حسن محمد حمدان
ترددت في الآونة الأخيرة تساؤلات حول مدى استمرار هيمنة الدولار الأمريكي على التعاملات المالية في النظام المالي العالمي، انطلاقا من المخاوف الاقتصادية المرتبطة بهذه الهيمنة والتي ظهرت بشكل واضح مع الأزمة العالمية المالية 2007-2008، وانتهاءاً بالحرب الروسية الأوكرانية، والتي أعادت الجدل حول إمكانية طرح البديل عن الدولار في التعاملات المالية العالمية، وبالتالي الحد من هيمنة الدولار على هذه التعاملات.
لقد كنت الأزمة الاقتصادية 2008 جرس انذار للتفكير في موضوع الدولار نتيجة تأثير الأزمة فيه،
ولكن الذي سارع في ذلك هو استفزازات ترامب وعقوباته، فإن السياسة الجديدة التي انتهجتها إدارة ترامب قد سرعت من توجه الدول الكبرى الأخرى للحد من هيمنة الدولار الأمريكي عالمياً، فقد قاربت إدارة ترامب من عدم الاعتراف بمصالح الدول الأخرى؛؛حيث طالب الدول الأوروبية بالدفع و بأثر رجعي لقاء الحماية العسكرية الأمريكية، وأطلق شرارات قوية تهدد بإشعال حرب تجارية مع الصين، وطالب اليابان وكوريا الجنوبية بالدفع لقاء الحماية من صواريخ كوريا الشمالية، وفرض عقوبات على إيران جعلها تشمل أي شخص يستخدم دولارات لشراء النفط الإيراني، ولأن الصين أكبر مستورد للنفط في العالم؛ كان تصرفات إدارة ترامب هو الذي حفزها على اتخاذ اجراءات لوقف استخدام الدولار خاصة وأنها في حرب تجارية مع الولايات المتحدة الأمريكية، ففي آذار 2018 أطلقت بورصة شنغهاي للعقود الآجلة أول عقودها الآجلة المفتوحة للمستثمرين الأجانب، وكان هذا العقد هو نفط آجل مقوماً باليوان، ليكون منافساً لعقود برنت وwtl المقوم بالدولار والتي تستعمل بمثابة المعايير الدولية الحالية.
وفي عام 2009 اقترح الرئيس الروسي (ميدفيديف) عملة عالمية جديدة في اجتماع مجموعة الثماني في لندن، ثم اتخذت روسيا نتيجة العقوبات إجراءات كمثل تقليص حيازتها لسندات الخزينة الأمريكية، فقد كانت في سنة 2008 /223 مليار ثم اصبحت ما يقارب 100 مليار في 2017، وعلى وقع العقوبات على روسيا تخلصت روسيا من معظم ما لديها من سندات من 2018 حتى أصبحت 14.5 مليار في تلك السندات حتى 2019، كما أعلنت موسكو استبعاد الأصول الدولارية من صندوقها السيادي الرئيسي والذي يبلغ قيمته حوالي 186 مليار دولار.
أما بالنسبة لمواقف بعض التكتلات الدولية كمثل الاتحاد الاوروبي :-
ففي عام 1999 ظهر اليورو وحل كعملة بديلة عن العملات المحلية لدول معينة في الاتحاد الأوروبي، ابتداء من عام 2002 وأصبح يحاول منافسة الدولار فإن وراءه دولاً قوية كألمانيا وفرنسا ويلحق بها دول صناعية غنية، ودخل اليورو كاحتياطي في البنوك المركزية الدولية بنسبة تصل 20-23% وهذه نسبة كبيرة لعملة قامت حديثاً، ولكن اليورو تقف عقبات كبيرة جداً تحول دون سيطرته على الاقتصاد العالمي منها ضعف النفوذ السياسي والاقتصادي والعسكري أمام أمريكا، فضلاً عن كون الاتحاد في مرحلة الدفاع عن نفسه، فضلاً عن خروج بريطانيا منه وصعود الحركات الانفصالية، وآثار حرب أوكرانيا وظهور عجز أوروبا في مجريات تلك الحرب بشكل مُلفت وكبير.
لقد كتب روبن وويجلزورث ويولينا ايفانوف تقريراً في صحيفة الفايننشال تايمز البريطانية تحت عنوان “الحرب المالية هل سيكون لها انعكاس عنيف ضد الدولار” حيث أعتبر الكاتبان ( يعد التطرق إلى انعكاسات الحرب الأوكرانية وما شهدته من عقوبات ضد موسكو؛ أن فاعلية العقوبات الاقتصادية المفروضة من قبل الولايات المتحدة وحلفائها مرتبطة أساسا بهيمنة الدولار على النظام المالي كعملة أساسية في تسوية المدفوعات وحركة الأموال و كإحتياطي لدى البنوك المركزية حول العالم، كما أن مثل هذه العقوبات المتمثلة في فرض قيود على التعامل بالدولار من شأنها أن يكون لها تأثير عكسي على وضع الدولار في النظام المالي العالمي، وتدفع إلى إيجاد أطر ونظم بديلة للمعاملات قد تؤدي في النهاية إلى الاضرار بواشنطن، فمن شأن التوسع في هذه العقوبات بأن تدفع روسيا والصين إلى حرمان واشنطن من أدوات القوة التي تلوح بها في مثل هذه العقوبات من خلال تبني المبادرات الرامية إلى إلغاء الدولار من تعاملاتها الاقتصادية وبناء مؤسسات وهياكل مالية للحماية من هذه العقوبات، فقد قامت روسيا ببناء خطين متوازيين في اتجاه (الغاء الدولار) بإيجاد قنوات وأطر للمدفوعات الدولية غير معتمدة على الدولار، والثاني وهو خفض استخدام الدولار كعملة للاحتياطي النقدي الأجنبي بشكل تدريجي؛ حيث بدأت موسكو في اجراءات للحد من آثار العقوبات الاقتصادية المفروضة عليها منذ عام 2014 بتأسيس آليتين ماليتين لتمكينها من التغلب على هذه العقوبات، والقيام بمعاملاتها بعيدا عن نظام (السويفت)، والآليتان هما:- نظام المدفوعات المالي الروسي المستقل والذي يعمل كبديل عن منصات الدفع المعروفة مثل فيزا وماستركارد، والثاني نظام التحويلات المالية كبديل عن نظام السويفت.
وفي ختام المقال أشار الكاتبان إلى المساعي الروسية لتقليل أو إلغاء اعتمادها على الدولار قد لا تكون وحدها كافية لتغيير النظام المالي العالمي، لكن التحالفات مع الدول المختلفة و التنسيق مع الصين لاجراء المعاملات باليوان من شأنه أن يؤثر على مكانة الدولار وهيمنته على المعاملات المالية في الأجلين المتوسط أو الطويل.
فقد رصدت ورقة بحثية أصدرها صندوق النقد الدولي بعنوان تراجع هيمنة الدولار: تنشيط البدائل وصعود عملات الاحتياطي غير التقليدية، حيث التراجع في وضع الدولار الأمريكي نتيجة لاتجاه البنوك المركزية إلى تنويع سلة احتياطياتها النقدية سواء من الذهب أو العملات الأجنبية غير الدولار وأشارت الورقة إلى أن التحول جاء في اتجاهين هما:-
الأول: لصالح اليوان الصيني، والثاني: لصالح عملات غير تقليدية كانت تلعب دوراً أقل أهمية في النظام المالي العالمي مثل الدولار الاسترالي والكندي والوون الكوري الجنوبي، وليس اليورو والجنيه الاسترليني، حيث طرأ ارتفاع دور اليوان الصيني وإن كان لا يزال محدوداً.
إمكانية التخلص من الدولار قرار يحتاج الى إرادة سياسية جادة ومقومات حقيقية:-
من ناحية فكرية نستطيع القول أن الدولار ليس قدراً حتمياً بل هو احتلال لا شك زائل، ولكن المسألة هنا بحث سياسي وليس بحثاً فكرياً؛ بل بحث سياسي يتعلق بجدية الدول وإرادتها، وليس حلماً يداعب العقول، فقوة الدولار نابعة من قوة الاقتصاد الأمريكي وهو الأكبر في العالم ولا تزال أذونات الخزينة الأمريكية واحدة من أكثر الاستثمارات أماناً حتى مع تراجع حصة الدولار، فلا يزال يمثل ما يقرب من 60% من هذه الاحتياطات، وأما مسألة اليوان كعملة بديلة فهناك معوقات أمام هذا الأمر بسبب ضيق أفق الصين السياسي والذي أثر على أفقها الاقتصادي من حيث التنافس، والصراع مع أمريكا وهذا أثر على السياسيات النقدية للصين والقيود المفروضة من قبلها على حرية تداول اليوان من خلال رقابتها الصارمة على اليوان وتدخلها في سعر الصرف ومدى قدرة الصين في جعل العالم يثق بعملتها كعملة احتياط حتى لو استجابت لتبني إصلاحات نقدية كبرى، فلا يزال يتوجب عليها تقديم ضمانات موثوقة بشأن سلامة وسيولة الاحتياط من اليوان، فمثلاً لا يزال تمثيل اليوان في المدفوعات الدولية قليل جداً مقارنة في الدولار %2.15 مقارنة 40% بالنسبة للدولار في شهر أبريل 2022 أما روسيا فإن ضعف الثقة بالروبل فإنه لا يساعدها في حشد دول ذات وزن في اعتماد الروبل كعملة احتياط ولذلك اقصى ما استطاعت فعله هو إجبار الدول على دفع مشترياتها بالروبل فقط فالعالم لا يثق بالروبل ولا يمكنه أن يحل مكان الدولار.
أما اليورو فقد سبق وتحدثنا عن معوقات كونه عملة احتياط عالمية، أما بقية الدول فليست جادة حقيقة في إلغاء الدولار؛ خاصة اليابان التي تدور بالفلك الأمريكي وتحت الحماية النووية الأمريكية فضلاً عن القواعد العسكرية الأمريكية فيها، أما الهند فهي في عهد حزب مودي تابعة للسياسية الأمريكية بشكل لافت وكبير وتعطيها الولايات المتحدة دوراً لجعلها قوة في احتواء الصين كعدو تقليدي قديم، وكذلك تركيا لا ترتقي تحركاتها لاتخاذ قرار سياسي في هذا الاتجاه لأن القرار بالاستقلال الاقتصادي يجب أن يوازيه استقلال بالقرار السياسي.
أما مسألة التنافس بين العملات الرقمية للدول :
فهي من الموضوعات ذات الشأن بموضوع الدولرة، بحث العملات الرقمية المشفرة وامكانية كونها بديلاً للدولار، وفي هذا الإطار نشر أحمد فاروق وفروخ نواز كيالي ورقة بحثية في دورية آسيا والإقتصاد العالمي بعنوان:- هل اتجاه الصين لتبني عملة ورقية يهدد الدولرة، حيث ذكرت الورقة أن الصين اكتسبت ميزة تنافسية في مبادرتها طرح عملة رقمية رسمية في النظام المالي العالمي (اليوان الرقمي) تمكنها من تحصين مساعيها في الترويج لهذه العملة لتصبح خياراً لإجراء المعاملات الدولية و كعملة احتياط في الأجلين المتوسط والطويل.
ولكن هذا الإجراء يتطلب ثقة المستخدمين العالميين في قوة اقتصاد الصين وسياستها الاقتصادية ويتطلب الأمر كذلك استجابة الولايات المتحدة لهذا الطرح، لذا في حال طرحت واشنطن عملة رقمية دولار رقمي في ظل ما تتمتع به من ثقة عالمية وبنية تحتية متقدمة للتكنولوجيا المالية فسوف يعطل هذا الأمر مساعي الصين، فقد أشار المقال المنشور في مؤسسة بروكنجز لمايكل سونج وكريستوفر توماس تحت عنوان (معضلة المبتكر)، والتي تعني ضرورة آن يستجيب شاغل الوظيفة المهيمن لمبدع متمرد يهدد وظيفته، وفي حال توجهت الولايات المتحدة لعملة رقمية وهي الآن تبحث هذا الأمر، فإنها يمكنها معالجة بعض الاختلالات في النظام المالي الورقي بجانب الحفاظ على هيمنة الدولار من خلال معالجة تكاليف المعاملات وتعزيز الشمول المالي.
ومن المتوقع أن تحل عملات البنوك المركزية الرقمية محل النقود تدريجياً، فحالياً تقوم ٨٦٪من البنوك المركزية في العالم بتطوير عملات رقمية خاصة بها، ومن المرجح أن يكون لدى الغالبية العظمى من الدول عملات رقمية خلال الخمس أو الست سنوات المقبلة.
والخلاصة التي يجب التوقف عندها هي :-
إن الحديث حول إلغاء الدولار عاد إلى البحث حديثاً بعد الحرب الروسية الأوكرانية وما شهدته من فرض عقوبات جديدة على موسكو،و رأت الصين خطورة هذه العقوبات نتيجة سيطرة الولايات المتحدة على المؤسسات في النظام المالي العالمي، والصين كونها تعتبر المنافس الاقتصادي الأكبر للولايات المتحدة فضلاً عن تنامي دور العملات الرقمية في الإقتصاد العالمي وطرحها كبديل في إجراء المعاملات المالية، ولكن مع كل تلك التطورات لن تؤذي هذه الأعمال إلى إلغاء هيمنة الدولار حالياً، صحيح أن لها تأثير في كسر هيمنة الدولار إذا استمرت الدول بقوة وبدون تراخي في أعمال سياسية تصاعدية تستهدف الدولار بقوة، فضلاً والإقبال على شراء الذهب سيعزز من هذا كله لكنه لا يحل المشكلة طالما هو سلعة في البنوك المركزية يباع للحصول على الدولار عندما تحتاجها الدول أو احتياطي لدعم النقد الورقي للدولة تتمكن به من الحصول على العملة الصعبة، فلن يحل المشكلة إلا إذا صار الذهب والفضة هو النقد، وإذا صدرت أوراق نقدية فيجب أن يقابلها ذهب أو فضة لا أن تكون مجرد سلعة في البنوك المركزية لشراء العملة الصعبة، فالهيمنة تكون للذهب والفضة وهي محايدة فلا تستطيع دولة أن تستغل أو تنهب ثروات الغير أو تسرق جهودهم وتشغل آليتها الحربية لتشن حروبها العدوانية بأوراق نقدية لا قيمة لها .
وكما نرى حالياً فلا تستطيع دولة من فعل هذا وإنما هي دولة الخلافة، التي لا يمكنها إلا تنفيذه لأنه حكم شرعي أمر به الله تعالى وطبقه رسوله صلى الله عليه وسلم وصار على نهجه الخلفاء الراشدون ومن بعدهم من جاء من الآن خلفاء إلى أن ساد الباطل ودخلت البشرية في ضنك العيش مصداقاً لقوله تعالى (ومن أعرض عن ذكري فان له معيشة ضنكا)، وسيبقى العالم في هذا الشقاء حتى يتحقق وعد الله بإقامة دولة الخلافة الراشدة قريباً بإذن الله تعالى، وتعود السكنية الى ألعالم بإقرار نظام نقدي محايد في النظام المالي بدل نظام الدولار صاحب الأزمات ودولته صاحبة أكبر سرقات شهدتها البشرية.
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر