سرحان الزبيدي*
كنا في سجن أبو غريب حيث تم عزلنا ونقلنا من القاطع الثاني المعروف إختصاراً ب(ق2) إلى قسم الإستقبال بعد إنشقاق مجموعة البعثيين في القاطع الثاني بسبب خلاف عميق أدى إلى الإشتباك ظهيرة يوم 22 آب 1973 . سبب الخلاف هو ما نشرته مجلة الطليعة الكويتية المؤيدة للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين في حينه وهو نصّ رسالة الرئيس حافظ الأسد إلى الرئيس أحمد حسن البكر حول توحيد حزب البعث في القطرين الشقيقين وعلى امتداد الساحة العربية وكذلك ردَّ البكرالإيجابي على رسالة الأسد . إستغلّينا حركة ناظم كزار مدير الأمن العام في 30 حزيران وما أنتجته من إرتخاء القبضة الأمنية داخل مؤسسة الأمن العام وبدأنا بالتصعيد ضد الطرف الآخر واتهامه بالعمالة للأمن حتى حصل الإشباك .
بعد الحركة جيء بعلي رضا باوة وسالم الشكرة محكومَيْن بثلاث سنوات للأول وسنة واحدة للثاني . لم نكن نتحدث مع الإثنين فالأول كان قبل الحكم عليه مسؤول العلاقات الخارجية في جهاز المخابرات والثاني كان احد جلادي (قصر النهاية / المعتقل الأشهر في العراق والعالم الثالث) . لم يكن للإثنين علاقة بحركة ناظم كزار وقد صدر الحكم على باوة كونه فقط عديل الشهيد محمد فاضل عضو القيادة القطرية لحزب البعث الحاكم ومسؤول المكتب العسكري والذي يقال بأنه هو من دفع ناظم كزار إلى التحرك ضد صديقه الأقرب على الإطلاق نائب رئيس مجلس قيادة الثورة صدام حسين . أما الشكرة فكان على علاقة وثيقة جدا بناظم كزار ولكنه لم يكن على علاقة بالحركة لأن كل الذين كانوا على علاقة بها تم تنفيذ حكم الإعدام بهم جميعا . كنا محكومين بمواد سياسية من قبل ما يسمى بمحكمة الثورة ولكن المفارقة هي أن السياسي المحكوم من محكمة “الثورة” يطلق عليه “مخرّباً” كما يطلق كيان الإحتلال الصهيوني التسمية على الفدائيين الفلسطينيين ؛ واعتبار (جريمته) عادية مخلّة بالشرف كما جاء في قرار التجريم من قبل المحكمة ! .
كانت أيام زيارتنا كسياسيين (مخربين!) هي يوم الخامس ويوم العشرين من كل شهر ويوم الجمعة الذي يلي التاريخَيْن المذكورَيْن ، وكانت أيام زيارة السجناء العاديين هي يومي واحد والخامس عشر من كل شهر وأيام الجمعة التي تلي التاريخين المذكورين وكانت أيام الجمعة تتصادف أحيانا بيننا وبين السجناء العاديين . كانت تأتي الى علي رضا باوة سيدة شابة في العشرينات بزيارات خاصة خارج تواريخ السياسيين والعاديين .
ذات يوم وفي أحد أيام الزيارة كنا في غرفنا وإذا بنا نسمع صياح وشتائم امرأة في الممر وخرجنا من غرفنا لنستطلع مصدر الشتائم وإذا بها (أم نجوى) زوجة علي رضا باوة . كان هو واقفا على باب غرفته في أقصى نهاية الممر مستطلعاً مثلنا وعندما وصلته زوجته صفعته فأمسك بيديها فبصقت في وجهه وقالت له : عجمي عظمك “؟؟؟” !! . فقال بصوت عال سمعه كل من في هو في الممر :
– صدام حسين يتحمل مسؤولية حركة ناظم كزار ومسؤولية ما حصل للعراق بعد العام 1968 ومسؤولية ما سيحصل للعراق في المستقبل .
تبيّن أن المرأة الشابة الثانية التي كانت تأتي في زيارات خاصة بتصريح خاص من الأمن هي زوجة علي رضا باوة السرية وأن رجال الأمن هم من كانوا يعطونها تصريحا بزيارته وهم من وشى بها وبباوة إلى زوجته الأولى أم نجوى واختفت بعد الحادثة نهائياً ولا نعرف ما الذي حصل لها .
خرج علي رضا باوة من السجن وافتتح فرناً آلياً في حي المنصور الراقي في بغداد . بعد المظاهرات في إيران ضد نظام الشاه ومهاجمة واحتلال السفارات الإيرانية حول العالم أرسل صدام حسين وراء علي رضا باوة وطلب منه الذهاب إلى فرنسا واللقاء بالإمام الخميني كونه على علاقة جيدة به منذ أن كان باوة مسؤول العلاقات الخارجية في جهاز المخابرات يوم كان آية الله الخميني لاجئا في مدينة النجف قبل إتفاقية آذار 1975 المعروفة باسمها الشائع (إتفاقية الجزائر) التي وقّعها صدام حسين مع شاه إيران بوساطة الرئيس الجزائري هواري بومدين وكان باوة يتابع شؤون اللاجئين السياسيين يومها في العراق بحسب موقعه في جهاز المخابرات .
يذكر علي رضا باوة بأنه وبعد وصوله باريس قصد في اليوم التالي قرية “نوفل لوشاتو” في ضواحي باريس فوجد حشدا من الصحفيين (يطوق) سكن الإمام الخميني ويذكر باوة بأنه شاهد هناك صادق قطب زادة وطلب منه أن يبلغ الإمام الخميني بوجوده هنا قادماً من بغداد بهدف مقابلته ولكن قطب زادة قال له : بأن الإمام مشغول وليس من الممكن مقابلته بهذه السهولة ، فترك باوة عند قطب زادة رقم هاتف الفندق الذي نزل فيه مع رقم الغرفة وإن لم يتصلوا به غدا فسيعود بعد غد إلى العراق .
يدعي علي رضا باوة بأنهم إتصلوا به في اليوم التالي وطلبوا منه الحضور فورا لمقابلة آية الله الخميني ، ذهب باوة على الفور وقبّل يد الخميني عند لقائه به ، حسب روايته ، كما كان يفعل قبل سنوات عندما كان يقابله في النجف قبل إتفاقية الجزائر التي تسببت في خروج الخميني من العراق والتي كان من بين شروطها طرد اللاجئين الإيرانيين من العراق إن لم يلتزموا بالكف عن العمل السياسي المعارض لنظام الشاه .
بعد ذلك يروي علي رضا باوة بأن الخميني بدأ بالحديث عن صدام حسين وبأنه (هو الحاكم الفعلي في العراق ، وأننا لن نتركه في الحكم وسنعمل على إسقاطه بعد إسقاط الشاه .. إلخ) !! .
بعد عودة علي رضا باوة إلى العراق كتب تقريرا مفصلا عن بآية الله الخميني وسلّمه إلى سعدون شاكر مدير المخابرات فلخص الأخير التقرير ورفعه إلى صدام حسين الذي كان يومها نائب رئيس مجلس قيادة الثورة فطلب صدام حسين من سعدون شاكر ، بعد قراءة التقرير ، النسخة الأصلية من التقرير بخط علي رضا باوة ، حسب رواية الأخير .
في الرد على ما ورد في تقرير علي رضا باوة من أخطاء إن لم أقل تزوير منهجي للحقيقة إنطلاقا من حيثيات الماضي التي دفعت علي رضا باوة إلى الإيقاع بصدام حسين وبالتالي العراق ككل ودفعته إلى نقل كلام لا أساس له من الصحة عن آية الله الخميني .
كل الذين يعرفون آية الله الخميني عن قرب يؤكدون بأنه إنسان كظيم وهادئ ووقور وصادق ولا يمكن أن ينحدر إلى المستوى الذي قاله عنه باوة وذكر لي الأخ عباس شاهين الذي أسس العلاقة السورية الإيرانية والعلاقة الفلسطينية الإيرانية قبل انتصار الثورة الإيرانية عن طريق تزويد أكثر من سبعين معارضا إيرانيا بجوازات سفر سورية من بينهم ابن نائب قائد الثورة محمد حسين علي منتظري وهو أيضا ابن أخت آية الله الخميني وممثله في مجلس الأمن القومي الإيراني بعد إنتصار الثورة والذي قتل في الإنفجار الذي استهدف إجتماع حزب الجمهورية الإسلامية وهو أيضا أي شاهين الذي نقل السلاح من لبنان بعد الإتفاق مع المرحوم خليل الوزير وشخصية فلسطينية أتحفظ على اسمها كونها الآن داخل فلسطين المحتلة عبر الأراضي السورية بعد موافقة الرئيس حافظ الأسد واللواء علي دوبا رئيس شعبة المخابرات العسكرية عبر كردستان تركيا إلى إيران قبل انتصار الثورة الإيرانية حيث شكّلت هذه المجاميع المسلحة التي كانت تواجه السافاك وقادتها جسمَ وقيادة الحرس الثوري الإيراني لاحقا بعد انتصار الثورة الإيرانية ؛ نقل لي السيد شاهين بأنه حمل من سورية ثلاثة مصاحف مذهّبة كهدية من الرئيس حافظ الأسد لكل من الخميني ومنتظري وطالقاني وقد رافقه إلى طهران المدعو عبد الجبار سليمان الكبيسي وعند استقبالهمامن قبل آية الله الخميني ؛ قال الكبيسي للخميني ك(نوع من تثبيت الحضور!) بعد أن أخذ يرتجف في حضرة آية الله الخميني أثناء استقبالهما ، والرواية هنا للسيد شاهين ، قال الكبيسي :
– إن لديه معلومات مؤكدة بأن صدام حسين سيستهدفه بذات الطريقة التي استهدف فيها الملا مصطفى البرزاني !، فنظر إليه الخميني وابتسم وقال :
– نحن نذرنا أنفسنا في سبيل الله وأرجو من الله تعالى أن يصلح هذا الرجل .
أما القول بأن صادق قطب زادة هو مدير مكتب الخميني فهذا الكلام لا أساس له من الصحة على الإطلاق كما زعم علي رضا باوة فهذا الرجل محسوب على التيار القومي وليس التيار الديني ، كما أن مدير مكتب آية الله الخميني هو رجل معمم رافقه في منفاه وبعد انتصار الثورة الإيرانية وحتى وفاته وهو صادق كفار زادة الذي ما يزال على قيد الحياة لغاية ، ولا أدري هل أن علي رضا باوة قد اشتبه عليه الاسم أم أنه تقصّد زج اسم صادق قطب زادة في روايته عن لقائه آية الله الخميني لتثبيت ما ذهب إليه وما نقله لصدام من كلام على لسان آية الخميني الذي ينفيه تماما كل من عرف الخميني عن قرب .
*كاتب عراقي
اليمن الحر الأخباري لسان حال حزب اليمن الحر ورابطه ابناء اليمن الحر