( الدول الفقيرة بحاجة إلى توفير كل دولار لمشاريع الاستجابة الإنسانية والتنمية الشاملة )
▪︎ بقلم/ فيصل مكرم *
▪︎زلزال تركيا وسوريا خلف كارثة إنسانية رهيبة ومهولة على كل الصُعد، عشرات الآلاف من القتلى والمفقودين وأضعافهم من الجرحى، وملايين من المنكوبين الذين فقدوا ذويهم وخسروا منازلهم وغادروا مدنهم وقراهم ومزارعهم إلى حيث ينشدون النجاة، مُتشبثين بالأمل ومُثقلين بالأهوال والأحزان ومشاهد الدمار ومقابر الموتى وأنين المُصابين بعد أن تحوّلت حياتهم إلى موت ودموع وأنين وحسرة وأطلال في ثوانٍ معدودة، يا لهول المأساة ويا لفداحة الكارثة بما خلفته وبما ستُخلفه على المدى المنظور من مُعاناة إنسانية لسكان المناطق المنكوبة، في مواجهة المجهول من الأقدار وما تحمله من أمراض وأوبئة، وضعف الرعاية الصحية، وانعدام المأوى والغذاء، وتزايد موجات النازحين، وكلها تُضاعف من كارثة زلزال السادس من فبراير الجاري، في مناطق تركيا وسوريا التي باتت مبانيها أثرًا بعد عين، وتحوّلت حدائقها ومزارعها إلى مقابر جماعية للضحايا، وكلما مر الوقت تبدد الأمل في العثور على ناجين من تحت ركام وحطام المباني والمنازل التي تحوّلت إلى مقابر مؤقتة للموتى ومقابر أبدية للذكريات وصيرورة الحياة.
▪︎الثواني القليلة التي استغرقها الزلزال ليضرب ضربته الكارثية خلّفت دمارًا وضحايا، قد لا تخلفه حرب تقليدية شرسة لسنوات، ولأن كل الكوارث والجوائح الطبيعية تحتاج إلى استجابة إنسانية على مختلف الصُعد المحلية والدولية، فإن كل الدول المُتقدمة والنامية والفقيرة تقف سواسية أمام تلك الكوارث والجوائح التي لا تفرّق بين بلد وآخر، وبين إنسان هنا وإنسان هناك، وغالبًا ما تكون الدول والشعوب الفقيرة الأكثر تضررًا والأكثر عجزًا في توفير إمكانات الاستعداد المُبكر، ووسائل الإنقاذ والإغاثة وتوفير الرعاية الطبية ومُعدات الإيواء ومواد مُكافحة الأوبئة ومن ثم إعادة الإعمار خاصة ما يتعلق بالكوارث الزلزالية والأعاصير والفيضانات التي تحدث في أماكن مُختلفة من العالم مع ظروف التغيّر المُناخي، وكمية الانبعاثات المُلوثة للبيئة، وما لحق بكوكب الأرض من أضرار كبيرة خلال الثمانية عقود الأخيرة نتيجة التوسع الصناعي، والنهضة الإنمائية والتوسع العمراني، وزيادة أعداد السكان، غياب التضامن الإنساني للتغلب على كل هذه التحديات البيئية والطبيعية المُعاصرة، وعدم اكتراث الدول والمُجتمعات بنتائجها وأهمية الاستعداد لمواجهة عواقبها.
▪︎كان العالم قد شهد منذ نحو ثلاث سنوات جائحة كوفيد التي حصدت مئات الآلاف من البشر، وتسببت في توقف حركة الإنتاج والتصنيع والعمل اليومي في مُختلف المُنشآت الصناعية والخدمية، بنسب لم يكن العالم يتوقعها ولم يستعد لمواجهتها بما يوازي خطورتها وانتشار وبائها سواء من حيث الوقاية أو المُعالجة، وها هو زلزال تركيا وسوريا يضرب بلدين: الأول بلد مُتقدم اقتصاديًا وعلميًا، والآخر بلد فقير ويُعاني من حرب لعشر سنوات خلفت دمارًا عمرانيًا واقتصاديًا وإنسانيًا مهولًا، ورغم أن مُخلفات الزلزال في سوريا أقل منها في تركيا إلا أن مثل هذه الكوارث تحتاج إلى خطط استباقية مُلزمة لجهة الاستجابة الإنسانية، وتكون في أولويات خطط ومشاريع الدول وفق إمكاناتها المُتاحة والمُلحة، حيث إن مُتغيرات المناخ ونسب التلوث على كوكبنا باتت تُهدد بحدوث كوارث طبيعية، كالزلازل والفيضانات والجفاف والأعاصير وتتسبب في حدوث أوبئة وأمراض قاتلة عابرة للحدود والقارات.
▪︎من هنا يمكن القول: إن العالم أمام تحديات كبيرة في السنوات والعقود القادمة في مواجهة غضب الطبيعة ومُتغيراتها المُفاجئة ونفورها من الانبعاثات السامة ومُلوثات البشر التي تُقابله بخطر مُماثل على البشرية دون تمييز، فالدول الثرية المُتقدمة التي تمتلك إمكانات الاستجابة الإنسانية أثبت زلزال تركيا أنها تحتاج إلى المزيد من البنى التحتية والإمكانات العاجلة، وبناء مشاريع احتياطية للطاقة والاتصالات والرعاية الطبية، ومجمعات الإيواء، ومن ثم رصد الموازنات الكبيرة لتعويض الضحايا والمُتضررين وإعادة الإعمار، فيما أثبت زلزال سوريا الموازي لزلزال تركيا أن الدول الفقيرة بحاجة إلى توفير كل دولار لمشاريع الاستجابة الإنسانية والتنمية الشاملة إذا ما قدمت مصالح بلدانها، وتفويت كل فرص الصراع والحروب الكارثية وتحقيق الحد الأدنى من العدالة والاستقرار لتتمكن من استمرار عجلة التنمية ومواجهة كل التحديات والكوارث والأزمات الطبيعية والإنسانية، بدلًا من استجداء المُساعدات من دول العالم، بحيث تأتي هذه المُساعدات والمعونات في وجود بيئة داخلية صالحة ومُناسبة تُحقق الاستفادة منها دون عوائق ولا ممرات مُغلقة ولا ثكنات وقوات تتربص ببعضها، ولا جدال وأزمات ومُناورات وخطابات عدائية تجعل من أي نكبة نكبات ومن أي كارثة كوارث أخرى إضافية، وتستهلك الوقت الذي يحتاج إليه الضحايا لتلك المعونات وتُقلل من الاستفادة من عوائدها ومقاصدها الإنسانية حاضرًا ومُستقبلًا.
fmukaram@gmail.com..
@fmukaram
*نقلا عن جريدة الراية
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر