حســن داؤود*
ما كان محبُّو سوريَّا في أسوأ كوابيسهم ليتخيَّلوا ما مرَّت به هذه الدولة العربيَّة خلالَ الأحد عشر عاماً المنصرمة، وما آلت إليه الأمور في بلدهم الحبيب، وما كان أعداء سوريَّا في أبهى أحلامهم ليتوقَّعوا أن ينفرط بسرعةٍ قياسيَّة عقد الانسجام والألفة والتآخي في نسيجٍ كانت تفاخر بتنوُّعه هذه الدولة التي عُرفت في العقود الأخيرة بتماسكها ولحمتها. ويبدو أنَّ سوريَّا التي بقينا نردِّد في مدارسها طيلةَ اثني عشر عاماً من الدراسة شعاراً واحداً وحيداً “أمَّةٌ عربيَّةٌ واحدة، ذاتُ رسالةٍ خالدة”، كُتب عليها أن تُشغَلَ بهمومها الداخليَّة عن همِّها العربيِّ الكبير. الأنكى من ذلك أنَّ هذه الدولة التي سخَّرت قدراتها العسكريَّة لاسترجاع جولانها السليب من عدوٍّ غاصب، ترتع على أراضيها اليوم جيوش أربعة: أمريكي وتركي وروسي وإيراني، إضافة بالطبع إلى العدوِّ الإسرائيلي الأصيل.
إنَّ اللوعةَ التي يخلَّفها النظرُ إلى خارطةِ سوريَّا اليوم تكادُ لها نفسُ الشفيق تذوب، وهي خارطةٌ استعانت بكلِّ ألوان الطيف لتوضِّح أين يتوضَّعُ كلُّ جيش، ومناطق نفوذه، وأمكنة انتشار وتوزُّعِ قواعده ونقاطه العسكريَّة، فهل إلى خلاصٍ من سبيل؟!!!
في إطارِ هذه المقالة لن أدخلَ في متاهة إضفاء صفة الشرعيَّة أو اللاشرعيَّة على أيِّ تواجد عسكري غير سوري داخل الأرض السوريَّة، فأيُّ تواجد غير سوري، بالنسبة لي، هو تواجد أجنبي غريب، بغضّ النظر عن تبعيَّته، وعن السبب الحقيقيّ لوجوده، والدور الذي يؤدِّيه على المسرح السوري.
إنَّ نظرةً واحدةً للقوى المتواجدةِ على الأرضِ السوريَّة تنبئنا بالكثير عن مدى أهمِّية المسرح السوريّ ومكانته عالميَّاً، كيف لا!!! وفي أمكنةٍ مختلفةٍ من المسرح هذا تتواجدُ القوَّتانِ العالميَّتان العظميان الأمريكيَّة والروسيَّة، والدولُ الإقليميَّةُ الثلاثُ الأقوى في المنطقةِ والإقليم: التركيَّة والإيرانيَّة والإسرائيليَّة. إذاً نحنُ هنا أمام مشهدٍ تصعبُ مشاهدتهُ حتَّى على “ناشيونال جيوغرافيك”: غزالةٌ جميلةٌ أدمتها جروحٌ حفرتها في جسدها الغضِّ ضواري خمسة، فهل هناك فرصة حقيقَّيَّةٌ للغزالةِ السوريَّةِ في الهروب؟ وهي التي إذا تمكَّنت من التملُّصِ من مخالب ضارٍ منها، أطبقت عليها أنيابُ آخر. قد تبدو كلمة “ضاري” مجحفة بحقِّ هذه القوى أو بعضها، إلاَّ أنَّ التصميمَ الذي يظهرهُ بعضها لاقتطاعِ ما يراه “حصَّته” من الأرض السوريَّة، يذكِّرنا بأسلوبِ تعامل الضواري مع فرائسها.
بين الأطراف الغريبة المتواجدة في سوريَّا قواسمُ مشتركة عجيبة، في مقدّمها أنَّ كُلَّاً منها يدَّعي حبَّه للشعب السوريّ، ويعتقدُ أنَّهُ أحسن ويحسن صنعاً في حمايته من خطرٍ كبير، أكان الإرهاب أم القوَّات السوريَّة أم الأكراد، أم مختلف الجماعات المختَلَفِ على تصنيفها ما بين هذه الأطراف. في المقابل، تختلفُ الأطرافُ ذاتها من حيث أسلوبها في العمل، والسياسات التي تتَّبعها، وتصنيفها لهذا المكوِّن السوريّ أو ذاك خيِّراً أم شرِّيراً. لكنَّ الثابت في الأمر أنَّ لكلٍّ منها أجندة سياسيَّة واقتصاديَّة تنطلقُ من مصلحةِ الدولةِ التي ينتمي إليها الطرف المعني، وتختلف جزئيَّاً أو كلّيَّاً عن مصلحةِ الدولة السوريَّة. وجميع هذه الأطراف، للأسفِ الشديد، لا زالت تراهن على مكاسب سياسيَّة واقتصاديَّة جنتها أو ستجنيها من الخيرات السوريَّة الأصيلة.
بناءً على ما سبق، هل هناكَ من سبيل لخروجٍ طوعيٍّ أو إخراجٍ قسريٍّ للقوى الأجنبيَّة من سوريَّا؟؟ الأمرُ دونَ أدنى شكٍّ صعبٌ ومعقَّد:
فلا التركيُّ سيقبلُ بالخروج من سوريَّا بعد سلسلة من العمليَّات العسكريَّة الناجحة التي خاضها على أرضها، واقتطاعه من مساحتها قدراً ليس بالقليل يؤمِّنُ لتركيَّا، كما يدَّعي، درجةً كافيةً من الأمان، ويقيه -كما يؤكِّد- شرَّ الأكراد الإرهابيين. وإذا ما أخذنا بالاعتبارِ أنَّ الدعامة الرئيسة لحكم أردوغان وشعبيَّته في الداخل التركي تمثَّلت في نهضةٍ اقتصاديَّةٍ ملحوظة، أخذت تتعثَّر وتتلاشى، فإنَّ ما تبقَّى له هو إنجازٌ سياسيٌّ أو عسكريٌّ حقَّقه في هذا المكان أو ذاك، وبالتالي فلا أراهُ سيغامرَ بالتخلِّي عمَّا يراهُ إنجازاته الشخصيَّةَ في سوريَّا، ورصيده الانتخابيَّ القادم.
ولا الروسيُّ سينسحب من أرض يقول إنَّه يخوض عليها معركة استباقيَّة ضدَّ أعداء يتحيَّنون الفرصة للقدوم إلى روسيا، وهو الذي أنفقَ الكثير من القوى والوسائطِ والموارد الروسيَّة في الحرب السوريَّة، وتمكَّنَ من نصب قاعدتين جويَّة وبحريَّة على الأرض السوريَّة، والاستئثار بكثير من الاستثمارات، ولا أراهُ سيعمد إلى تخريبِ حلمه القديم بالوصول إلى المياه الدافئة.
ولا الإيرانيُّ الذي يخوض معاركه على الأرض السوريَّة كيلا يخوضها على أرضه، سيخرج طوعاً من مسرحٍ وزَّع عليه كثيراً من القوَّاتِ الأصيلة والحليفة، وهو الذي يحمل راية المقاومة ضدَّ الكيان الإسرائيلي، ولا أراهُ متخلِّياً عمَّن يقول إنَّه صديقه السوريّ.
ولا الأمريكيُّ الذي يدَّعي أنَّهُ حامل راية الحرب على الإرهاب سيقبل بإخراج قوَّاته من سوريَّا، وترك حلفائه الأكراد -كما يذهب- وحيدين أمام التركيّ أو الروسيّ أو القوَّات السوريَّة، إلى درجة عجز معها الرئيس الأمريكيُّ السابق ترامب، رغم رغبته وتصريحاته المتكرِّرة، عن إجبارِ قوَّاته على مغادرة المسرح السوريّ. زد على ذلك أنَّ القرار في أمريكا اليوم، أي في عهد بايدن، هو للمؤسَّسة (establishment)، أي بالتحديد الجهة التي حالت دون تحقيق ترامب لرغبته.
ولا الإسرائيليُّ الذي لا تكادُ صواريخه تغادر الأجواء السوريَّة في طريقها إلى ما تعتبره تهديداً لها، سيقبل بأيِّ اتِّفاقٍ يلزمهُ بمغادرة الجولان السليب.
ولكن إذا ما استعنَّا بمنظورٍ آخرَ أعمَّ وأشمل، وبالتحديدِ إذا ما نظرنا بعين الجيوبوليتيكا إلى ما يجري اليومَ في العالم، فبمقدورنا أن نرى بوضوحٍ اصطفافاتٍ عالميَّةً غير مسبوقة، يشكِّلُ الملفُّ السوريُّ فيه واحداً من الملفَّات الهامَّة المختَلَف عليها بين أقطاب هذه الاصطفافات، إضافة إلى الملفِّ الإيراني دائم الحضور في السنواتِ الماضية، دونَ إغفال ملفِّ الحرب الروسيَّة الأوكرانيَّة كأكثر الملفَّات سخونةً واستقطاباً. جميع هذه الملفَّات ظاهرها سياسيٌّ وباطنها اقتصادي. وبطبيعة الحال، وعلى ما يبدو ويرشح، فإنَّ هناك المزيد من الملفَّات التي تنتظر من يخاطبها ويوقظها لتطفو إلى السطح وتحتلَّ مكانها الذي يُرادُ لها أن تشغله في سلَّم الأولويَّات السياسيَّة والاقتصاديَّة العالميَّة، كالنزاعات الكامنة المحتملة في بعض دول آسيا الوسطى، والنزاع التايوانيّ الصيني، وغيرها.
فإلى أيّ حدٍّ يمكن للاقتصاد العالميّ أن يتحمَّلَ ثقل وطأة الاصطفافات الراهنة، وما جرَّته وتجرُّه من ويلاتٍ ومآسٍ على الدول والشعوب في الغرب والشرق؟ وإلى أيَّة درجة يمكن للرهانات، المصيبة أو المخطئة، أن تسيِّرَ الرؤوسَ الحاميةَ لبعضٍ من صنَّاعِ القرار في الشرق والغرب؟ وما هو الوزنُ النوعيُّ الذي تشغلهُ الأزمةُ السوريَّة ضمن سلَّةِ الأزمات التي يشهدها العالم اليوم.
هنا لا أملكُ إلاَّ أن أتَّفقَ مع غالبيَّةِ من بحثوا في الأزمةِ السوريَّة، ما يعني أن أتبنَّى الرأي القائل بأنَّ الحلَّ المرتقب لهذه الأزمة لم يعد سوريَّاً خالصاً، وبأنَّه أصبح في أفضل الأحوال ذا بعدين: محليٍّ ودوليّ.
البعد المحلي: يبنى على إجماعٍ بينَ الأطرافِ السوريَّةِ المتنازعة على جملةٍ من الثوابت الوطنيَّة، وعلى تنازلات قد تبدو مؤلمةً لهذه الأطراف، وعلى تقديم مصلحة سوريَّا على ما سواها، الأمرُ الذي مثَّلَ ولا يزالُ يمثِّلُ تحدِّياً حقيقيَّاً، عصيَّاً على التحقيق.
البعد الدولي: يبنى على قدرٍ كبيرٍ من المسؤوليَّةِ الدوليَّة للأطراف الدوليَّة الفاعلة، من دولٍ عظمى ودولٍ إقليميَّة كبيرة، وعلى يقين بأنَّ الوقت قد حان لحلٍّ عادلٍ للأزمة، وعلى تصميمٍ غير مسبوق للسير في طريقه، وهو تحدٍّ لا يقلُّ تعقيداً أو استعصاءً عن سابقه.
بناءً على ما تقدَّمَ فإنَّ سوريَّا في المرحلة الراهنة تحتاج إلى جملةٍ من المكوِّنات والمقوِّمات، لعلَّ التالية أهمّها:
رجالٌ وطنيّوُن بامتياز، يجمعهم حبُّ سوريَّا، ولديهم حسٌّ عالٍ بالمسؤوليَّة الوطنيّة، وتتوافر لديهم القدرة والرغبة والإرادة لإنجاح المساعي التي تجمع الأفرقاء المتنازعين.
إدراك مشترك من الموالاةِ والمعارضةِ السوريَّتين -إذا جاز التعبير- لضرورةِ التسامي فوقَ الجراح، وخطورةِ المرحلة على سوريَّا، وأنَّ وحدتها كدولة قد تذهب أدراج الرياح في أيِّ صفقة قادمة بين كبار الفيلة في العالم.
حكمة وحنكةً سياسيَّتان من القيادةِ السوريَّة، بما يجعلها قادرة على طرح مشيئتها السوريَّة الأصيلة على طاولة التفاوض، وعدم القبول بأي شرط مجحف للدولة والشعب السوريَّيْن، وتقديم مختلف المبادرات التي تضمن التعافي السريع للدولة الجريحة.
سلسلةٌ من المعجزات (المبادرات الميسَّرة والخلاَّقة) السوريَّة الأصيلة الذاتيَّة التي لا يمكن أن تصدر عن أيٍّ من الأجانب بصورة طوعيَّة: واحدة لإخراج الأجنبي، وأخرى لإعادة الإعمار، وثالثة لإعادة المهجَّرين، ورابعةٍ لتحقيق استقرار اقتصاديٍّ قادر على إعادة إحياء بعض الأمل في النفس السوريَّة، وغيرها. وأكثر هذه المعجزات صعوبة وتعقيداً هي إنجاز مصالحة حقيقيَّة والعملُ للوصول إلى التسامح الشامل، وأعتقد أنَّ المعجزات الباقية المذكورة كانت ستليها بيسر وسلاسة.
قدرٌ كبيرٌ من الحظِّ والتوفيق في الحرب الروسيَّة الأوكرانيَّة، والملفِّ الإيراني، بما يوفِّرُ إجماعاً دوليَّاً في لحظةٍ دوليَّةٍ فارقة على ضرورةِ إنهاء الأزمة السورَّية، والخروج بصفقةٍ منصفةٍ للسوريّين، بما يؤمِّنُ خروجاً لكافَّةِ الغرباء في جدولٍ زمنيّ ملزِمٍ وواضح المعالم.
أخيراً لا نستطيعُ إلاَّ الدعاءَ لسوريَّا بالقول: كانَ اللهُ في عونِ غزالتنا، ولكن في الوقت نفسه ألا ينصُّ القولُ المأثورُ على الآتي: “واللهُ في عونِ العبد، ما كان العبدُ في عون أخيه”، فإلى أيِّ حدٍّ كان بعض السوريّين خلالَ السنواتِ الماضيةِ أعواناً لإخوانهم حقيقة؟!! وهم الذين تنازعتهم أهواءٌ شتَّى، فتفرَّقوا، وذهبت ريحهم، واستعانوا على بعضهم بدولٍ وجماعاتٍ أوسعتهم تقتيلاً وتهجيراً. وبالتالي فإنَّنا لا نستطيعُ إلقاء اللوم كلِّه على عدوٍّ أو أعداء حاكوا ضدَّنا مؤامرات، وأنَّنا غُرِّرَ بنا، فسقطنا في فخٍّ يصعبُ التملُّصُ منه، فقد قدَّم كثيرٌ من الأطرافِ السوريَّة إسهاماً ليس بالقليل، من حيث العنف، والتشدُّد، والإصغاء للآخر المغرض، والاستعانة بالأجنبي، مبرِّرين هذه الاستعانة على أنَّها استعانةٌ بشرٍّ أجنبيٍّ ضدَّ شيطان محليّ، وبالتالي ليس من المستغربِ أن يحضرني في مثل هذه الظروف قول المتنبِّي:
وأنا الذي اجتلبَ المنيَّةَ طرفُهُ فمن المطالَبُ والقتيلُ القاتلُ
وختاماً أتساءلُ متمنِّياً: أما آنَ للغزالةِ السوريَّة أن تكونَ فعليَّاً في عون نفسها، بأن يكون أبناؤها في عون بعضهم البعض؟
*محـــامٍ دولي سوري
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر