الخميس , مارس 26 2026
الرئيسية / اراء / فقاعة” الإنقلاب ” الألماني!

فقاعة” الإنقلاب ” الألماني!

د. محمد بكر*
عواجل بالجملة كانت على شاشات التلفزة الألمانية وعلى مواقع وكالات الأنباء صباح أمس ، تفيد بحملة مداهمات واسعة نفذها حوالي ثلاثة آلاف عنصر من الشرطة الألمانية اعتقلوا خلالها 25 شخصاً بأمر من الادعاء العام الألماني يشتبه بانتمائهم لحركة مواطني الرايخ، واتهامهم بمحاولة شن هجوم على البرلمان، وإسقاط الدولة الديمقراطية ، هكذا تناقلت معظم وسائل الإعلام الخبر نقلاً عن وكالة الأنباء الألمانية وبعض القنوات الألمانية، ما أثار حالة من ” الدهشة ” والاعتقاد الأولي بأن البلد كان على شفا حفرة من الخراب والاقتتال الداخلي الدموي، وهذا ماتتركه بالطبع كلمة ” انقلاب ” في ذهن المتابع، ليتبين فيما بعد، وبحسب العديد من المؤشرات، أن العملية والخبر تم تضخيمه إعلامياً ، وأن ماحدث مجرد ” فقاعة ” وليس انقلاب، فماهي اسباب هذا التضخيم؟ وماهي العوامل التي تجعل من هذه الحركة أو التنظيم مجرد تنظيم ” بسيط ” لا يشكل أي خطر على الأمن القومي الألماني ؟
بدايةً تنظيم (مواطنو الرايخ ) هو تنظيم تعود نشأته للثمانينيات ولايزال يعتقد المنتسبون إليه بأن دولة الرايخ الألماني ( 1871 – 1945 ) هي الدولة الشرعية, وان دولة ألمانيا الفيدرالية هي طارئة على المشهد, وكل مؤسساتها ودوائرها تدار من قوى خارجية أو ” دول التحالف ” , لدرجة أن هؤلاء لا يدفعون الضرائب ولا الرسوم، وينظمون بطاقات شخصية خاصة بهم ،وحتى لوحات خاصة لسياراتهم أيضاً ، وهذا التنظيم لا يتجاوز عدد منتسبيه في أحس الأحوال 21 ألف شخص بحسب إحصاءات الاستخبارات الألمانية نفسها ، ولايوجد له هيكلية واضحة أو منظمة، ولا قيادات مؤثرة ويفتقد لامكانات تسليحية كبيرة تجعل له ” ذراع ” عسكرية كما جاء في وسائل الإعلام تشكل محط قلق أو خوف للسلطات الألمانية، وبحسب الإحصاءات الرسمية أيضاً فإن ألف شخص فقط من هذا التنظيم قد رخصّوا لامتلاك أسلحة فردية خفيفة.
تصاعدت حدة المراقبة لهذا التنظيم في السنوات الماضية، وماجعله في إطار الإرهابي والمتطرف في عيون السلطات الرسمية، كان على خلفية حادثة تمت في شهر أكتوبر من العام 2016 ، إذ قام شخص من هذا التنظيم بقتل شرطي ، ومنذ تلك الحادثة لم يتم تسجيل أي مخالفات أو انتهاكات أو عمليات جديدة كبيرة ، من هنا يمكن ٱن نقرأ ونفهم أن هذا التضخيم الإعلامي كان له هدفاً سياسياً بحتاً، هو التأثير المباشر على صعود شعبية حزب البديل من أجل ألمانيا ( AFD ) في الفترة الأخيرة واكتساحة الانتخابات في بعض المناطق شرق البلاد، إضافة لإشغال المواطن الألماني الذي بدأ ينظر نظرة سلبية تجاه أداء الائتلاف الحكومي الحالي( ائتلاف إشارة المرور ) بحسب آخر استطلاع أجراة معهد إينسا، على خلفية التدخل الألماني والدعم العسكري لأوكرانيا في مواجهة الروس، وانعكاسات ذلك على الداخل اقتصادياً واجتماعياً ، ولاسيما ماتم الحديث عنه إعلامياً بأن للروس يد في محاولة زعزعة الأمن في ألمانيا ، الأمر الذي نفاه الكرملين جملة وتفصيلا ، معتبراً ماحدث شأناً داخلياً بحتاً ، وعند هذه الجزئية يريد أصحاب القرار في ألمانيا أن يوصلوا ربما رسالة للداخل الألماني، وإنْ بطريقة غير مباشرة بأن الروس واليمين المتطرف الألماني يريدون العبث بأمننا ولذلك فإن دعمننا لأوكرانيا عسكرياً كان صائباً وفي المسار الصحيح .
أيّاً يكن فالمؤكد أن قبول ألمانيا أن تكون رأس حربة في الحرب الأوكرانية الروسية لناحية الدعم العسكري الكبير لكييف ، ستكون تبعاته السلبية أكبر بكثير من أية فوائد أو اهداف استراتيجية ، أقلها التضخم ، والحديث عن انقلاب تم تفكيكه والقضاء عليه هو حديث لم يكن مقنعاً على الإطلاق لا لناحية الواقع وحقيقة إمكانات التنظيم، ولا لناحية الحبكة والسرد.
*كاتب وإعلامي فلسطيني

عن اليمن الحر الاخباري

شاهد أيضاً

إيران… حكاية أمة ترفض الانكسار!

ميشيل شحادة* إيران ليست دولة عابرة في التاريخ، بل هي واحدة من تلك الكيانات الحضارية …