حماد صبح*
ابتهج الإسرائيليون حين سمح لهم بحضور مونديال قطر مثل سواهم من كل مواطني العالم ، ونقلتهم الطائرات مباشرة من مطار بن جوريون إلى الدوحة دون أن يضطروا لاستخدام مطارات التفافية . وحلموا وحلم إعلامهم بأن يلاقوا الحب والترحيب من المواطنين العرب ، وأن يسمعوا الثناء على دولتهم ، بل ” التمجيد ” مثلما قالت صحيفة ” إسرائيل اليوم ” . وصعقهم ما لاقوه ، وأسقطهم من ذرا أحلامهم وأوهامهم إلى قعر هاوية حقيقتهم المظلمة البشعة التي يعلمها الشعب العربي عنهم علمه أن الشمس تطلع من الشرق وتأفل في الغرب .
فنفر منهم سائقو السيارات وأصحاب المطاعم فور علمهم أنهم إسرائيليون ، ورفض أي مواطن عربي الحديث إلى أي إعلامي منهم ، وهتفوا في وجوههم ” فلسطين حرة !” ، وشارك أجانب في هذا الرفض والهتاف ، فرأينا شابا بريطانيا يهتف في وجه إعلامي إسرائيلي ذات الهتاف ، فيشيح الإعلامي بوجهه في حركة سريعة والخيبة والصدمة تفيضان من وجهه .
وارتاع الإسرائيليون من غزارة رفع المشجعين واللاعبين للعلم الفلسطيني في الوقت الذي لم يجرؤوا فيه على رفع علمهم ولو مصغرا . وهالهم الفرق الواسع بين عرس التطبيع الرسمي ومأتم بغض الشعب العربي لهم . وأججت انتصارات الفريق المغربي حماس المشجعين العرب ، فكثر رفع العلم الفلسطيني الذي توسع فيه الفريق المغربي والمشجعون المغاربة خاصة ، فجن الإسرائيليون . صغقهم المدى المترامي بين حرارة التطبيع المغربي الرسمي والبغض الشعبي المغربي ، وعزوا أنفسهم بأن الملك محمد السادس لا يساير هذا البغض الشعبي ، واجتهد المؤرخ المستشرق إيال زيسر في تخفيف نار الصعقة الإسرائيلية مقللا من قيمة رفع العلم الفلسطيني ، ومبينا أن المهم ” أن إسرائيل خرجت منتصرة من صراعها على وجودها وأمنها . ” ، يقصد في حروبها مع العرب . وإسرائيل بارعة براعة مذهلة في خلق كارهيها وأعدائها ، وتجازي الحسنة بالسيئة ، والإكرام باللؤم . لم يشفع للمغرب الرسمي تطبيعه الشامل معها ، ولم يشفع له وجود قرابة مليون مستوطن إسرائيلي من أصل مغريي في فلسطين المحتلة ، ولم يشفع له إقامته مجلسا خاصا بمواطنيه من اليهود يتولى كل شئونهم ، فبطشت الشرطة الإسرائيلية بالفلسطينيين الذين رفعوا العلم المغربي في القدس ، وحرمتهم الفرح بفوز المغرب على البرتغال ، وفجرت غضب الشعب المغربي الذي لا ينقصه مفجرات غضب عليها لجرائمها ضد الفلسطينيين ، وانطلقت مطالبات وطنية في المغرب بقطع العلاقة مع هذا الكيان الشرير الناكر للجميل والإحسان والمصر دائما على الأذى والإجرام والعدوان .
شخصيا ، توهمت أن يحتفل بعض المستوطنين ذوي الأصل المغربي بانتصارات أسود الأطلس ، ولم أسمع أي خبر عن أي احتفال لهم . أين هذه اللامبالاة والعدائية من احتفالات الفلسطينيين ؟! أضاءت الألعاب النارية الملونة سماء غزة ، وضجت شوارعها بأصوات أبواق السيارات وهتافات الفرح ، وازدان مفرق ” السرايا ” فور الفوز على البرتغال بمظلة من العلم المغربي والعلم الفلسطيني ، وحين وصلت إلى المحطة الساعة العاشرة إلا ربعا قادما من مكان العمل لم يكن للناس في المحطة حديث إلا عن فوز المغرب ، والأمل بحيازته الكأس . إنه الشعب الواحد ،إنها الأمة الواحدة التي ينقصها قادة يجسدون وحدتها الوجدانية الحقيقية تجسيدا سياسيا حقيقيا يصادق من تصادقه ، ويعادي من تعاديه . مونديال قطر فضح المدى الواسع بين الشعب العربي وبين النظام الرسمي العربي . الشعب يرى إسرائيل عدوا ، والنظام العربي في جملته يراها صديقا وحليفا . ثنائية متنافرة ستنتهي إلى ما يراه الشعب ، وهذه حتمية لا زيغ عنها . في مونديال قطر ، أتى الله _ عز اسمه _ إسرائيل من حيث لم تحتسب . توقعت حبا حارا وترحيبا ودودا ، فصعقها الشعب العربي كرها عنيدا ونفورا شديدا . وهذا بعض ما تستحقه .
*كاتب فلسطيني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر