بشير عمري*
عادة ما يتم الحرص إعلاميا على حصر وحشر العقل في زوايا الإخبارية والرقمية في كل صراع دموي تعرفه البشرية، فيما تعمد أجهزة المتصارعين في ذلك، على اصطناع المبررات الذاتية لسلوكها في طاحونة الصراع، ما يجعل الموضوعية في قراءة التاريخ تغدو بعيدة المنال لكل ناظر في طبيعة الصراع ومتأمل لخطابه، وهو ما تكشف عنه الحرب الروسية الأوكرانية الحالية في أدق تفاصيل تفاصيلها، أين تحضر كل الانتقادات والتناقضات في خطابات الفكر والسياسة مضفية عليه طابع الغرابة والغموض المقصود الذي يُعسر من عملية هضم المادة الإعلامية في جهازي التحليل والتعليل.
ففي سياق تعزيز موقفه العدائي من الغرب، وضع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، جانبا إلى حين، المبررات الموضوعية ذات الصلة بالصراع التاريخي الجغرافي، بين شرق يتبدل وغرب يتبدد كما رأى هو في آخر خطاباته للأمة الروسية والتي يسعى من خلال تبريريته تلك إلى ملء الفراغ الذي قد يحدثه في نفوس أبنائها سؤال الوعي الجديد حول الجدوى من الصراع الجديد ودوافعه بعد أن انزاح العنصر الايديولوجي عن مسرح التدافع الإنساني وباتت “الاخلاق المادية” مشتركا بين كل الأفكار والتوجهات تتداعى جميعها لوحش الرسملة على النطاق الاقتصادي واللبرلة على مستوى الوعي التاريخي النهائي عبَّر عنها فوكو ياما بنهاية التاريخ كنبوءة من نبوة وضعية.
فما جدوى عامل الاخلاق في معترك الصراع الدولي في شكله الجديد أو مرحلته الطارئة التي قادت إليها أو عجلت بظهورها الحرب الروسية الأوكرانية؟
بادئ ذي بدء نجدنا ملزمين بالتأكيد على أن عنصر الاخلاق كأساس سواء لقيام أو للقيومية الحضارية، لم يغب يوما في معتركات الصراعات الحربية، سواء كتبرير قبلي فيه أو كتفسير بعدي له من قبل قوى التقاتل والاقتتال، فجل قصص الحروب تُرى مليئة بحجج الانتصار للإنسانية وقيمها ومرجعيتها بوصفها كذلك (إنسانية).
وهكذا كانت مثلا فتوحات الإسلام من أجل إقامة العدل في الأرض، والغزو الاستعماري الغربي من أجل الارتقاء بشعوب المستعمرات من وحل الجهل إلى مرافئ التقدم والعلم، والحربين العالميتين اعتبرتا حتميتين لردع الطمع القومي الألماني في اقتياد البشرية واستعبادها لصالح العنصر الآري باعتباره الانقى غير الاتقى، ثم رافقت التبريرية الأخلاقية الصراع بين الشرق الشيوعي والغرب الرأسمالي، حيث صاح الأول بالمساواة الاجتماعية وضد الطبقية ونادى الثاني بأولوية الحرية الفردية الفطرية.
كل هذا يحيلنا بالضرورة إلى مستنتج رئيس في قصة الصراع وهي أن الإنسانية لا تفتأ ترتجع إلى أهم خاصية مائزة لها في فضاء الكينونة وهي الاخلاق، وذلك بعد أن تعمد إلى الدوس عليها في واقعها التصارعي المادي الصرف غير القتالي، وهو تأكيد على عنصر أخلاقية الكائن البشري مذ ظهر كما هو على ظهر البسيطة كواع وحيد بها بمقتضى ما زُويد وركب فيه من أدوات.
لكن عنصر الاخلاق الذي استحضره بوتين لإضفاء بعضا من شرعية موقفه حيال الغرب، كانفكاك هذا الأخير من أهم أصول الإنسانية وتفككه بالتالي اجتماعيا إلى أن وصل إلى ما وصفه به بوتين “انحطاط” الغرب، من مثل تجاوز مبدأ الاسرة، الاعلاء من الأساس الفردي في الوعي بالوجود، تجاوز نطاق الاخلاق العامة لصالح الفرد كتشجيع المثلية والمتعة ولو طالت البراءة عبر الجنس القسري مع القُصر، تظلها تفصيلات وعناوين لقصة نهاية التاريخ التي تطبع العقلانية الغربية في تجردها من كل ما هو مصدر غير وضعي (مادي) للأخلاق، ومن ثم قد لا تكفي نهاية التاريخ كعنصر تفسيري لمنقلب الصراع، لتحضر نظرية صدام الحضارات لصامويل هينتيغتون بكل ما تحمله من عنف في القراءة الحضارية للمشهد الإنساني.
من هنا تبدو الانتقادية “البوتينية” للغرب في مرتكز بنيانه الأخلاقي غير ذات جدوى على اعتبار الالتقاء في المرجعية الحضارية الحاصل بين الشرق المتجدد “روسية والصين غير الاشتراكيتين، والغرب الرأسمالي المتبدد و المستبد، وهي المرجعية “المادية” تعكسها رغبة الهيمنة وفرض إرادة القوى والاستحواذ على مناطق النفوذ في اقتصاديات السلم والحرب معا وبالتالي معاودة اقتسام كعكة العالم بشكل وعنوان آخر، كمواجهة الإرهاب !
والسؤال الذي ينتصب في سياق كهذا تحديدا هو، هل استنفذ حقا المشروع الحضاري الغربي كل أسئلته المادية في تبريريته التصارعية للتاريخ بين الطبقية الشيوعية والفردية الغربية حتى يستحضر عنصر الاخلاق؟
مذ استفاق العقل الإسلامي فيما عُرف بعصر النهضة وعنصر الاخلاق يحضر في خطابه بحسبانه ضالة الوعي والممارسة التاريخية للإنسانية، واستمرت مركزية هذا العنصر في خطاب “اسلام الصحوة” من خلال كتابات أهم مفكريه، مثل المودودي، ومالك بن نبي وخاصة سيد قطب، هذا الأخير الذي جعل من “الأخلاق” حجة المشروع الإسلامي على البشرية الدائمة، بل سبق في ذلك بوتين بأكثر من نصف قرن في التبشير بانحطاط ونهاية الغرب كرائد للحضارة نتيجة فقدانه لمبرر مشروعه بعد انتفاء عنصر الاخلاق لديه.
بيد أن بديهة الاخلاق الفطرية ومركزيتها في الصراع اتضح من خلال ظاهرة “بوتين” أنها قد تغدو فارغة من كل محتوى وجوهر بل وجدوى أيضا، ما لم تصحبها قوة، لأن الثبات هو أن أخلاق القوة تظلها ساحقة لقوة الاخلاق في مسرح الصراع الدولي، الأمر الذي يقصي كل النماذج الحضارية الأخرى من هذا المسرح “الصدامي” مثلما وصفه المفكر الاستراتيجي الراحل صامويل هنتينعتون.
من هنا نخلص بالضرورة إلى أن الصراع الدولي لا يزال مستمرا في دائرته الأولى أي المادية التي لا ترى في التاريخ سوى مرتعا أو مرعى للصيد تتآكل فيه الإنسانية بأكل بعضها بعضا، وأن حسبها من روح الإنسانية في ذلك أن ترفع مبررات أخلاقية يعبئ بها كل طرف نفسه ويشرعن من خلالها ما يستعمله من أدوات السحق والاستحواذ على مناطق النفوذ والخيرات في هذا المرعى الشاسع الواسع الذي تقصى فيه كل أصوات تزاحم صوت صليل المادة. .
*كاتب جزائري
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر