الخميس , مارس 26 2026
الرئيسية / اراء / تحقيق التنمية أفضل سلاح لحماية الأوطان!

تحقيق التنمية أفضل سلاح لحماية الأوطان!

د. طارق ليساوي*
كان في نيتي استكمال مقال أولويات الصين على المدى المنظور و المتوسط، خاصة و أن الاقتصاد الصيني يعاني منذ جائحة كورونا و قبلها من اختلالات بنيوية قد تعصف بثمار التنمية التي تحققت طيلة العقود الماضية، لكن سأعمل على تغيير خارطة المقال، فلن أبتعد كثيرا عن الصين و لكن سأركز على العلاقات المغاربية ، و كيف يمكن الاستفادة من التجربة الصينية في إدارة الخلافات مع بلدان الجوار، خاصة و أن المؤشرات الكمية و الجزئية تؤكد على أن القادم أسوأ، و أن النجاة من التسونامي المالي و الاقتصادي القادم ، يتطلب تبني سياسات داخلية و خارجية مغايرة لما يتم تبنيه، و إني عندما أكتب يعلم الله أن هدفي خير الأمة العربية و الاسلامية، و لست ممن تستهويهم هذه الخلافات القطرية ضيقة الأفق، و لست ممن يرغبون في إشعال فتيل الخلافات البينية بين الشعب الواحد، و لا داعي لمزيد من سياسات الإلهاء و المزايدات الفارغة فكل البلدان العربية لا تملك استقلالها و سيادتها الكاملة، و أغلب البلدان المغاربية لو فتحت حدودها لهاجر أغلب أبناءها للضفة الأخرى، مع العلم أن هذه المنطقة لو إتحد أبناءها و تحالفت حكوماتها و فتحت حدودها في وجه حركة الأشخاص و رؤوس الأموال و التدفق السلس للموارد لتمكنت من رفع معدلات التنمية و توسيع خيارات جميع أبناءها و أصبحت منطقة جذب للمهاجرين و للكفاءات و لرؤوس الأموال..
و ما دمت بدأت المقال بالصين، فمن الجيد الاستفادة من التجربة الصينية و من البرغماتية و الواقعية السياسية التي ميزت قيادات الحزب الشيوعي الصيني، و جعلتها تتسم بالمرونة السياسية و الذهنية لمواجهة التحديات الناشئة..و نجحت في تجاوز خلافاتها مع روسيا و أمريكا و الهند و اليابان و تايوان، و تغليب منطق المصالح الاقتصادية و التجارية و المالية و لو بعد حين..و هذا المنطق نفتقده للأسف في عالمنا العربي بشكل عام و المغاربي على وجه التحديد، فالقيادات جامدة و متحجرة فكريا و لا تملك القدرة على إبداع حلول وسط ، و التعامل بمنطق “رابح-رابح” ، و غياب هذا المنطق مرده بالأساس أن هذه القيادات تغلب مصالحها الشخصية و الفئوية و مصالح من يحكمها، فحكامنا محكومون و هذه حقيقة لا يطالها الشك، لذلك فإن هذه القيادات تتبنى سياسات تعارض مصالح الشعوب و مستقبل الأوطان..
وقد تابعت تعليقات القراء الأفاضل على مقال “قمة الجزائر كانت فرصة تاريخية لحل الخلافات بين المغرب والجزائر، فهل ضاعت؟”، وأجد أنها تحمل بذور إيجابية ونأمل أن تخلق مزاج عام يدفع باتجاه تغليب المصالح المشتركة، وتجاوز الخلافات الضيقة، و لن أجد أفضل من الصين و البلدان الاسيوية كنموذج لإدارة الخلافات البينية و تغليب المصالح الاقتصادية و الأهداف التنموية..
وحرصنا على تسليط الضوء على التجربة الصينية في التحول وفي إدارة الأزمات الداخلية والخارجية، ليس الغرض منه دعوة ل “أصينة” العالم العربي، فالنموذج الصيني من دون شك له ايجابيات وله أيضا سلبيات، لكن ما يهمنا هو إرادة الانتقال من القاع إلى القمة، والخروج من دائرة المفعول به إلى الفاعل و المؤثر. فما أحوج العالم العربي والإسلامي إلى الاستعانة بالدرس الصيني، لاسيما في جانب الإرادة السياسية و التحالف بين الحاكم و المحكوم و بين الشعب و الحكومة على برنامج إصلاحي جامع. لقد شكلت التنمية الاقتصادية والاجتماعية عقدا اجتماعيا جديدا توحد حوله الشعب والحزب، فبينما قبل الشعب التنازل عن بعض مفردات الديمقراطية بمفهومها الغربي كالتعددية الحزبية والانتخابات الدورية ذات المنافسة الحزبية، بالمقابل التزم الحزب الشيوعي بتحقيق معدلات نمو اقتصادي مرتفعة و مكافحة الفقر و تحقيق التقدم الشامل.

وعلى نفس الشاكلة، فالعالم العربي اليوم في حاجة لعقد اجتماعي جديد، أهم بنوذه وقف شلال الدم وتفكك الأوطان و فقدان سيادتها وتحقيق التنمية و العدل في توزيع ثروات الوطن. ومسؤولية صياغة هذا العقد هي مسؤولية جماعية بوابتها الحوار وإشراك شركاء الوطن، و تظل مسؤولية الحكام أكبر و أكثر تأثيرا، فجزء كبير من مآسي الإقليم هي نتاج لضعف وفساد أنظمة الحكم، و غياب البيروقراطية الرشيدة والفعالة…
فالحزب الشيوعي الصيني نجح في التأسيس لعقد إجتماعي جديد بعد إطلاق إصلاحات 1978، وتمكن بفعالية من تجاوز التأثيرات السلبية للحقبة الماوية وخاصة النتائج الكارثية التي افرزتها الثورة الثقافية، وبالرغم من وابل الانتقادات التي توجه إلى هذا الحزب، إلا أن الأغلبية الساحقة من الصينيون يرون بأن الحزب شهد تحولات عميقة، باتجاه احترام حقوق الإنسان وتحسين معيشة الشعب الصيني. فمن المؤكد لدى الجميع أن الانتهاكات الحالية هي أقل بكثير مما وقع قبل عقود.
كما أن الحزب استطاع أن يحسن صورته الداخلية والخارجية، خاصة وأن العديد من القادة الحاليين ليس فقط لا علاقة لهم بما جرى من انتهاكات في الماضي، بل إن العديد من القادة الصينيين الذين صمموا وقادوا إصلاحات ما بعد 1978 كانوا ضحايا لتلك الحقبة، بما فيهم الرئيس الصيني الحالي ” شي” الذي إضطر إلى السكن في كهف خلال هذه الحقبة التاريخية…
وهذا الأداء التنموي الجيد تم إستثماره بفعالية من قبل الحزب الشيوعي لترسيخ نفوذه السياسي، لاسيما في أوساط الشباب.. فالواقع يؤكد، على أن أداء الحزب على مختلف المستويات كان أفضل من الأنظمة السابقة، وأفضل من أداء العديد من الحكومات التي تتبنى النهج الديمقراطي…فقدرة الحزب على التكيف مع المتغيرات الدولية منذ 1978 و نجاحة في نقل الاقتصاد الصيني من اقتصاد مغلق إلى اقتصاد معولم ، و قدرته الفائقة على تجاوز تأثيرات العولمة المالية و التجارية ، و تحويل رياحها باتجاه خدمة سفينة التنمية في الصين يدعو حقيقة إلى الإعجاب…ففي ظل العولمة تم تذويب الحدود الوطنية بين مختلف البلدان، وتزايد الترابط والتكافل الاجتماعي والاقتصادي، و القضايا السياسية أصبحت أكتر تعقيدا، وبفعل هذه التحولات أصبحت الطريقة التقليدية في الحكم “الدولة المركزية state-centered”- غير مؤهلة لمجابهة التحديات الناشئة التي جلبتها العولمة، ويبدو أن الدولة الحديثة لا يمكن أن تفر تماما من تحديات العولمة. من اجل ضمان والحفاظ على النمو الوطني…
فالصين كما نعرفها اليوم كانت قبل نحو 4 عقود ونيف، مصدر متاعب لبلدان الجوار فهي أحد الأطراف الأساسية في تقسيم شبه الجزيرة الكورية، حيث تدخل “ماوتسي تونغ ” مباشرة في الحرب الكورية بين 1953-1954 ، هذا الأخير دخل في صراع مع الغرب وحلفاءه بالمنطقة لاسيما اليابان، غير أن التحول في العلاقات الصينية الأمريكية سيبدأ عام 1972 مع زيارة الرئيس “ريتشارد نيكسون” للصين و تطبيع العلاقات مع ثاني عدو للولايات المتحدة الأمريكية بعد الاتحاد السوفياتي سابقا..
لكن الانفراج في العلاقات الصينية الامريكية سنة 1972، لم يكن نتاج للطفرة دبلوماسية وإنما يعود لعوامل داخلية وخارجية، فأما العوامل الخارجية فيمكن إجمالها في:
أولا- تورط الولايات المتحدة الأمريكية في حرب فيتنام وبحثها عن مخرج أمن من هذا المستنقع الدموي، لاسيما وأن الصين طرف أساسي في الأزمة..
ثانيا- المخاوف الصينية من الأطماع السوفياتية، لاسيما بعد المناوشات العسكرية على الحدود بين البلدين سنة 1969 بجوار “تشينباو” في نهر أسوري..
أما العوامل الداخلية في الجانب الصيني ، فهي تنموية و أمنية ، ففشل السياسات المتبعة في الصين : ” سياسة القفزة الكبرى إلى الأمام” و ” الثورة الثقافية” و ما خلفته من نتائج سياسية و اقتصادية واجتماعية، مدمرة كادت تعصف بالقيادة الصينية، و الحزب الشيوعي الصيني ..الأمر الذي دفع بماوتسي تونغ إلى تطبيع علاقاته مع الغرب و اليابان على وجه التحديد..
فالتوجه الصيني نحو اليابان هو تقارب تنموي فمعاهدة الصداقة لعام ١٩٧٠ والتأسيس لعلاقات دبلوماسية رسمية بين البلدين شكل منطلقا لسلسلة من الأحداث التي غيرت وجه الصين والمنطقة ..
فالتحول الاقتصادي في الصين ما بعد 1979 لعبت فيه دول الجوار دور محوري، فتغليب المصالح المشتركة شكل بوابة فعالة لتجنيب المنطقة المزيد من النكسات و الأزمات..
فالتنمية وتغليب المصالح المشتركة، أفضل وصفة لفض المنازعات، وهو الأمر الذي تفتقده المنطقة العربية، ففي الوقت الذي تصعد فيه الولايات المتحدة لهجتها تجاه الملف النووي الايراني نجد بعض دول الخليج تنساق للرؤية الأمريكية و الصهيونية، متناسية أن أي ثوثر في المنطقة سوف تدفع ثمنه شعوب المنطقة.. على شعوب المنطقة أن تأخذ العبرة من تجارب الشعوب الاسيوية التي إنحازت للتنمية و التعاون وتوحيد الجهود الاقليمية لمحاربة الفقر و الحاجة.. فتحقيق التنمية هو أفضل سلاح لحماية الأوطان…و الله غالب على أمره و لكن أكثر الناس لا يعلمون..
*إعلامي و أكاديمي متخصص في الاقتصاد الصيني و الشرق آسيوي، أستاذ العلوم السياسية و السياسات العامة..

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

إيران… حكاية أمة ترفض الانكسار!

ميشيل شحادة* إيران ليست دولة عابرة في التاريخ، بل هي واحدة من تلك الكيانات الحضارية …