الجمعة , مارس 27 2026
الرئيسية / اراء / أبعاد توقيت انعقاد قمة الجزائر!

أبعاد توقيت انعقاد قمة الجزائر!

علي الزعتري*
يجوز لنا أن نحاول أن نفهم حال بلدان القمة العربية، بعد من سيحضرها ومن سيغيب.
سعت الجزائر لعقد قمةٍ ذات معنىً للمجتمعين والشعوب و هي قد احتملت ضغوطاً لإنجاحها و شرطاً لتنحية سورية التي نأت عن الحضور كرامةً للجزائر من أن تنحني بلد المليون شهيد للضغوط و تضطر لعدم دعوة سورية، و لا أعتقد أن الجزائر كانت ستنحني و لكن هذا كان سيؤدي لإلغاء القمة التي تأجلت مرةً علي الأقل لذات السبب. الجزائر تريد القمة كمظهرٍ باقٍ علي وجود العرب في المسرح العالمي، و لتعزيزِ مكانتها بلداً مؤثراً في المنطقة العربية. سعت الجزائر مع الفصائل الفلسطينية للاتفاق، وهي الفصائل التي تُبقِي الفلسطينيين ما بين مدٍّ و جزرٍ في خلافاتها التي لا تنتهي. ودعت الجزائر كل العرب للقمة، حتى المغرب الذي يطابع مع الصهيونية وهو عالمٌ بحساسية الجزائر من هذا. ولكن الأخبار تقول أن الملك المغربي سيغيب عن القمة وهو كان صرَّحَ إيجابياً بحق الجزائر و أنه سيحضرها.
غير أنها ككل القمم التي سبقت ليست استثناءً في غياب الزعماء المؤثرين لأسباب مختلفة و هي بعدم حضورهم لن تُعَدَّ قمةً كاملةً و حاسمةً أمور العرب كما الجزائر تريد. وكما نعلم فأن قرارات القمة تُكتبُ قبل انعقادها و في الغالب هي تكرارٌ لما سبقها برغم اجتماع وزراء الخارجية المُعِّد للقمة و الجدية المناطة به، و لكن غياباً مثل هذا يقول أن التحفظ علي التفاؤل هو سيد القرارات. وإن كان من قصة نجاح فربما هي الاهتمام بالأمن الزراعي و إنتاج الأقماح و أمهات البذار و هو قطاعٌ تم طرقه سابقاً كذلك. لذلك لا نتوقع من القمة كسرَ القوالب و من الحصافة أن نحتفظَ بالحد الأدنى من الآمال بشأنها.
إن صدفةَ انعقادها مع الانتخابات الصهيونية و ذكرى وعد بلفور وعلي وقع المقاومة المستبسلة بفلسطين و رغبة الجزائر تحسين الموقف الفلسطيني تطرح السؤال عن حالِ البلدان العربية من التطبيع و إن سيكون للقمة موقفٌ منه.
الجزائر تسعى لإنهاضِ عربيٍّ فيه وحدة وتميز لكن عالمنا العربي ينقسمُ لمحاور متناقضة و متنافسة. محور الجزائر يبدو أنه إصلاحيٌّ عروبيٌّ ومقاومٌ لموجةِ التصالح مع الصهيونية. و الجزائر لا تقطع الوصال و العلاقة العربية بسبب علاقة العرب مع “إسرائيل” إلا إن هذا المحور أقليةٌ ففيه الجزائر، وسورية التي لا تحضر القمة، و خارج الإطار الرسمي توجدُ فصائل فلسطينية ولبنانية ويمنية وهذه الأخيرة هي بصفتها المقاومة و ليس بحضورها الفعلي علي موائد العرب فالقمة للحكومات. وللجزائر وسورية مصالحهما الخاصة. مقابلهما علي صعيد التصالح والترابط، بل المتجاوز للمعقول في العلاقة مع “إسرائيل”، هذا إن اعتبرنا أي علاقة مع “إسرائيل” معقولاً، الإمارات و البحرين و السودان و بالطبع المغرب حيث تُعقد اتفاقياتُ تعاون عميقة في كل القطاعات و قد وصلت، كما في البحرين قبل أيام، لمشاركةٍ عسكرية صهيونية في احتفالٍ رباعي، و مع المغرب لإنشاء صناعاتٍ عسكريةٍ مشتركة و مع السودان المًتَمنِّي زيارة “إسرائيل” و كما تقول الأخبار وفودٌ غير معلنة تحط بالخرطوم، و كما صرح قادته قبل فترة. وفي المنتصف مصر والأردن وعُمان وهي دولٌ لديها علاقاتٌ مع العدو الصهيوني لكنها حذرةٌ من الولوج العلني للصهيونية لعقر الدار فالشعوب هنا دمها و لا ترحب بهم. وفي عُمان حيث تبدي القيادة الجديدة دوراً طموحاً لتخفيف مشاكل المنطقة ومتحفظاً مع التطبيع ونلحظ مواقف مُفتي عُمان الذي لا يُخفي العداء للصهيونية. ويتميز الموقف القطري المقبل على تنظيم كأس العالم بالنأي الواضح عن “إسرائيل” و الدور النشط في غزة و بالطبع تفادي ما يشوشر علي الكرة الدولية. أما السعودية فلا شيئ رسمي عن التطبيع رغم تواتر الأخبار عن علاقاتٍ تجاريةٍ وتبادل زياراتٍ غير معلنة مع تل أبيب. والكويت ترفض التطبيع من أساسه وتُجرِّمهُ. وتونس لا تطبع وفي دوامةٍ خلافيةٍ داخلية تجعل التطبيع غير وارد ولو كان مفتاحاً يُدلى به لتجاوز الأزمات الاقتصادية. أما صاحب القضية و هي السلطة الفلسطينية فيديها في النار مع الصهاينة الضاغطين و الفلسطينيين الغاضبين و اتفاقها مع الفصائل في الجزائر قد لا يعدو كونه عملاً إعلامياً فالمواقف بين الطرفين متباعدةٌ جداً. والعراق الذي ناضلَ ليكون جسرَ تفاهم إقليمي عبر الخليج العربي يغوص بقضاياه الداخلية بين تشكيل الحكومة وقضايا الفساد الخيالية والتجاذبات الحزبية الطوائفية ولا رابط مميز له بفلسطين ففيهِ ما يكفيه. ولبنان الرسمي لا يطبع وبعضه يقاوم وبعضه يود التطبيع و هو مأزومٌ داخلياً لكنه فاعلٌ بحكم الموقع و مواقف سياسييه. أما اليمن فينقسم ولكل قسمٍ من يدعمه في المنطقة و حظوظه في الحل لمشاكله بعيدةٌ و لا يبدو من رجالاته نغمة التطبيع و لكن تحدي المقاومة واضحٌ عند صنعاء الحوثية. تبقى دولٌ لها ظروفها الداخلية التي تُبعدها عن التأثير و دولٌ تكاد تختفي منها مواقف مع أو ضد علي أهميتها الاستراتيجية مثل الصومال وجيبوتي وجزر القمر وموريتانيا.
اثنتان وعشرون دولة في قمةٍ تريدها الجزائر نهضةً وبوادرها والمؤدي لها من واقع عكس ذلك. فكل محور يشد لطرفه وأهدافه والمطبع منها يمضي فيه غير مهتم لغيره بل يتباهى بالتطبيع. لا ينظر العرب إلا بالحدود الدنيا لوجودهم معاً وحتى تلك الحدود متوترةٌ مفتوحةٌ للاشتباك. نظرتهم فردية تقول لكل عاصمة إن رايتها أعلى من غيرها. مواقفهم المشتركة ضعيفة وأزماتهم لا يعرفون كيف يحلونها بنفسهم. بل تُعين لهم الأمم المتحدة ممثلين سامين ليحلوها لهم. أنظر ليبيا والسودان واليمن و العراق و سوريا و فلسطين و لبنان.
هذا أسفاً هو “الوطن العربي” الليلة و يوم القمة. و فرزدق الصهيونية لا شك يقول أبشرْ بسلامةٍ يا مربع بل ربما يطالب بعضوية القمة و يجد من يقول نعم.
*دبلوماسي أُممي سابق

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

معركة هرمز!

  أحمد عبدالباسط الرجوب* أمامنا قراءة تاريخية مثيرة، تستند إلى وقائع حرب السويس عام 1956، …