السبت , مارس 21 2026
الرئيسية / اراء / هل ستجتاح المجاعة العالم قريباً؟

هل ستجتاح المجاعة العالم قريباً؟

عميرة أيسر*
تعتبر أوكرانيا من الدول القليلة التي عرفت واحدة من أسوء الكوارث البشرية التي قضت على الملايين من أبناء الشعب الأوكراني، فيما عرف بكارثة الهولدومور والتي تعني المجاعة الكبرى عند الأوكرانيين، إذ أنه وفي فترة حكم جوزيف ستالين، اتبع سياسة قمعية تسلطية من سياسات العقاب الجماعي ضدّ الشعب الأوكراني الذي تمرد على أوامر الاتحاد السوفياتي ما بين سنوات 1932-1933م، وذلك عندما رفض الأوكرانيون التنازل عن أراضيهم للاتحاد السوفياتي في مقابل السماح لهم بالعمل في المزارع الجماعية، وهذا ما أثار غضب ستالين، الذي منع عنهم الدواء والغذاء وكانت هناك لجان تفتيش يقودها مسؤولون من الدولة، تقوم بمصادرة كل ما تجده من مؤن و أغذية عند الفلاحين، وتمنع عنهم التنقل للقرى المجاورة من أجل التبضع أو الحصول على الطعام، وهذا ما أدى إلى هلاك الكثير من الأوكرانيين جوعاً، بالإضافة إلى ذلك فإن الكرملين قد طبق نفس سياسة التجويع الجماعي والنفي إلى سيبيريا ضدّ كل معارض لسياساته الاشتراكية أو رفض التخلي عن معتقداته الدينية، وتبنى الفكر الستاليني الشيوعي الالحادي، وراح ضحية تلك السياسات القمعية التي تشبه سياسات الأرض المحروقة التي طبقها بوتين في حرب الشيشان الثانية، أزيد 4مليون ضحية. كما ذكر موقع BBCعربي، بتاريخ 13فيفري/شباط 2022م، في مقال بعنوان (روسيا وأوكرانيا: ذكريات المجاعة التي راح ضحيتها أكثر من 4 ملايين أوكراني تؤجج الضغينة حيال موسكو).
ورغم مرور أكثر من 90سنة على تلك الفاجعة التاريخية التي تعتبر من النقاط السوداء العالقة في الذاكرة الجماعية للأوكرانيين، إلا أن الغزو الروسي لأوكرانيا وما خلفه من دمار هائل في البنى التحتية، ومصادرة وحرق آلاف الهكتارات من المحاصيل الزراعية، والحصار البري والبحري والجوي الذي تفرضه القوات الروسية على أوكرانيا، قد ساهم في ايقاض العديد من الهواجس لدى الملايين من الأوكرانيين، الذين باتوا يخشون من تكرار نفس السيناريو المرعب، والذي لن يقف عند حدود أوكرانيا، بل سيمتد ليشمل العديد من الدول، بعد إعلان الكرملين بأن روسيا ستحتفظ بمخزونها الاستراتيجي من القمح لتمويل المجهود الحربي، وبالتالي فإنها لن تقوم بتصديره للدول الصديقة، وامتناع دول كبرى كالهند التي تعتبر من أهم الدول المصدرة للقمح عن تصديره للعالم الخارجي، وذلك خشية حدوث تطورات دراماتيكية في الحرب الروسية الأوكرانية، وهذا ما كان له انعكاسات سلبية على سوق الحبوب العالمي، فالارتفاع في سعر القمح والذرة و بذور عباد الشمس في الأسواق الدولية، وتهافت الدول على شراءها وتخزينها، قد أدى لارتفاع سعرها، إذ وصل سعر الطن الواحد من القمح لحوالي 435 يورو (453دلار) مع افتتاح السوق الأوروبية، حيث زاد سعره بنسبة 40 بالمائة خلال ثلاثة أشهر، وتعرف سوق إنتاج الحبوب حالياً توتراً كبيراً بسبب مخاوف من ظاهرة الجفاف التي من المحتمل أن تضرب جنوب الولايات المتحدة الأمريكية، وغرب أوروبا، حيث يؤكد العديد من الخبراء في أمريكا بأن انتاج القمح الأوكراني سينخفض بمقدار الثلث لعام 2022-2023م. كما ذكر موقع DW، بتاريخ 16ماي/ أيار 2022م، في مقال بعنوان ( أسعار القمح ترتفع بشكل صاروخي ومليون طن عالقة في مرافىء الهند).
فانخفاض إنتاج هذه السلع الاستراتيجية التي تعتبر من أهم مقومات الأمن الغذائي العالمي، سيؤدي لارتفاع الطلب عليها وإلى ندرتها في الأسواق الدولية، مما قد سينجر عنه حدوث مجاعات قد تضرب العديد من الدول، وخاصة تلك التي تنتمي لدول العالم الثالث، بما فيها الدول الأفريقية والعربية التي تعتمد اعتماداً شبه كلي على استيراد القمح والشعير والذرة و بذور عباد الشمس من دول كروسيا أوكرانيا و الهند وأمريكا، وامتناع هذه الدول عن تصديرها، بالإضافة للارتفاع الصاروخي في ثمنها، قد يدفع شعوب هذه الدول للثورة على حكامهم ومهاجمة مراكز تخزين تلك الحبوب، أو نقاط بيعها، مما سيستدعي تدخل قوات الأمن، وهذا ما قد تكون له عواقب وخيمة على الأمن القومي ككل، وربما قد تدخل تلك الدول في دوامة من الحروب الأهلية، وهذه المرة ليس من أجل إسقاط الأنظمة، أو من أجل مطالبتها بإحداث تغييرات عميقة في بنية الدولة، بما يضمن إرساء قواعد الديمقراطية التشاركية، وحقوق الإنسان والمساواة، بل سيكون الدافع الرئيسي لتلك الثروات، هو الجوع، وهي الفرصة التي قد تستغلها الولايات المتحدة الأمريكية لصالحها، حيث من الممكن أن تقوم بتخيير هذه الدول بين أن تتركها لقدرها المحتوم، أو تقديم مساعدات مالية وغذائية لها في مقابل تنفيذ أجندات السّياسة الأمريكية بحذافيرها، وهي نفس السّياسة الغذائية التي اتبعتها في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي، وذلك في إطار الحرب الباردة، حيث استغلت الولايات المتحدة الأمريكية الأزمة الفلاحية، التي عرفها الاتحاد السوفياتي بعدما انخفضت صادراته من الحبوب أنذاك، وحاجة العديد من البلدان الاشتراكية، وتلك التي تنتمي لأنظمة دول عدم الانحياز للغذاء، و فرض رؤساءها كلندون جونسون وخلفه نيكسون و جيرالد فورد، بيع القمح لتلك الدول في مقابل قبولها بعدّة شروط مجحفة، كان من بينها التخلي عن التحالف أو الصداقة مع الاتحاد السوفياتي وترك النظام الاشتراكي والتحول للنظام الرأسمالي، واتباع السّياسات الأمريكية، وعدم الاعتراض عليها، ودعمها والاشادة بها في المحافل الدولية.
فهذه السّياسة لم تعد مقتصرة على الولايات المتحدة الأمريكية، بل إن دولاً كالصين وروسيا أعداء واشنطن التقليديين، باتوا هم كذلك يستعلمون ورقة الغذاء كسلاح فعال لإقناع الدول التي تعاني نقصاً في إنتاجه، و لم تستطع تحقيق الاكتفاء الذاتي في إنتاج الحبوب كالقمح والشعير، باتباع سياساتها، واقناعها بضرورة تسهيل حصولها على امتيازات سياسية واقتصادية وعسكرية في مقابل موافقتها على بيعها للقمح أو غيره من الحبوب التي تدخل في العديد من الصناعات الغذائية، مع تأكيد الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيرش بأن الأوضاع تزداد سواءً مع استمرار الحرب الروسية على أوكرانيا، حيث قال: في تصريح صحفي ” نشعر بقلق بالغ من نقص الغذاء، وزيادة خطر الجوع في أجزاء مختلفة من العالم، بسبب الوضع المأساوي نتيجة الحرب في أوكرانيا”، وخلال اجتماع وزاري حول الجوع بمقر الأمم المتحدة في نيويورك شدّد غوتيرش على أن الحرب قد أدت لتفاقم انعدام الأمن الغذائي في الدول الفقيرة بسبب ارتفاع الأسعار، وأضاف ” بأنه خلال عامين فقط، فقد تضاعف عدد الأشخاص الذين يعانون من انعدام الأمن الغذائي الحادّ، قد تضاعف من 135 مليون قبا بدء الجائحة إلى 276 مليوناً اليوم. كما ذكر موقع العربي، بتاريخ 19ماي/أيار 2022م، في مقال بعنوان (ستستمر سنوات، غوتيرش يحذر من مجاعة بسبب الحرب في أوكرانيا).
بالإضافة إلى كل ذلك، فإنّ التغيرات المناخية التي ستسهدها المعمورة خلال السنوات القادمة، وزيادة نسب التلوث، وذوبان الجليد في القطب الشمالي، و انتشار الجفاف، ومشاكل انحراف التربة، وخاصة في دول مثل الصومال ومصر والسودان بسبب انخفاض منسوب مياه نهر النيل، و ظاهرة التصحر التي تشهدها العديد من الدول الأفريقية وحتى الأسيوية، بالإضافة إلى كثرة الزلازل التي تؤثر سلباً على المياه الجوفية وتؤدي إلى تسربها في الطبقات الداخلية للأرض، كلها عوامل طبيعية وجيولوجية، سيكون لها تأثير سلبي على انخفاض معدلات الانتاج الزراعي والغذائي، فالحرب الروسية الأوكرانية والتي ستتوسع رقعتها مستقبلاً، مما يعني انضمام ارتفاع عدد الدول التي ستعاني من انعكاساتها السلبية، خاصة إذا دخلت دول زراعية وصناعية كبريطانيا وفرنسا وألمانيا هذه الحرب إلى جانب أوكرانيا.
وهذا ما يعني توقف هذه الدول عن تصدير منتجاتها الزراعية والغذائية، مما سيجعل الحصول عليها صعب المنال، ولن تنجو من المجاعة الكبرى القادمة، إلاّ تلك الدول التي لها سياسة زراعية استراتيجية تعتمد على امكانياتها الذاتية، وكوادرها الوطنية، واستطاعت تسخير التكنولوجيا الزراعية الحديثة، وتوظيفها لتحقيق الاكتفاء الذاتي، وزيادة منتوجها الفلاحي، أما بقية الدول التي اعتمدت على الاستيراد لتأمين حاجياتها مستلزماتها الغذائية فإنها ستعيش أزمة غذائية حادة، قد تؤدي لتفككها وانقسامها في نهاية المطاف.
*كاتب جزائري

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

متى يفيق“مخمور” البيت الأبيض؟

  محمد أحمد سهيل المعشني* ​لم يعد الصمت “حكمة”، ولم يعد التريث “دبلوماسية” في يومٍ …