الخميس , مارس 26 2026
الرئيسية / اراء / مواطن القوة والضعف في الاتفاق اللبناني الاسرائيلي!

مواطن القوة والضعف في الاتفاق اللبناني الاسرائيلي!

د. جواد الهنداوي*
لا يخلو اي اتفاق او نص قانوني او دستور مِنْ مفردات او عبارات قابلة للتأويل او التفسير سلباً او أيجاباً، لصالح هذا الطرف او لصالح ذاك الطرف المُتَفِقْ. ولو كان للقوانين وللاتفاقيات و للعقود صفة الكمال لما كان لوجود القضاء و المحاكم ضرورة.
ولكن، وجود مواطن ضعف ، في الاتفاق، فالامر لا يبدّد التفاؤل و لا يضّيعُ الامل المنشودان على انجاز و تنفيذ الاتفاق ، وما سيجلبه الاتفاق من مزايا سياسيّة و اقتصادية و أمنيّة للبنان وللمنطقة و للعالم.

أُنجِزَ الاتفاق بمدة قصيرة وقياسيّة لم تتجاوز اربعة شهور (من شهر حزيران الى شهر تشرين الاول ) لسنة ٢٠٢٢، صحيح أنّّ المفاوضات والوساطات بدأت منذ سنة ٢٠٢٠ ، وصحيح ايضاً بأنَّ جهود السلطات اللبنانية الدستورية في هذا المضمار بدأت في عام ٢٠١١ ، حين اصدر مجلس النواب اللبناني قانون رقم ١٦٤ في ١٠ /٨ /٢٠١١ ، يُلزم فيه الحكومة باتخاذ الاجراءات واصدار القرارات اللازمة لتفيد القانون الداعي الى ترسيم حدود لبنان البحرية مع فلسطين المحتلة ، ولكن اربعة شهور كانت كافية لتكريس نتائج جهود عقد من الزمن .
كانت الحاجة للاتفاق هي وراء اتمامه بسرعة؛ حاجة لبنان وحاجة امريكا و حاجة اسرائيل ؛ لبنان بحاجة ماسة الى استغلال ثرواته لانتشال اقتصاده من الانهيار ، وبحاجة الى دخوله في نادي دول الطاقة، وامريكا والغرب بحاجة الى الغاز والنفط، واسرائيل بحاجة ايضاً الى استغلال الثروات في المياه الفلسطينيّة المحتلة وبحاجة ان تدخل نادي الطاقة . كما انَّ الحرب الاوكرانيّة الروسيّة دفعت اصحاب الحاجة (امريكا والغرب واسرائيل) الى التواضع في شروطهم و التنازل عن بعضها، والى “الاخلاص” في جهودهم، ونتمنى الاخلاص والوفاء في التزاماتهم
كان ادراك الجميع بويلات ومصائب فشل الوصول الى الاتفاق عاملاً اساسياً في انجازه، لم يكنْ اصحاب الحاجة، ولا الذين خلف اصحاب الحاجة بوارد خوض وتحمّل وزر حرب اخرى في منطقة انتاج وتسويق الغاز والنفط. لذا كان دور الوسيط الامريكي فاعلاً ومخلصاً ومنتجاً، وتمنيناه ان يكون هكذا في الملف الفلسطيني.
ما توّصل له الطرفان (اللبناني والاسرائيلي) هو حلٌ “سلمي و دائم و منصف” لنزاعهما البحري الحدودي الاقتصادي . وصفات الحّل (سلمي ودائم ومنصف) مُقتبسة من نص الفقرة هاء من القسم الاول للاتفاق المكتوب.
الصفة القانونية لهذا الحّل هو اتفاق غير مُباشر لفّض نزاع بين لبنان واسرائيل حول مياههما الاقليمية و المناطق الاقتصادية الخالصة لكل منهما، وتّمَ هذا الاتفاق “بواسطة وبرعاية و بضمانة امريكية”، وهذا الالتزام الامريكي الرسمي (وساطة ورعاية و ضمانة) مُستمر ودائم، وغير محدود لا في الجهد ولا في الوقت .
بعبارة اخرى لا ينتهي عند اتمام الاتفاق وانما يستمر عند تنفيذ الاتفاق . هذا ما استنتجه من قراءتي لأقسام الاتفاق الاربع ولنصوص الاتفاق التي جاءت على شكل فقرات . حيث نجد استعداداً امريكياً بالتدخل وبالتوسّط بخصوص ايَّ سوء فهم او اختلاف تفسير يقع بين الطرفين ، وخاصة في شأن استثمار واستغلال بلوك رقم ٩ والذي يتضمن حقل قانا ،وثلثي هذا الحقل في الجانب اللبناني وثلث منه او اقل في الجانب الفلسطيني الاسرائيلي.
حضور للدور الامريكي في جميع فقرات الاتفاق هو رسالة طمأنة من الادارة الامريكية موّجه الى لبنان لتبديد مخاوفه من عدم او سوء تنفيذ من قبل اسرائيل .
ومُحقْ جداً لبنان في توخيه الحيطة والحذر ،لانّ اتمام الاتفاق مع اسرائيل شئ وتنفيذ الاتفاق من قبل اسرائيل شئ آخر ، وتجربة العرب مع اسرائيل غنيّة بسلوك نكث العهود و التنصّل من الاتفاقات و الالتزامات .
ويتكلُّ لبنان ايضاً على قدراته العسكرية وعلى تلاحم الشعب و الجيش والمقاومة في حال نكثت اسرائيل في التزاماتها ، وفي حال عجزت امريكا على ضبط اسرائيل
قّوة الردع التي يمتلكها اليوم لبنان ، والتي ساهمت ايضاً بتحقيق انجاز الاتفاق ،ستبقى وستتعزّز في المستقبل ،من اجل ضمان تنفيذ مسؤول ومنصف للاتفاق .
من الناحية الاقتصادية ،ستباشر اسرائيل باستغلال وباستثمار منطقتها الاقتصادية الخالصة لاستخراج الغاز ،من حقل كاريش ، والذي يقع حصراً في منطقة اسرائيل الاقتصادية . على لبنان البدء بأعمال التنقيب في منطقته الاقتصادية الخالصة في بلوك رقم ٨ ، ٩ ، ١٠ .وخاصة بلوك رقم ٩ والذي يتضمن حقل قانا ( ثلثي الحقل في المنطقة الاقتصادية الخالصة للبنان وثلث في المنطقة الاقتصادية الخالصة لاسرائيل ) ، وحسب ما يراه المختصون الفنييون ،يحتاج لبنان الى مدة ٣-٥ سنوات حتى يبدأ بالانتاج .
وكلمّا بدأت الجهات المعنيّة في لبنان باعمال الاستكشاف والتنقيب والحفر مبكراً ،كلما كان ذلك اسراع في الانتاج والضخ والتسويق ،لذا السرعة في تشكيل الحكومة سيساهم على الاسراع في اصدار القرارات واتخاذ الاجراءات الضرورية للبدء بالتنقيب و اعطاء الضمانات السيادية للشركات التي ستقوم بتشييد البنى التحتّية لمشاريع التنقيب والاستخراج والضخ .
هذا الاتفاق الاقتصادي البحري غير المباشر بين لبنان و اسرائيل هو ايضا ترسيم لحدود لبنان البحرية مع فلسطين المحتلة ، حيث تبنى لبنان الخط البحري رقم ٢٣ ، والذي حدّده لبنان منذ عام ٢٠١١ وبموجب المرسوم الحكومي رقم ٦٤٣٣ وبتاريخ ٢٠١١/١٠/١٠ ، وجاء هذا المرسوم طبقاً لقانون رقم ١٦٣ لعام ٢٠١١ . و بقي لبنان متبنياً لهذا الخط البحري ( خط ٢٣ ) ، وحصلَ عليه في الاتفاق المُبرم في ٢٠٢٢/١٠/٢٨ ، موضوع الدراسة والتحليل . لذا ، من الناحية الدستورية ،لم يكْ لبنان بحاجة الى موافقة مجلس النواب ولم يكْ بحاجة الى موافقة مجلس الوزراء ،من اجل الموافقة على الاتفاق والتوقيع عليه من قبل السيد رئيس الجمهورية ، لأنَّ هذه الموافقات الاصولية سبقَ وان تمت في عام ٢٠١١ ، وهذا كان مصدر التوافق الوطني الصلب بين الرئاسات الثلاث في التفاوض و التوقيع على الاتفاق . بخلاف الحال لاسرائيل ،حيث انها تبنت ومنذ تموز عام ٢٠١١ خط رقم ا لحدودها البحرية ، ولكن الآن و وفقاً للاتفاق لم تستطعْ الحفاظ على مساحتها البحرية بموجب الخط رقم ١ ، وخسرت بموجب هذا الاتفاق مساحة ٨٧٦ كيلومتر مربع لصالح لبنان ،لذلك اضطرت عرض الاتفاق على مجلس الوزراء للموافقة علية قبل التوقيع ،كما انها استعانت بموقف المحكمة الاسرائيلية العليا ،التي رفضت كافة التماسات وطلبات اليمين المتطرف ،الداعية الى رفض الاتفاق . وكان الادارة الامريكية داعمة لموقف رئيس الوزراء الاسرائيلي نحو توقيعه على الاتفاق .
حرص وادراك الادارة الامريكية على انجاز و نتائج انجاز الاتفاق كانا اكثر من حرص و ادراك اسرائيل .. وتبعاً لذلك لم يكْ اي تأثير اقليمي او عربي سلبي ، او اي موقف اقليمي او عربي غير مؤيد لهذا الاتفاق.
عندما نتفحص نصوص الاتفاق ، و التي وردت في اربعة اقسام وفي عّدة فقرات ، نجدُ في القسم الاول نصوص تؤكد على ان هذا الاتفاق هو ترسيم حدود بحريّة نهائي و دائم لكل من لبنان و اسرائيل ، مع تحفظيّن صريحيّن : الاول هو ” دون المساس بالحدود البريّة ” ، والثاني هو ” في سياق ترسيم الطرفين للحدود البرية او في الوقت المناسب بعد ذلك ، والى ان يتم تحديد هذه المنطقة ،يتفق الطرفان على ان الوضع الراهن …” ، لذا ليس من دون سبب ان يصفَ بعض المحللّين بان هذا الاتفاق هو اتفاق ” الوضع الراهن ” .
في الفقرة د من القسم الاول نجدُ النص التالي ” الاحداثيات الواردة في اتصالات كل طرف في الامم المتحدة ( يعني مراسلات لبنان واسرائيل الى الامم المتحدة ) تحّلُ محل الاحداثيات الواردة الى الامم المتحدة من اسرائيل بتاريخ ٢٠١١/٧/١٢ ، ومن لبنان بتاريخ ٢٠١١/١٠/١٩ ، ولا يجوز لاي طرف مستقبلاً ان يقدم مخططات او احداثيات الى الامم المتحدة لا تتفق مع هذه الاتفاقية … ” . انتهى النص.
نستنتج من هذا النص بأن الاحداثيات التي تم تبنيها نهائية و مُلزمة ولا يجوز استبدالها .
في نصوص اخرى ، نجد ان التزام اسرائيل مبنياً على معايير قابلة للتفسير و للتأويل ؛ مثلاً ،في الفقرة د من القسم الثاني والخاص باستغلال الثروات : ” لن تعترض اسرائيل على الانشطة المعقولة والضرورية … التي يقوم بها مشغّل بلوك رقم ٩ ( يعني التي تقوم بها الشركة التي ستستكشف الغاز في حقل قانا ) جنوب خط الحدود البحرية ( يعني في مياه المنطقة التابعة لاسرائيل ،لأنَّ جزء من حقل قانا يقع فيها ) سعياً وراء استكشاف الغاز …”. عبارة ” انشطة معقولة وضرورية ” قابلة للتأويل وللتفسير ،ربما تكون بعض الانشطة ضرورية ولكنها لاسرائيل غير معقولة ! ماهو المعيار للتمييز بين ماهو معقول وغير معقول لاسرائيل ؟
في الفقرة ز من القسم رقم ٢، نجدُ ايضا مطّب آخر ، ” اذا كان حفر الافاق ضرورياً جنوب خط الحدود البحرية ( يعني في المياه التابعة لاسرائيل ) .. لن تحجب اسرائيل بشكل غير معقول هذه الموافقة على الحفر … “
هنا ايضاً نتساءل وكذلك القارئ الكريم ما هو المعيار للتمييز بين ماهو معقول وغير معقول ؟ قد يكون للشركة التي تتولى الحفر امراً معقولاً وقد يكون لاسرائيل الامر غير معقول ! حصول مثل هذا النزاع وارد حتى ولو ركَنّا الى ماهو معتاد عليه في مجال النشاط .
الفقرات الاخرى من الاتفاق تُكّرسُ دوراً مهما للولايات المتحدة الامريكية في الوساطة والتدخل عند حدوث ايَّ تعثّر او سوء تنفيذ بند من بنود الاتفاق .
رغّمَ كل ما يتضمنه الاتفاق من التزامات واضحة لكلا الطرفين ، ومن دور وساطة مستمر للولايات المتحدة الامريكية ، يبقى حسن تنفيذ الاتفاق والتزام اسرائيل و امريكا مرهونه بتطورات الوضع الاقليمي والدولي والحاجة الى موارد الطاقة .
الجميع يلتقون في القول بأنَّ هذا الاتفاق سيساهم في امن واستقرار المنطقة ، وهذا صحيح جداً ان حسُنت النوايا وتوازنت قوى الردع لدى الاطراف المتفقّة
( المقال اعلاه هو مداخلة في اطار الندوة التي نظمّها المركز العربي الاوربي للسياسات وتعزيز القدرات في بروكسل وبالتعاون مع سفارة الجمهورية اللبنانية في بروكسل ،بعنوان : لبنان نحو ترسيخ السيادة والاصلاح والتوافق ، بتاريخ /٢٠٢٢/١١/٤ ) .
*رئيس المركز العربي الاوربي للسياسات و تعزيز القدرات / بروكسل / في ٢ /١١ / ٢٠٢٢

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

إيران… حكاية أمة ترفض الانكسار!

ميشيل شحادة* إيران ليست دولة عابرة في التاريخ، بل هي واحدة من تلك الكيانات الحضارية …