوح بها و التي يمكن أن تشكل منطلقا لتصحيح المسار و اعادة النظر في الكثير من المحطات بشأن القضية الفلسطينية لجمع الاوراق المبعثرة .. بين شيرين ابو عاقلة والملكة الحمراء حكاية لم تكتب بعد سيكون من المهم ان تقدم للاجيال الراهنة بكل لغات العالم عن قضية كانت حتى الامس القريب عنوانا للتضامن الدولي الانساني العابر للحدود …
*كاتبة تونسية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر