صالح القزويني*
من خلال متابعتي لما دار ويدور حول الاتفاق الثلاثي لعودة العلاقات الايرانية السعودية لمست توجها ولنقل بالأحرى توجيها بضرورة الايحاء الى أن الرابح الأول والأخير من اتفاق استئناف العلاقات الايرانية السعودية هي ايران دون غيرها.
وغير خاف على أحد أن الماكنة الاعلامية والسياسية الاسرائيلية لعبت لعبتها في هذا الاطار، واستخدمت هذا الانجاز في شيطنة ايران أيضا، وكان الاسرائيليون من أوائل الذين علقوا على الاتفاق وقالوا انه يوجه ضربة لرئيس الوزراء نتنياهو.
والحقيقة أن الجميع حقق المكاسب من الاتفاق بل ربما المكاسب التي حققها البعض أكثر من طهران، ولكن بما أن ايران كانت ولا تزال تخضع لحظر شديد وآلاف العقوبات الغربية ومختلف أنواع الضغوط والعزلة التي سعى الغرب لفرضها على ايران، لذلك تصور البعض أن ايران المستفيد الأول من الاتفاق، ولعل ما عزز ذلك هو استعادة العملة الايرانية قوتها بعد ان فقدت الكثير من قيمتها في الآونة الأخيرة.
غير أن الجميع استفاد من الاتفاق، ويمكن هنا الاشارة الى بعض المكاسب التي حققتها أطراف الاتفاق الثلاثة:
مكاسب السعودية:
أولا: الاتفاق يضع حدا لاستنزاف موارد السعودية، فكل التوقعات تذهب الى أن انهاء الحرب اليمنية قاب قوسين أو أدنى وهو احدى المكاسب الرئيسية للاتفاق، واذا انتهت بالفعل فانها ستضع حدا للأموال الطائلة التي تنفقها السعودية على الحرب في اليمن، كما أن الاتفاق يحسر نفقات السعودية على حلفائها وأصدقائها الذين كثفوا نشاطهم خلال القطيعة بين طهران والرياض على المناكفات ضد ايران ومنافسيهم من اصدقاء ايران.
ثانيا: الاتفاق يعزز الاستقرار في السعودية سواء على الصعيد السياسي والأمني أو على الصعيد الاقتصادي، خاصة اذا انتهت الحرب على اليمن، وغير خاف على أحد أن الصواريخ والمسيرات اليمنية وصلت الى العمق السعودي وبرهنت على انها قادرة على تهديد أمن السعودية وكذلك اقتصادها من خلال وصول المسيرات والصواريخ الى المنشآت النفطية السعودية.
ثالثا: الاتفاق يعزز قدرة السعودية على المناورة الدبلوماسية، خاصة تجاه الدول التي تسعى الى ابتزاز المملكة وارغامها على تبني مواقف أو القيام باجراءات معينة، بل لنقل أن أحد دوافع السعودية لتسوية مشاكلها مع ايران هو التطاول والابتزاز الغربي وخاصة الأميركي وكذلك الاسرائيلي ضد المملكة، والجميع يتذكر الألفاظ التي أطلقها ترامب ضد الدول الخليجية، وكذلك الابتزاز الأميركي بتوظيف قضية خاشقجي.
لاشك أن الرياض لن تقطع علاقاتها مع الغرب وخاصة الولايات المتحدة الأميركية ولكن وبفضل الاتفاق مع ايران ستضع حدا لتطاول وابتزاز الغرب وخاصة واشنطن لها، وهنا ينبغي الاشارة الى أن السعودية اذا مضت قدما في الاتفاق مع ايران ووطدت علاقتها مع الصين ولم تسمح للغرب بابتزازها فان الأخير سيستخدم للوهلة الأولى حربة الاعلام وسلاح التشويه والاتهامات ضدها لتغيير مواقفها وسياساتها، من هنا فليس من المستبعد أن نشهد في المستقبل هجمة اعلامية وسياسية غربية شرسة ضد السعودية.
رابعا: الاتفاق يتيح للسعودية فرصة لمواصلة المشاريع التنموية ومن بينها مشروع “رؤية 2030” الذي أطلقه ولي العهد السعودي، ومن المؤكد أن مثل هذه المشاريع بحاجة الى استقرار سياسي واقتصادي.
مكاسب الصين:
أولا: نجاح الاتفاق يمنح الصين دعما كبيرا لدبلوماسيتها، وغير خاف على أحد أن بكين لو أرادت أن تتفوق عالميا وتصبح قوة عالمية صاعدة فان ذلك لن يتحقق بالتقدم الاقتصادي والصناعي والعلمي والتقني وحسب، وانما ينبغي أن تكون متفوقة دبلوماسيا وعسكريا و..و..ومما لاشك فيه فان نجاح الصين في التقريب بين السعودية وايران يحقق هذا الجانب لها، كما أن الجهود التي تبذلها بكين ووساطتها بين أوكرانيا وروسيا وسعيها لانهاء الحرب الأوكرانية يعزز فكرة أن الصين قادرة على التصدي لمشاكل العالم وأزماته وتسويتها، الأمر الذي يؤهلها لصدارة العالم.
ثانيا: ينمي ويوسع التحالفات الاستراتيجية للصين، الأمر الذي تحتاجه أية دولة صاعدة في العالم، ومن الطبيعي أن ضم الأقوياء الى التحالف يزيد من قوته وتفوقه وغير خاف على أحد قوة ايران والسعودية في العالمين العربي والاسلامي، وكذلك قوتهما ودورها في الأسواق العالمية للطاقة.
ثالثا: الاتفاق يسهم في انجاح مشروع “الحزام والطريق” الذي أطلقته الصين خاصة اذا عرفنا أن أحد ركائز المشروع هو الطاقة، والصين تحرص بشكل كبير على وصول الطاقة بشكل آمن اليها، ومن الطبيعي فان استمرار التوتر بين دولتين تعتمد الصين عليهما في الطاقة يعرض المشروع لمخاطر نجاحه واستمراره.
مكاسب ايران:
أولا: الاتفاق يزيد في نمو الاقتصاد الايراني، وقد انعكس بشكل مباشر على العملة الايرانية التي بدأت تستعيد عافيتها وقوتها أمام العملات الأجنبية، كما ينعكس على سائر مجالات الاقتصاد خاصة اذا انفتحت أسواق جديدة أمام البضائع الايرانية.
ثانيا: الاتفاق سيمنح ايران المزيد من الوقت والتفرغ لجبهتي والولايات المتحدة واسرائيل، فتعدد الجبهات يستنزف طاقات ايران، ويزيد من مشاكلها والعراقيل التي تواجهها، ومن المؤكد أن الاتفاق سينهي العديد من الجبهات.
ثالثا: الاتفاق يحبط ويفشل الاستراتيجية التي تتبناها الحكومات الاسرائيلية وخاصة حكومة نتنياهو والتي تروج لايرانفوبيا وترتكز على أن طهران تشكل خطرا وتهديدا للمنطقة والعالم، وغير خاف على أحد أن الهدف من هذه الاستراتيجية هو التقرب الى دول المنطقة وتطبيع العلاقات معها، وكذلك دفع الدول الغربية الى تقديم المزيد من الدعم للكيان.
*باحث في الشأن الايراني
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر