شيرين ميخائيل
احتدم مؤخراً النقاش حول ارتداء الحجاب في تركيا قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقرر إجراؤھا في یونیو المقبل، حیث أظھرت استطلاعات الرأي تراجع التأييد لحكومة أردوغان، وقال الرئیس التركي یوم الأربعاء الماضي إن حزبه یمكن أن یقدم تعديلات دستورية للاستفتاء لحمایة حق المرأة في ارتداء الحجاب، في نھج يعتبره بعض الأتراك محاولة لإغراق المعارضة بشأن قضیة كانت دائماً متضاربة في السابق.
وفي الواقع قضية الحجاب في تركيا ھي قضية قدیمة، بدأت كمشكلة مع سلسلة الإجراءات التي صدرت في عھد مؤسس الجمھوریة التركیة مصطفى كمال أتاتورك عندما اتجه إلى فرض مجموعة من الجوانب المظھریة المتعلقة بالثياب على المواطن التركي، وذلك في إطار تطلعه إلى قطع صلة بلاده بالإسلام كھویة حضارية وإلحاقھا بالغرب، فكانت سلسلة الأوامر المتعلقة بمنع ارتداء الطربوش والحجاب وأنواع من اللباس الطويل لصالح أنواع أخرى تظھر التركي بالمظھر المنسجم مع ما ھو سائد في الغرب باعتبار أن الأخیر ھو النموذج الحضاري المنشود والنھائي.
لكن السؤال توقف عن إثارة الجدل بعد الإصلاحات التي أجراھا حزب العدالة والتنمية ذي الجذور الإسلامية خلال السنوات العشرين التي قضاھا في السلطة. وكثيراً ما یستشھد أردوغان برفع الحظر كدلیل على كیفیة وقوف حزبه إلى جانب الأتراك المسلمين المخلصين في معارضة الأحزاب العلمانية في السلطة قبل دخول حزبه في تركيا في عام ٢٠٠٢. لكن القوى العلمانية ولا سیما الجیش كان لھا موقف آخر فھي رأت أن حزب العدالة والتنمیة یرید من وراء ھذه الخطوة وغیرھا أسلمة المجتمع والدولة تدریجیاً وتحقیق ثورة إسلامية مضادة، بما یعني كل ذلك القضاء على الأسس التي قامت علیھا الجمھوریة التركیة. لكن السؤال الذي يطرح نفسه ھنا: ما ھو سر الموقف الإيجابي للقوى العلمانية إزاء قضية تحریر الحجاب ولا سیما من قبل حزب الشعب الجمهوري المعروف بولائه للجیش وعلمانيته إلى حد التطرف؟
تقول التقارير إن أكثر من ٦٧ بالمئة من النساء في تركیا ترتدين الحجاب، أي قرابة ١٨ ملیون امرأة من أصل عدد سكان البلاد والبالغ نحو ٧٥ ملیون نسمة، وأن ھناك إقبالاً شدیداً على ارتداء الحجاب في صفوف النساء وسط ظھور كثيف للمرأة في مواقع العمل وفي شتى المجالات. إنھا أرقام ضخمة من الواضح أنھا بدأت تسيل لعاب السیاسیین الأتراك الطامحين إلى الفوز بالانتخابات المقبلة والبقاء في سدة المشھد السياسي. ھذا ما یفسر الخلفیة الجدیدة لحزب الشعب الجمھوري، فقد أصدر زعیمه قانوناً یضمن الحق في ارتداء الحجاب، وقال كیلیجدار أوغلو “لقد حان الوقت لترك ھذه القضية وراءنا. لقد أنشأنا إطاراً تشریعیاً متوافقاً مع مبادئ القانون العالمي لنزیل قضیة ملابس النساء من احتكار السیاسة. وقد تركزت في التسعینات الحجج حول الحجاب، لكن لا يوجد حزب في حكومة تركيا ذات الأغلبية المسلمة يقترح حالیاً حظره. وتجدد الجدل حول الحجاب في تركيا في أعقاب اضطرابات مدنية في إیران بسبب وفاة امرأة كانت محتجزة بسبب القيود الصارمة التي تفرضھا الجمھوریة الإسلامیة على ملابس النساء. ولھذا فإذا تمكن اردوغان من إجراء ھذا الاستفتاء سيؤثر بطريقة سلبية و سيخلق نوع من البلبلة في المجتمع ذات الأقلية العلمانیة، التي ستحاول الدفاع عن مكاسبھا مما سيؤدي إلى انتفاضة ضد الحجاب لتتحول ضد الأوضاع الاقتصادية الراھنة، كما يحدث الآن في إیران. والمجتمع التركي مجتمع بجميع أطيافه العلمانية أو المحافظة بفخره بإرثه الإسلامي ولا يتنكر له، ويعد الإسلام إحدى ھویاته الاجتماعیة ولیس بالضرورة السیاسیة، و یوجد فیه نساء محجبات وغیر محجبات في الوقت نفسه وقد ترى ردة فعل مستھجنة من أفراده إن وصفتهم بمجتمع غیر مسلم، فلیس الحجاب ھو الذي سیؤكد على ھویته الاسلامیة أو نفیھا. وقد اقترح أردوغان تعدیلاً دستورياً سیتم إرساله للموافقة عليه من قبل البرلمان حيث يتمتع حزبه بأغلبية صغیرة مع شريكة في التحالف الوطني، بموجب القانون التركي، تتطلب التغییرات تصویت ٤٠٠ نائب دون الحاجة إلى استفتاء، وبالتالي ستحتاج حزب الشعب الجمھوري إلى دعمه. وخلاف ذلك، مع ٣٦٠ صوتاً، یمكن تقدیم الاقتراح للشعب.وقال أردوغان إذا لم یتم حل ھذه القضیة في البرلمان، فسنعرضھا على الشعب.
وبما أن الأغلبية في تركيا ھي محافظة، فستأتي نتيجة الاستفتاء إیجابیة، مما سيضر بمصلحة الأقلية من العلمانیین، وتعتبر العلمانيون في تركیا ارتداء الحجاب رمزاً للمحافظة الدینیة، وھو الاتجاه المثیر للجدل في الأوساط السیاسیة التركیة حتى الآن. وكان أردوغان قد كرر تأكيده على ضرورة ممارسة الأتراك الحق في التعبیر عن معتقداتھم الدینیة، رغم تأكيده من جانب آخر على أنه ملتزم بالتوجه العلماني الذي ينص عليه الدستور. وعلى الرغم من مرور كل ھذا الوقت وحل المشكلة، ظلت قضية الحجاب مادة ملائمة في الساحة السیاسیة. لم يكن العلمانيون على دراية تامة بالوضع، لكن بقي القلق من من فكرة إذا وصلت المعارضة إلى السلطة فسوف تحظر الحجاب مرة أخرى بین النساء المحافظات في المیدان. وأراد حزب الشعب سحب ھذه الورقة ویرید القول للمصوتين وأتباع الحزب الحاكم أنهم هم حزب الشعب العلماني قد تغيروا ويعترفون بالأخطاء السابقة، وعلى الشعب ان لا يقلق بشأن الادعاءات بأنه ومع وصولهم سيعيدون الحظر. وإثارة قضية الحجاب الآن تعتبر في غير محلھا، المواطنين التركيين الآن یئنون تحت وطأة أزمة اقتصادیة كبیرة وخانقة ولدیھم مشاكل كبیرة، كان على السیاسیین تسليط الضوء على مشاكل اخرى تھم المواطن التركي، والابتعاد عن قضايا ذات حساسية قد تكون السبب في إثارة الفوضى وإغراق البلد في انتفاضة شعبیة ھي آخر ما تحتاجه تركيا الآن، وعلى الأتراك أن یتعظوا مما یحدث في إیران كعبرة لما يمكن ان يحصل.
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر