الإثنين , سبتمبر 26 2022
الرئيسية / اراء / برنامجان .. إبداع وإقناع وإمتاع!

برنامجان .. إبداع وإقناع وإمتاع!

 

 

بقلم / فيصل مكرم*
(الجزيرة خصصت لنا وقتًا نتنفس فيه حين تصيبنا أخبار المآسي والحروب بالاختناق)

عَلَى مدارِ أيامِ الأسبوعِ وكلِّ الأسابيعِ تستحوذُ القنواتُ الفضائيةُ العربيةُ- ذاتُ الصيتِ والتميزِ والمكانة المرموقة بطابعِها الإخباري والمتنافسة فيما بينها- على جذب المُشاهدين والمتابعين لكل نشراتها الإخبارية، وبرامجها السياسية والاقتصادية والحوارية، وخلال أيام الأسبوع تكتسب أغلب تلك البرامج والنشرات زخمًا بين جمهور المتابعين وخاصةً القنوات الأكثر حضورًا بإمكاناتها العالية، وكادرها الإعلامي والفني الرفيع الذي جعلها في مصاف الريادة الإعلامية بغض النظر عن طبيعة توجهاتها أو تبعيتها أو حيادها، فتلك مسائل تخضعُ لتقديرات جمهورها ومتابعيها، ولما تزخر به من برامج ومسميات جاذبة، وبالتالي تستحوذُ على الحيز الأكبر في تلك القنوات، بينما تنال البرامج ذات الطابع الإنساني والاجتماعي والوثائقي والعلمي، وتلك التي تعبر عن الهُوية العربية وتراثنا الحضاري حيزًا أقلَّ بكثير، وهذا أمر مؤسف نظرًا لما تتمتع به هذه الفضائيات من زخم جماهيري ومكانة مؤثرة تفرضها تغطيتها الاحترافية للأحداث والمتغيرات التي يشهدها العالم العربي والعالم من حولنا وطبيعة السباق والمنافسة بين تلك القنوات دون غيرها.
وفي حين تتصدر برامج تلك القنوات أخبار الحروب والمنازعات والصراعات في العالم وفي وطننا العربي، وما يصحبها من مآسٍ إنسانية، وضحايا أبرياء، ودمار للأوطان وما يخلف ذلك من مجاعات وفقر وأمراض وتهجير وتهديد للحياة وانعدام للأمن والأمان، ولابد أن يجد المتابع منا متنفسًا جميلًا ورائعًا في عديد برامج على قلتها، وهنا أتمنَّى على القارئ الكريم أن يتسع صدرُه حين أتحدث عن برنامجَين تبثهما قناة الجزيرة، أحرص على متابعتهما مساء يومَي السبت والثلاثاء من كل أسبوع، وهما برنامج «المسافر» الذي يقدمه الإعلامي الرائع حازم أبو وطفة، وبرنامج «تأملات» الذي يقدمه الإعلامي القدير محمد صالح، وكلا البرنامجَين يطوفان بك في عوالم تنسيك ولو لبعض الوقت مصائب السياسة وبشاعة الحروب وكوارث المنازعات وسباق التسلح والنفوذ إلى ما هنالك من مآسٍ وحرائق لا تنطفئ سواء في عالمنا العربي أو في أرجاء المعمورة.
حازم أبو وطفة يقدم لنا في برنامجه «المسافر» وجبة دسمة كل أسبوع تتمثل في طواف إبداعي في ربوع بلدان في مختلف القارات، ويرسم لوحة مرئية لخصائص كل بلد موضع طوافه من عاداته وتقاليده وتراثه وجمال الطبيعة والبيئة ومتغيرات الطقس والمناخ وأبرز معالمه وثقافات مجتمعه وتنوع سكانه بالصورة والشرح المقنعيْن، بحيث تشعر وكأنك أنت المسافر والمتنقل في ربوع ذلك البلد وليس حازم وكاميرته وفريق برنامجه، وقد لفتَ انتباهي في غير مرة أنَّ عديد بلدان كنت سافرت إليها قبلُ وكأني أشاهدها للمرة الأولى، وهنا يكمن الإبداع وتتجسد متعة المشاهدة والمعرفة فهكذا برنامج يعزز التواصل الإنساني مع الحضارات والثقافات المختلفة بتشويق وإقناع.
أمَّا محمد صالح في برنامجه «تأملات» فهو يجتهد ليقدم لنا برنامجًا ناجحًا وآسرًا يتمثل في لوحةٍ إبداعيةٍ في سبر أغوار لُغتنا العربية الجميلة، وقطوف من الشعر ونوادر الندماء وشذرات من الشعر والحكم وحكايات من مجالس الظرفاء واللطفاء في فقرات مختصرة لا تنقصها لمسات احترافية لإعلامي مبدع، ولا يعيبها تيهٌ في تناول أفذاذ ممن سبقونا من فرسان اللغة وشعراء العرب وفلاسفتها وكتاب السير والملاحم الإنسانية وتقديم إبداعاتهم دون رتوش ولا مبالغة، وإنصافهم لما قدموه لتراثنا العربي الحضاري واعتلوا به قممًا إبداعية لا ينقصها الجمال والتميز والابتكار والطرافة، وفي برنامج «تأملات» دائمًا ما يُعرِّج مقدمه المبدع محمد صالح على محطات مهمة من تاريخ هذه الأمة وسير علمائها وتجارب من سبقونا من أجداد عظماء كان ولا يزال لهم بصمات قوية ومؤثرة في تاريخنا عبر الأجيال، ما يجعلني أصف البرنامج بأنه إحياء للذاكرة العربية وإنصاف لهُوية وتراث الأمة رغم ما تبدو عليه اليوم من وَهْن وضعف.
شكرًا لقناة الجزيرة أن خصصت لنا وقتًا نتنفس فيه حين تصيبنا أخبار المآسي والحروب والحرائق بالاختناق، وشكرًا للثنائي المبدع والرائع: أبو وطفة؛ لأنه يُحلق بنا في عوالم تجتمع فيها روعة الإبداع الإنساني وتنوع الحضارات والثقافات وفوائد السفر إلى فضاء مفتوح في زمن صرنا فيه هنا في اليمن نحلم بالتنقل في ربوع وطننا دون عوائق ولا نقاط تفتيش،  وكل الشكر للألمعي محمد صالح الذي يُشمِمنا كل أسبوع عبقَ لُغتنا الجميلة وسِير عظمائنا ونوادر شعرائنا وروعة ثقافتنا لكي تنتعش ذاكرتُنا وذاكرةُ أجيالنا بمآثرَ من سبقونا وجمال ما تبقى لدينا.
*نقلا عن جريدة الراية القطرية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

التظاهرات في ايران.. الكرت المحترق

كمال خلف* الجمهورية الإسلامية الإيرانية “النظام والشعب”، تشكل رافعة فعلية للقضية الفلسطينية، دولة بثقل وحجم …