السبت , يونيو 20 2026
الرئيسية / أخبار / ذُباب الثورة الرقمية ومطابخها العَفنة!

ذُباب الثورة الرقمية ومطابخها العَفنة!

 

بقلم/ فيصل مكرم

العالم بعد الثورة الرقمية بات مُختلفًا عن عالم ما قبل هذه الثورة أو الطفرة التكنولوجية، وأصبح في حالة سباق وتنافس تكنولوجي في مُختلف مجالات الاتصال والتواصل الرقمي التي يصعب السيطرة عليها أو تفادي تأثيرها في الأحداث ومُتغيرات الحياة اليومية لسكان الأرض، واختصرت الثورة الرقمية المسافات بين الدول والأمم بسرعات ضوئية جعلت عالم اليوم قريةً واحدةً، وقبل الثورة الرقمية كانت الدول المُتقدمة في سباق لا يتوقف على التسليح والاقتصاد والنفوذ وتعتمد على وسائل الإعلام التقليدي والصحافة الورقية، في إيصال رسائلها ومواقفها إلى الخارج والداخل، والتأثير على الرأي العام وقياس توجهاته لجهة دعم سياسات هذا الطرف أو ذاك، وعما قريب ستُصبح تلك الوسائل التقليدية التي اعتمدنا عليها لعقود طويلة من الماضي.

ومنذ نحو عقدين من الزمن وفي كل يوم وفي كل ساعة يشهد العالم أحداثًا مُتفرقة هنا وهناك، في السياسة والاقتصاد والرياضة، من حروب ومُنازعات وخطوب، وجوائح، وصراعات وخلافات، ومجاعات وفقر، وظلم وقمع، وحرائق وكوارث طبيعية وأزمات وصراع مصالح، وجفاف وفيضانات، وأحداث وغرائب، ومؤامرات ومصائب، دول تنهار وأخرى تنهض وبينهما دول تتعثر فلا تقوى على النهوض ولا تجد من يسندها مجانًا، فالثورة الرقمية تحولت من نعمة في مجال التواصل الإنساني وتبادل المعلومات والثقافات إلى سلاح فتاك بيد البعض للقضاء على قيم الخير ومُثل التعايش، وبالتالي هذا السلاح -وإن استخدمه القليل- فإن تأثيره يتسع ويكبر ويصبح سلوكًا عدائيًا مقيتًا في سباق المصالح وصراع النفوذ، وفي شيطنة الخصوم وكسب الحلفاء واستغلال الضعفاء، وهنا يمكن القول إن أهم ضحايا الثورة التكنولوجية هي الحقيقة، ومُعطياتها المنطقية ونتائجها المُتوقعة، حيث إن المعلومة أو الخبر يتحوّل إلى كمّ مهول من المعلومات والأخبار والتغريدات والمدونات التي تؤثر سلبًا على قياس الرأي العام وإرباك المُجتمع ويتحول التواصل الرقمي إلى نوع من الفوضى والانفلات أكثر منه وسيلة تواصل بين الأمم والحضارات.

ولأن ازدهار تكنولوجيا الاتصالات بات جزءًا من حياتنا اليومية فإن مواقع وصفحات وتطبيقات التواصل عبر الفضاء المفتوح (السوشيال ميديا) اليوم، تلعب دورًا أساسيًا ومُهمًا في نقل الأحداث، وتداول المعلومات على أوسع نطاق كوني عرفته البشرية، وبالتالي تتوسع دائرة ضحايا ما يُعرف بالمطابخ الإعلامية الموجهة، فيما يلعب ما يُسمّى بالذباب الإلكتروني دورًا مُثيرًا في توجيه الرأي العام وتفكير العامة، بحيث يصعب التمييز بين الحقائق والأكاذيب، بين الدس أو التسريبات، وبين قيم التواصل وتداول المعلومات في نطاق المعرفة، وتبادل الأفكار والثقافات، وحين تهتم بحدث مُعين عبر وسائل السوشيال ميديا تُصيبك غالبًا كمية المعلومات المُتناقضة بالارتباك وأحيانًا التبلد، لأن المعلومة الصحيحة تصبح في خبر كان، والبحثُ عنها مسألة شديدة التعقيد، وحين يتحول ملايين المُدونين والمُغردين إلى مشاهير على حساب الحقائق، ومُفكرين ومُحللين وصحفيين على حساب القيم الأخلاقية والمُثل الإنسانية والمسؤولية المهنية، حينها تحدث المهازل ويتمكن المُناوِئون لهذه القيم والمُثل من إحداث شرخ في معايير الحقوق الإنسانية لجهة الحصول على الحقيقة دون تشويه ولا دس رخيص أو انتهاك لحق الإنسان في الانتماء لثقافته وعقيدته ومُثله العُليا، ومن هنا يتوجب علينا الحذر في التعاطي مع الأحداث والمُتغيرات في مُجتمعاتنا وأوطاننا وفي العالم من حولنا وبمسؤولية أخلاقية حتى لا تؤكل عقولُنا من عفن المطابخ، فيصيبها تسمم مُميت، ولا نُسلم بما يفرزه ذباب الشبكة العنكبوتية من انبعاثات تستهين بالعقول وتستغل العواطف والقيم الإنسانية الثابتة لمآرب وغايات رخيصة ودنيئة.

 

fmukaram@gmail.com

@fmukaram تويتر
*عن جريدة الراية

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

الحزن يخيم على تل أبيب وإرتباك بعض الأصوات العربية!

د. بسام روبين* في الوقت الذي تدار فيه التفاهمات الدولية خلف أبواب السياسة المغلقة، وتعاد …